أرفض المتقدمين للزواج، لتعلقي بشخص عبر المراسلات

0 0

السؤال

السلام عليكم.

تعلقت بشخص عبر المراسلات، وقطعت تواصلي معه منذ عام، ابتغاء لمرضاة الله، وما يمنعني من استكمال العلاقة هو خوفي الشديد في المجمل، لا سيما وجود فارق تعليمي بيننا، ورغم استحالة الارتباط ما زلت أتذكره، وأشتاق إليه، وأرفض المتقدمين للزواج خوفا من أن أظلمهم معي، وأنا ما زلت متعلقة بغيرهم،
فكيف أتخلص من هذا التعلق، وأتجاوز هذه المشاعر لأرضى بما قسمه الله لي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Esraa حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

أختي الكريمة: لقد أحسنت حين بادرت إلى التوبة إلى الله تعالى من هذا التواصل، وهذه نعمة عظيمة وخير أراده الله لك؛ فإن التوبة الصادقة من أجل الطاعات، قال تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾، فقد حرم الإسلام مثل هذه العلاقات العاطفية قبل الزواج؛ لأنها تفتح باب التعلق القلبي، ثم تجر إلى ما هو أعظم منه من الفتنة والفساد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا ۖ إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾، فتأملي أنه سبحانه لم يقل ولا تزنوا، وإنما قال ﴿ولا تقربوا﴾ ليشمل النهي كل طريق وسبب يوصل إلى الفاحشة.

وأصل التعلق يبدأ غالبا بتجاوز حد الإعجاب المشروع؛ فكون الإنسان يعجب بخلق كريم، أو صفة حسنة في شخص ما أمر فطري لا يلام عليه، لكن الخطر يبدأ عندما يتجاوز الإعجاب حدوده الطبيعية، فيسترسل القلب والفكر، وهنا يبدأ الشيطان بخطواته المتتابعة والصغيرة، فيفتح باب التواصل، ثم باب التعلق، ثم باب التنازل، حتى يجد الإنسان نفسه يفرط في دينه، أو حيائه، أو كرامته طلبا للوصول إلى من تعلق به، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ۚ ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر﴾، وتأملي كيف وصفها بأنها خطوات؛ لأنه لا يدعو الإنسان إلى الحرام دفعة واحدة، وإنما ينقله إليه مرحلة بعد مرحلة حتى يعتاده.

ولهذا أيضا أغلق الشرع الحكيم أبواب الفتنة قبل وقوعها؛ فحرم النظر المحرم، وحرم الخلوة، ونهى عن الخضوع بالقول، وأمر بالحجاب، وغض البصر، قال تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾، وقال سبحانه مخاطبا النساء: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾، وكل ذلك حماية للقلب، والنفس، والمجتمع من أي فساد.

أما بخصوص ما يعينك على التخلص من هذا التعلق، فإنه يحتاج إلى إرادة صادقة، وعزيمة قوية، مع سعي وعمل واجتهاد، واستعانة بالله تعالى، مع يقين بأن الشفاء ممكن -بإذن الله-، وأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وفي سبيل ذلك ننصحك بمجموعة من الأمور:

أولا: أشغلي وقتك بما ينفع، فالفراغ من أعظم الأسباب التي تغذي التعلق؛ لأنه يترك للعقل مساحة واسعة للاسترسال في الذكريات والخيالات، فإذا امتلأ الوقت بما ينفع من حفظ القرآن، وطلب العلم، وبناء الذات، وتعلم المهارات، والأعمال التطوعية النافعة، ضاقت مساحة التفكير في هذا الشخص شيئا فشيئا، فاحرصي على استثمار فراغك فيما يقربك من الله، وينفعك في دنياك وآخرتك.

ثانيا: اقطعي جميع الأسباب الموصلة إليه، فكل ما يذكرك بهذا الشخص ينبغي أن تبتعدي عنه؛ سواء كان حساباته في مواقع التواصل، أو صوره، أو رسائله، أو الأماكن التي يرتادها، أو أي شيء يعيد الذكريات إلى ذهنك، واحذفي رقم هاتفه وكل ما يتعلق بالماضي؛ لأن بقاء هذه الأشياء يجدد الاشتياق، ويؤخر التعافي، وربما أعادك إلى نقطة البداية.

