السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عقلي دائم الشرود، والتشتت الذهني منذ الاستيقاظ إلى وقت النوم، مع انعدام التركيز؛ فأجبر نفسي على التركيز، لكنني لا أستطيع، وكأن عقلي يحاربني ويجبرني على الدخول في سيناريوهات وأفكار داخلية كثيرة لا تتوقف.
حاولت كثيرا التغلب على ذلك، ولكن دون فائدة، وأصبحت غير قادر على التفكير العميق، أو حل أبسط المسائل، فعندما أحاول حل مشكلة أو التفكير في أي أمر يتشتت ذهني، ولا أستطيع التركيز عليه.
كما تسبب لي ذلك في نسيان شديد، وانعدام الثقة بالنفس في حياتي، وأصبحت أخاف من الدخول في أي أمر، سواء كان عملا أو علاقات اجتماعية مع الناس.
هذه المشكلة تزداد لدي مع مرور الوقت، فقد كنت أشعر ببعض هذه الأعراض منذ صغري، ولكنني الآن وصلت إلى مرحلة متقدمة جدا؛ فأصبحت ذاكرتي لا تحتفظ بأي شيء، وأنسى الأمور بسرعة شديدة، فمثلا أثناء القيادة أنسى الإشارات كثيرا، وعندما أذهب لإحضار شيء أنسى ما ذهبت لأجله، ثم أنساه مرة أخرى، وهذا أمر يسبب لي معاناة كبيرة.
كذلك، عندما أجلس مع أشخاص يتحدثون إلي، أشرد ذهنيا وأفقد التركيز، فلا أستطيع متابعة الحديث معهم.
جربت تناول "أوميغا Omega 3"، و"فيتامين Vitamin B12"، ولكن لم يتغير شيء.
أشعر أنني لن أستطيع فعل أي شيء في حياتي ما لم يهدأ عقلي، وأستعيد قدرتي على التركيز، وأتعافى من النسيان. أتمنى فعلا أن يهدأ عقلي، وأن تعود حياتي إلى طبيعتها؛ لأنني أصبحت أفكر في إيجاد حل لهذه المشكلة، ولكنني لم أجد طريقا واضحا.
وعندما بحثت وجدت أن ما أعاني منه قد يكون اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، ولكن بسبب عدم وجود أخصائيين يشخصون هذا الاضطراب في بلدي، لم أذهب إلى طبيب نفسي.
وجزاكم الله خيرا كثيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ أمير، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك العافية، والشفاء، والتوفيق، والسداد.
أخي الكريم، من أكبر أسباب اضطراب التركيز، وتشتت الانتباه: القلق النفسي؛ إما أن يكون قلقا ظرفيا مرتبطا بظروف معينة، أو قلقا مرتبطا بشخصية الإنسان، بمعنى أن تكون الشخصية قلقة في الأصل، وهذا ربما يكون منطبقا عليك؛ لأنك ذكرت، وشرحت بصورة واضحة وجلية، أن هذه الإشكالية لديك منذ الصغر.
إذا فالقلق النفسي من أكبر أسباب التشتت الذهني.
وهناك أسباب أخرى؛ مثل اضطراب نمط الحياة، فبعض الناس يكون نومهم غير منتظم، ويميلون إلى السهر، وتكون حياتهم مليئة بالتكاسل، ولا يمارسون الرياضة، ويلجؤون إلى النوم النهاري، وغير ذلك، وهؤلاء قد يحدث لهم شيء من التشتت الذهني، ولكن ليس بالصورة الشديدة التي ذكرتها.
كما أن زيادة إفراز هرمونات الغدة الدرقية، إذا كانت مستمرة، قد تؤدي أيضا إلى شيء من التشتت وضعف التركيز.
ويمتد الأمر بعد ذلك إلى موضوع الـ "ADHD"، أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، فهذا الموضوع أصبح محل اهتمام كبير في الآونة الأخيرة.
