السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كان لدي عم كبير في السن، ليس له زوجة ولا أبناء، وكنت أزوره دائما قبل زواجي، ولكنني تزوجت منذ سنتين، وانشغلت بزوجي وابني، فلم أعد أستطيع زيارته كما كنت من قبل. ولم يكن عمي قادرا على الاهتمام بنفسه بسبب كبر سنه، فنقله عمي الآخر إلى دار للمسنين، ولم أزره خلال هذه الفترة.
توفي عمي اليوم، وأشعر بالذنب بسبب عدم سؤالي عنه أو زيارته، فهل علي إثم؟ وكيف أكفر عن ذلك؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ إيمان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالتالي:
أولا: الأرحام هم الأقارب من النسب من جهة الأب والأم، وأقربهم الآباء والأمهات والأولاد، ثم الأقرب فالأقرب من الإخوة، والأعمام، والأخوال.
وصلة الرحم تكون بأمور متعددة، منها: الزيارة، والصدقة، والإحسان إليهم، وعيادة المرضى، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وغير ذلك. وصلة الرحم يرجع تحديدها إلى ما جرى العرف بأنه صلة، فتارة تكون بالسلام، أو بالزيارة، أو بالهدية، ونحو ذلك، قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: "وأما صلة الرحم: فهي الإحسان إلى الأقارب، على حسب حال الواصل والموصول، فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة والسلام، وغير ذلك".
فالواجب على المؤمن صلة الرحم مع أقاربه: أبيه، وأجداده، وأولاده، وإخوته، وأعمامه، وغيرهم، الأقرب فالأقرب، يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها، ويقول ﷺ: لا يدخل الجنة قاطع رحم، ويقول ﷺ: من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه.
ثانيا: قد أحسنت صنعا في اهتمامك بعمك قبل زواجك، فالعم بمنزلة الأب، كما في صحيح مسلم وغيره، أن النبي ﷺ قال: يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه، وقد قال الإمام النووي في شرح الحديث: "أي مثل أبيه، وفيه تعظيم حق العم" انتهى. وقال الإمام المناوي في فيض القدير: "فتعظيمه كتعظيمه، وإيذاؤه كإيذائه، وفيه حث على القيام بحق العم، وتنزيله منزلة الأب في الطاعة وعدم العقوق". انتهى.
ثالثا: ما حصل لك بعد زواجك من قطيعة لعمك، وهو في كبر سنه وشدة احتياجه، فإن ذلك من قطيعة الرحم، ومعلوم أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، فعن جبير بن مطعم أنه سمع النبي ﷺ يقول: لا يدخل الجنة قاطع.
وانشغالك بزوجك وأولادك لا يبيح لك قطيعة عمك، ولا يسقط حقه عليك في الصلة، قال ﷺ: ليس الواصل بالمكافئ، إنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها. أخرجه البخاري.
والتوقف عن صلة القريب والإحسان إليه دون مسوغ شرعي يعد من القطيعة المحرمة، قال الهيتمي في بيان القطيعة التي تعد من الكبائر: "قطع ما ألف القريب منه من سابق الوصلة والإحسان لغير عذر شرعي؛ لأن قطع ذلك يؤدي إلى إيحاش القلوب ونفرتها وتأذيها، ويصدق عليه حينئذ أنه قطع وصلة رحمه، لا سيما في كبر سنه ومرضه، والله المستعان".
رابعا: أما ما تجدينه من شعور التأنيب بسبب التقصير في حق عمك، لا سيما أنه توفي ولم تقومي بزيارته منذ سنتين، ومات ولم يرك، فهذا أمر محزن، ولكن علاجه بالتوبة إلى الله تعالى.
فما أحسن أن يعترف الإنسان بخطئه، فيعود إلى الطريق الصحيح، نعم، يعود إلى رشده، تاركا تلك الأخطاء والمعاصي والتقصير في حق الأرحام والأقارب، والله تعالى رب رحيم كريم، يقبل توبة التائبين، فهو القائل: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم}، وقال: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون}.
نسأل الله أن يتوب علينا جميعا، وأهم ما ينبغي الاستفادة منه من هذا الدرس، ألا يتكرر هذا الموقف مع أرحامك مرة أخرى، ونسأل الله أن يعفو عنك، وأن يتوب علينا جميعا من تقصيرنا في حق أرحامنا وأقاربنا، آمين.