ثالثا: استحضري الجوانب السلبية لهذه العلاقة؛ فمن أكثر ما يقوي التعلق أن يعيش الإنسان خداع الجوانب الجميلة فقط، حتى يرسم في ذهنه صورة مثالية لا وجود لها في الواقع، بينما يغفل عن الأضرار والعواقب، ولهذا اسألي نفسك بعض الأسئلة الهامة بصدق وواقعية، وتخيلي النتائج كأنه واقع حقيقي:
- كيف موقفي أمام الله وأنا أعصيه وهو يسترني؟
- ماذا لو علم أهلي بهذه العلاقة؟
- ماذا لو فضحت بين الناس بهذا العلاقة؟
- ماذا لو استدرجنا الشيطان حتى وقعنا في الحرام؟
- ماذا لو كان هذا الشخص غير صادق ويظهر لي غير ما يبطن؟
- كيف سيكون مستقبلي أو سمعتي بسبب هذه العلاقة؟
- من سيرضى بالارتباط بي إذا كشف أمر هذه العلاقة؟
- لماذا وما الجدوى في إرهاق نفسي بالتعلق بشخص يستحيل الارتباط به أصلا؟

فمثل هذه الأسئلة تعيد للعقل حضوره، وتمنع العاطفة من الانفراد بقيادة القرار.

رابعا: ابتعدي عن كل ما يهيج التعلق والشهوة، ولا يقتصر الأمر على قطع التواصل المباشر، بل يشمل الابتعاد عن كل ما يضعف القلب، ويثير الشهوات: كمتابعة المقاطع العاطفية، والأفلام، والمسلسلات، والروايات الرومانسية، والحسابات التي تزين العلاقات المحرمة، أو تهون من شأنها، والابتعاد عن الصحبة السيئة التي تهون مثل هذه العلاقات؛ لأن القلب الآن وقبل العلاج ضعيف، وما يراه ويسمعه يترك أثره فيه.

خامسا: قوي مراقبة الله تعالى، وابني الإيمان في قلبك؛ فالإيمان هو الحصن الحقيقي الذي يحمي صاحبه عند غياب الرقيب من الناس، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فكلما ازداد القلب إيمانا، وضعف سلطان الهوى عليه، أصبح أقدر على مقاومة التعلق والشهوات، وأكثري من ذكر الله، والمحافظة على الصلاة في وقتها، وقراءة القرآن، والدعاء في أوقات الإجابة، واسألي الله كثيرا أن يصرف عنك هذا التعلق.

وأخيرا -أختي الفاضلة-: من أبرز الآثار السلبية لهذا التعلق أنه لم يعد مجرد شعور عابر، بل بدأ يؤثر في حياتك الواقعية، حتى أصبح سببا في رفض الزواج، مع أن الزواج هو الطريق المشروع الذي يحقق الاستقرار والعفة، وهذه علامة على أن التعلق تجاوز حده الطبيعي، وأصبح يحتاج إلى علاج جاد، ولهذا فمن المهم أن تبادري إلى قطع أسبابه دون تأخير، قبل أن يزداد تمكنه من القلب؛ فإن علاج البدايات أيسر بكثير من علاج النهايات.

وتذكري أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، وأن من صدق مع الله في مجاهدة نفسه أعانه الله وشرح صدره، قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ۚ وإن الله لمع المحسنين﴾ كما ننصحك إذا تقدم إليك صاحب دين وخلق أن تبادري إلى النظر في أمره بجدية، وألا تجعلي هذا التعلق الوهمي حاجزا بينك وبين مستقبلك، أو تبالغي في أسباب الرفض انتظارا لأمر يستحيل تحققه؛ فإن السعادة لا تبنى على الأوهام.

يسر الله أمرك ووفقك للخير.

مواد ذات صلة

الاستشارات