أرهقني البلاء وطول الانتظار.. كيف أستعيد أملي في الله؟

0 0

السؤال

السلام عليكم.

أشعر بأنني ضائعة، وكأنني أسير في طريق لا نهاية له؛ فمنذ سنوات وأنا أدعو الله بإلحاح في كل صلاة، وفي كل وقت أستطيع فيه رفع يدي إليه، لكنني لا أرى أي استجابة؛ فكلما ازددت دعاء، ازداد شعوري بأن أبواب السماء مغلقة في وجهي، وهذا يؤلمني كثيرا.

أعيش في دوامة لا تنتهي من المشكلات والهموم، وكلما ظننت أن الفرج اقترب، وجدت نفسي أمام ابتلاء جديد.

بدأت أشعر بأن الحياة كلها ضدي، وأنني أواجهها وحدي، تراودني أسئلة كثيرة لا أجد لها جوابا، وأشعر أحيانا بعدم العدل، وأتساءل لماذا يحدث كل هذا معي رغم أنني لم أتوقف عن الدعاء.

وصل بي هذا الشعور إلى مرحلة فقدت فيها طمأنينتي، وأصبحت أشعر بأن صلاتي بلا معنى، فتوقفت عن الصلاة، وقراءة القرآن؛ ليس لأنني أكره ديني، بل لأنني أصبحت منهكة، تائهة، وعاجزة عن إيجاد الأمل الذي كنت أشعر به من قبل.

كل ما أريده هو أن ينتهي هذا الألم، وأن أجد سببا يجعلني أستمر، وأن أشعر بأن الله لم يتركني، وأن ما أمر به ليس نهاية الطريق؛ لأنني تعبت من الانتظار، وتعبت من محاولة إقناع نفسي بأن الفرج قريب بينما لا أرى له أثرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ماريا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالآتي:

أولا: ما تعانينه من ضيق، وإحباط، ويأس، وتأخر في إجابة الدعاء، هذا نوع من الابتلاء، والإنسان في هذه الحياة يمر بالكثير من المواقف التي تؤثر في مشاعره سلبا أو إيجابا؛ فتراه أحيانا سعيدا هادئا، وأحيانا حزينا مهموما، وهذا شأن الدنيا، فهي لا تدوم على حال، ولا تصفو لأحد، لكن عليه أن يعمل بالحديث الوارد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" وفي صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه".

ثانيا: أرشدنا رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- إلى أهمية الدعاء، فقال -عليه الصلاة السلام-: "الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء" أخرجه الحاكم، ثم إن دعاء المسلم لا يضيع، والله تعالى أكرم من أن يرد سائلا؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا" رواه أحمد، وصححه الألباني.

ولكن للدعاء المقبول شروط لا بد من تحققها، وموانع لا بد من انتفائها، وآداب يرجى قرب الإجابة بها، ثم إن إجابة الدعاء قد تقع بحصول ما دعا المسلم بعينه في الحال، وقد تقع بعد وقت من دعائه، وهذا الوقت لا يعلم مقداره إلا الله، وقد يستجاب للعبد، ولكن لا يحصل المطلوب بعينه، فصور استجابة الدعاء تتنوع؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" رواه الترمذي، وفي رواية لأحمد: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها"، قالوا: إذا نكثر، قال: "الله أكثر".

ثالثا: لا بد من الصبر في حال تأخر الإجابة، وكون الإنسان يصلي، ويصوم، ويؤدي العبادات لله تعالى، هذا أمر يحمد عليه الإنسان، وهو خير كثير، ولكن قد يبتلى الإنسان، فتحبس حاجته حتى لو دعا الله تعالى؛ فلعل الحاجة أن تقضى، ولعلها أن تؤجل إلى وقت آخر، وقد يصرف الله تعالى عنه من الشر مثلها، أو يكتب الله له الأجر يوم القيامة؛ فالدعاء لن يضيع عند الله سبحانه وتعالى، ولكن على الإنسان أن يدعو الله تعالى، ويجتهد في الإقبال على الله، ويعمل بالأسباب المادية الواقعية المباحة، والله تعالى يفرج الهموم، فلا يقع في نفسك الحيرة، ولا يشككك الشيطان فتتركين الدعاء، والله تعالى له الحكمة البالغة في تأخير الإجابة، كما قال تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) الأنبياء: 23.

رابعا: وأما علاج ما أصابك من الإحباط فيكون بالآتي:
‏1- عليك بمقاومة الإحباط، وسيطرة النفس عليها.
‏2- تقوية الإيمان بالقضاء القدر، والرضا بما قدره الله، مع العلم بأن ما قدره الله لك كله خير، وأن الله لا يختار لعبده إلا ما فيه الخير:(وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) النساء: 19.
‏3- التعود على الأخذ بالأسباب، وهذا نبي الله يعقوب -عليه السلام- يوصي أبنائه: (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله ۖ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) يوسف: 87.
‏4- التفاؤل، والأمل، وإحسان الظن بالله تعالى في تفريج الكربات.
‏5- الذكر والدعاء، وأكثري من قول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"؛ فلعل الله تعالى أن يغير أحوالك من ضيق وشدة إلى خير وسعة -إن شاء الله-، وأكثري من الاستغفار؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب" رواه أحمد، فأحسني ظنك بالله، وتوكلي عليه، وعلقي قلبك بالله وحده.

