السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصى الله تعالى كثيرا بالبر بالوالدين والإحسان إليهما، وعلى الرغم من كبر سني وعيشي معهما لا أعرف كيف أحسن إليهما، بل على العكس؛ أخشى أنني أعقهما، والدي منعزل شبه كلي يوميا في غرفته، يخرج فقط لبعض الوقت ليدردش مع أصحابه، أحاول أحيانا بدء حوار معه، لكنه قليل الكلام.
والدتي صعبة جدا خاصة معي، كثيرة الانتقاد لأي شيء أفعله، وتنفعل مني، كبرت وأنا أتفادى انفعالها وانزعاجها، حتى أحسست أني صرت أتفاداها، أحاول عدم الوقوع في ذلك، لكني إن حاولت الاقتراب أجد نفسي دائما في دائرة اللوم والاتهام والانتقاد.
أخشى أنني أعقها بتجاهلها رغم أنني لا أنوي ذلك، أنا فقط أحاول تفادي كل فعل أو كلام يغضبها، فكيف أبرها وهي تنزعج مني؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ دعاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يرزقك بر والديك، وأن يؤلف بين قلوبكم، ويجعل بيتكم عامرا بالمودة والرحمة، وبعد:
فإن أول ما يطمئننا في رسالتك أنك تخافين أن تكوني عاقة لوالديك، ومن خاف ربه وراجع نفسه، وسأل عن طريق البر، فهذه علامة خير؛ لأن العاق في الغالب لا يؤلمه عقوقه، ولا يبحث عن سبيل لإصلاحه، فاحمدي الله على ذلك.
ثم اعلمي أن الله سبحانه لما أمر ببر الوالدين علم أن طبائع الآباء والأمهات تختلف، فمنهم اللين، ومنهم الشديد، ومنهم كثير الكلام، ومنهم قليل الكلام، ومنهم من يسهل إرضاؤه، ومنهم من يصعب ذلك، ومع هذا لم يعلق الله البر بكون الوالدين كاملين، بل أمر به مطلقا؛ لأن البر عبادة تتقربين بها إلى الله قبل أن يكون مكافأة لوالديك، لكن هذا لا يعني أن البر هو أن تعيشي في قلق دائم، أو أن تحملي نفسك ما لا تطيق، أو أن تظني أنك مسؤولة عن تغيير طباع والديك، فالله لا يكلف عبده ما لا قدرة له عليه.
ووالدك ما دام قليل الكلام محبا للعزلة، فلا تجعلي البر مقصورا على الجلسات الطويلة معه، فبعض الناس يأنسون بالصمت أكثر من الحديث، وقد يكون من بره أن تجلسي معه قليلا، أو تسأليه عن حاله، أو تخدميه إذا احتاج، أو تستأذنيه في بعض أمورك، أو تشاركيه ما يحب من حديث، ولو لدقائق يسيرة، فإن البر ليس بكثرة الكلام، وإنما بحسن المعاملة.
وأما والدتك، فنشعر من كلامك أنك تعيشين معها معركة داخلية، فأنت تريدين برها، لكنها كثيرة الانتقاد، حتى صرت تخافين من الاقتراب منها، خشية أن ينتهي الأمر إلى اللوم والانفعال.
وهنا نحب أن نقرر لك حقيقة مهمة: قد تكون والدتك مخطئة في أسلوبها، لكن هذا لا يعني أنها لا تحبك، فحب الأم لابنتها فطرة أودعها الله في قلبها، فهي التي حملتك، وأرضعتك، وربتك، وسهرت عليك، وهذه الفطرة قد تغطيها أحيانا الأخطاء، أو الطباع الحادة، أو الضغوط النفسية، لكنها لا تزول قط، بل إن كثيرا من الأمهات يشتد نقدهن للبنت التي يعلقن عليها آمالا كبيرة، أو يشعرن بقربها منهن أكثر من غيرها، فيخطئن في التعبير، ويكثرن من اللوم، وهن يظنن أنهن يصلحن، لا أنهن يجرحن.
ولذلك لا تفسري كل نقد منها على أنه كراهية لك، فقد يكون أسلوبها قاسيا، لكنها تريد الخير بطريقتها، وقد تكون تحتاج هي نفسها إلى من يفهمها ويعذرها، ولا تجعلي خوفك من انفعالها يدفعك إلى هجرها عاطفيا؛ لأن الشيطان قد يدخل عليك من هذا الباب، فيقنعك أن الابتعاد هو الحل، ثم تتسع المسافة شيئا فشيئا.
ونحن ننصحك بالخطوات العملية الآتية:
- لا تنتظري أن تتغير طباع والديك حتى تبدئي ببرهما، بل ابدئي بما تستطيعين أنت.
- اجعلي لوالدتك نصيبا ثابتا من الاهتمام، ولو دقائق كل يوم، ولا تربطي ذلك بردة فعلها.
- إذا بدأت في توجيه اللوم أو الانتقاد، فلا تبادري إلى الدفاع عن نفسك في لحظة الغضب، فإن كثيرا من الخلاف يشتعل بسبب محاولة كل طرف إثبات أنه على حق.
- إذا أخطأت في حقها، فاعتذري مباشرة، وإذا كنت ترين أنك لم تخطئي، فليس كل موقف يحتاج إلى جدال لإثبات البراءة.
- ابحثي عن الأمور التي تفرحها، ولو كانت صغيرة، كقضاء حاجة، أو هدية، أو كلمة طيبة، أو مشاركتها في بعض أعمال البيت.
- أكثرى من الدعاء لوالديك، فإن من أعظم البر أن تسألي الله أن يصلح قلبيهما، وأن يؤلف بينكم.
وأحب أن ألفت نظرك إلى أمر مهم، وهو أنك قلت: "أحاول تفاديها حتى لا تغضب"، ونحن نخشى أن يكون هذا الأسلوب مع مرور الزمن، قد تحول من وسيلة لتجنب الخلاف إلى حاجز نفسي بينكما، لذا حاولي أن تقتربي منها بالتدرج، لا بكثرة الجدال، ولا بمحاولة تغيير شخصيتها، وإنما بالإحسان المستمر، ولو لم تري أثره سريعا.
وتذكري دائما أن البر ليس معناه ألا يغضب الوالدان منك أبدا، فهذا أمر لا يملكه أحد، وإنما البر أن تبذلي وسعك في الإحسان إليهما، مع الصبر على ما قد يصدر منهما، من غير ظلم لنفسك، ولا تقصير في حقهما.
نسأل الله أن يرزقك بر والديك، وأن يشرح صدوركم، وأن يجعل ما تبذلينه في الإحسان إليهما في ميزان حسناتك، والله الموفق.