وتوجد بعض الاختبارات الذاتية على شبكة الإنترنت، فكثير من الناس يقيمون أنفسهم من خلال هذه القياسات النفسية، وإن كنت لا أحبذ ذلك؛ لأن الإنسان إذا شخص نفسه فقد لا يكون تشخيصه دقيقا، وقد يسبب له ذلك مزيدا من الانشغال والقلق دون مبرر.
أريدك أن تنظر إلى حالتك على أنها حالة من القلق النفسي المستمر، أو ما يعرف بالقلق المعمم المرتبط بالشخصية، وعلى ضوء ذلك أريدك أن تبدأ نمط حياة إيجابيا، وأهم ما في هذا النمط: أن تتجنب السهر، وأن تمارس الرياضة بانتظام، وأن تطبق تمارين تسمى تمارين الاسترخاء.
وهذه التمارين يمكن أن يدربك عليها أخصائي نفسي، أو يمكنك الاستعانة ببعض البرامج الموجودة على اليوتيوب، فهناك برامج لتمارين التنفس المتدرجة، وكذلك تمارين شد العضلات وقبضها.
أخي الكريم، من المطلوب أيضا أن تقلل من شرب الشاي والقهوة، إن كنت من المكثرين منهما؛ فهذا أمر مهم جدا، وإجراء بعض الفحوصات الطبية، للتأكد على الأقل من مستوى هرمون الغدة الدرقية، وكذلك مستوى فيتامين "د".
هذه هي الإرشادات العامة، كما أن قراءة القرآن بتدبر وتؤدة تحسن التركيز، وهذا أمر ثابت، فاجعل لنفسك نصيبا من ذلك.
وسأصف لك أيضا أدوية ممتازة للمساعدة في احتواء القلق النفسي، وحين يتم التحكم في هذا القلق -إن شاء الله- يتحسن التركيز، ومن أهم هذه الأدوية دواء يسمى "إسيتالوبرام - Escitalopram"، أريدك أن تبدأ في تناوله بجرعة (5 ملغ)، أي نصف حبة من الحبة التي تحتوي على (10 ملغ).
تناول هذه الجرعة لمدة عشرة أيام، وبعد ذلك اجعلها (10 ملغ) يوميا لمدة أسبوعين، ثم اجعلها (20 ملغ) يوميا لمدة شهرين، ثم خفضها إلى (10 ملغ) يوميا لمدة شهرين آخرين، ثم اجعلها (5 ملغ) يوميا لمدة شهر، ثم (5 ملغ) يوما بعد يوم لمدة شهر، ثم توقف عن تناول "إسيتالوبرام - Escitalopram".
ويوجد دواء آخر داعم يسمى "سولبريد - Sulpride"، أريدك أن تتناوله بجرعة (50 ملغ) صباحا ومساء لمدة شهر، ثم (50 ملغ) صباحا لمدة شهر، ثم تتوقف عن تناوله، وحسب علمي، فهذه الأدوية موجودة في السودان.
أخي الكريم، إذا طبقت هذه الإرشادات، وتناولت الدواء بالصورة التي ذكرتها لك، ولم تتحسن بصورة واضحة، فهذا يعني أنك في الغالب لديك "ADHD"، أي اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
وطبعا بالنسبة للكبار مثل حالتك، فغالبا لا يكون فرط الحركة موجودا بالصورة نفسها التي تظهر عند الأطفال، وتكون المشكلة الأساسية هي التشتت الذهني، وهذا يحتاج إلى علاجات دوائية معينة، من أهمها دواء يسمى "ميثيلفينيدات - Methylphenidate".
فيا أخي الكريم، أريدك أن تطبق هذه الإرشادات، وأن تتناول الدواء بوصفه اختبارا علاجيا، وأعتقد -إن شاء الله- أنك سوف تستفيد منه كثيرا.
وإذا لم تستفد، فبعد ذلك سيكون التشخيص غالبا هو "ADHD"، وهذا يتطلب أن تقابل طبيبا نفسيا، وتوجد بعض القياسات على الإنترنت لقياس "ADHD"، لكنني لا أنصح بالاعتماد عليها في التشخيص.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.