خامسا: تأخير الدعاء لا يستوجب منك ترك عبادة الله تعالى، أو إساءة الظن به جلا وعلا، أو ترك الصلاة؛ فالله غني عنا جميعا، فإن الله عز وجل غني عن العالمين، مؤمنهم وكافرهم، لا ينفعه شكر الشاكرين، ولا صبر الصابرين، كما لا يضره كفر الكافرين، ولا جزع الجازعين، قال جل وعلا: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم) {الفرقان:77}؛ أي: لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه، فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه، ويوحدوه، وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم، إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين، قال تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا {النساء:131}.

وفي الحديث القدسي: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) رواه مسلم.

‏سادسا: وأما تركك للصلاة فأمر خطير؛ فالصلاة لها منزلة عظيمة في الإسلام، لا تعدلها منزلة أي عبادة أخرى؛ فالصلاة صلة بين العبد وبين ربه، والصلاة عماد الدين الذي لا يقوم الدين إلا به كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) حسنه الألباني، وهي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة؛ كما جاء في حديث عبد الله ابن قرط -رضي الله عنه-، قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله) رواه احمد، وهي آخر وصية وصى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حينما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (الصلاة الصلاة وما ملكت ايمانكم)، وقد حذرنا القرآن الكريم عن الانشغال عن الصلاة وتأخيرها، فقال تعالى:(فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) الماعون، أي يؤخرونها عن أوقاتها؛ لأن الصلاة لها وقت محدد كما قال تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) النساء 103، وحذرنا القرآن الكريم أيضا من إضاعة الصلاة، فقال تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) مريم 59.

فعليك بالمحافظة على الصلاة، وقد أمرنا الله بذلك، فقال: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) البقرة: 238، وفي مسند أحمد، عن عبد الله بن عمر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ذكر الصلاة يوما فقال: "من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم يكن له نور، ولا برهان، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأبي بن خلف".

سابعا: ابنتنا الكريمة: لا بد لك من التوبة، وتجديد الإيمان؛ حتى يخرجك الله مما أنت فيه من الضيق واليأس والإحباط؛ فما أحسن أن يعترف الإنسان بخطئه فيعود إلى الطريق الصحيح، نعم، يعود إلى رشده، تاركا تلك الأخطاء والمعاصي، ويقبل على رب رحيم كريم، يقبل توبة التائبين.

وقد يبتلى الإنسان بمرض وتعب يلم به، وقد ينضم إلى ذلك تعب نفسي، فيظن أن هذا التعب الذي ألم به هو عنوان عدم قبول التوبة، وهذا تفكير خاطئ؛ فبمجرد أن يتوب الإنسان إلى ربه توبة نصوحا، فإن الله هو التواب الرحيم، فلا تيأسي؛ فإن الله تعالى قال عن المسرفين في الذنوب والمعاصي: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) الزمر:52، وقال تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون) الشورى:25.

بل إن الله من سعة رحمته وعفوه وكرمه يفرح بتوبة أحدنا إذا تاب إليه، كما في حديث أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه"، فكم نحن سعداء أن لنا خالقا كريما يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، كما أن ذنوبنا لا تتوقف صباحا ومساء، ليلا ونهارا، فإن الله يفتح أبواب التوبة في كل وقت وحين.

فيا -أيتها البنت الفاضلة-: لا تيأسي من روح الله، وهذه المتاعب التي ألمت بك ليس من الضروري أن تكون عنوان عدم قبول الله لك بالتوبة، فأحسني ظنك بالله تعالى، ثم عليك بالتفاؤل، والأمل، وإحسان الظن بالله تعالى في تفريج الكربات؛ فليست الحياة ضدك كما تقولين، ولا يخلو أحد منا من ابتلاء، فالصبر الصبر، وليس حالك الآن هو نهاية الطريق كما تظنين؛ بل الأمل موجود، والله ربنا أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، والفرج قريب -إن شاء الله تعالى-.

‏وعليك بالذكر والدعاء، وأكثري من قول: "لا حول ولا قوة الا بالله"؛ فلعل الله تعالى أن يغير أحوالك من شدة وعسر، إلى يسر وانفراج، وأكثري أيضا من الاستغفار؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب" رواه أحمد، فاليقين اليقين برحمة الله وكرمه وجوده سبحانه وتعالى.

وختاما: تفقدي مواضع الخلل والزلل في نفسك، مع الأخذ بالأسباب الشرعية والمادية، وانهضي بحياتك إلى الأفضل والأكمل، مع التوكل على رب الأرض والسماء، وهو الله سبحانه وتعالى.

أسأل الله تعالى بمنه وكرمه وفضله أن يمن عليك بالتوفيق والتيسير، وأن يبعد عنك كل يأس وإحباط، ويرزقك حسن الظن بالله الكريم المتعال، اللهم آمين.

مواد ذات صلة

الاستشارات