ندمت على تواصلي مع دكتوري بالجامعة وأخشى أني أذنبت، فما توجيهكم؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تواصلت مع دكتور لغة عربية كان يدرسنا عبر الإنترنت، وسألته عن رأيه في نص لمقالة كنت أخطط لكتابتها، وذلك من خلال رسالة طويلة، وقد رحب بذلك وأعطاني بعض النصائح.

لكنني أشعر بأنني خضعت بالقول، ومرة اعتذرت له لأنني غبت عن المحاضرة، ثم علمت لاحقا أن الغياب مسموح، ومرة سألته عن كيفية تطوير اللغة، وألغيت فكرة كتابة المقالات؛ لأنها خرجت بخصوصها بها فتوى.

التفكير في هذا الأمر يأكلني، وأشعر بأنني مذنبة، كما أشعر بأن سمعتي عند الدكتور أصبحت سيئة، ولا أستطيع مسامحة نفسي.

استغفرت الله، لكنني ما زلت أندم؛ لأنني تواصلت مع رجل أجنبي عني، وهو أكبر مني، ومتعاون مع جميع الطالبات، وقد كتبت له الرسالة باللغة العربية الفصحى، فهل علي ذنب؟ وهل يعد ذلك خضوعا بالقول؟ أشعر أن الشيطان زين لي هذا التواصل.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ أمل حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يرزقك الفقه في دينه، وأن يعصمك من وساوس الشيطان، وأن يرزقك العفة والطهارة وحسن القصد.

فإن أول ما نحب أن نطمئنك إليه أن مجرد مراسلة المعلم في أمر علمي أو دراسي، مع الحاجة، وبالقدر الذي تقتضيه المصلحة، ليس محرما في نفسه؛ وإلا لتعطلت مصالح الناس، وتعذر التعلم، وتعذر سؤال أهل الخبرة في كثير من العلوم.

ولكن الذي نهى الله عنه هو ما يفضي إلى الفتنة، أو يشتمل على الخضوع بالقول، أو يتجاوز حدود الحاجة إلى الأنس والملاطفة والعلاقة الخاصة، ومن خلال ما ذكرته في رسالتك، فإننا لم نجد ما يدل على شيء من ذلك.

فقد راسلت أستاذك تستشيرينه في مقال علمي، فرحب، وأجابك، وأرشدك إلى بعض الملاحظات، ثم اعتذرت عن غياب محاضرة، وسألته مرة عن طريقة تطوير لغتك العربية، وكل ذلك داخل في حدود العلاقة التعليمية المعتادة.

وأما قولك: "أشعر أنني خضعت بالقول"، فإن الخضوع بالقول ليس مجرد الكلام مع الرجل، ولا مجرد استعمال اللغة الفصحى، ولا مجرد حسن الأدب، بل المقصود به تليين الكلام على وجه يثير الطمع، أو استعمال العبارات التي تحمل معاني المودة الخاصة، أو إظهار ما يجذب الطرف الآخر خارج حدود الحاجة.

أما الحديث العلمي الجاد، والاعتذار المؤدب، والسؤال عن أمر دراسي، فلا يسمى خضوعا بالقول، ولذلك ننبهك من أن يوسع الشيطان عليك دائرة الحرام حتى يدخل فيها المباح، فإن هذا من مداخله على أصحاب الضمائر الحية.

أما قولك: "أشعر أن سمعتي عند الدكتور سيئة"، فنحن نسألك: ما الذي يدلك على ذلك؟ فمن خلال رسالتك لا يظهر أنه أساء فهمك، ولا أنه أنكر عليك، ولا أنه اشتكى منك، بل الذي يظهر أنه تعامل معك كما يتعامل مع بقية طلابه.

ولذلك، لا تجعلي مجرد الخواطر حكما على الناس؛ فإن كثيرا من هذه الأفكار لا حقيقة لها، وإنما يصنعها القلق، ثم يصدقها الإنسان حتى تصبح كأنها واقع، وحتى على سبيل الفرض الجدلي، لو وصله عنك شيء، فهو ليس الموكل بمحاسبتك، وإنما الله عز وجل هو الذي يحاسب العباد، وأصل العلاقة الصحيحة أن تكون بينك وبين الله تعالى.

لذا، لا تفتشي عما قيل له، ولا تحاولي أن تثبتي غير ما وصل إليه -إن كان قد وصل إليه شيء أصلا-، وإنما عليك أن تسيري بقلب سليم، وعقل متزن.

كما نريد أن ننبهك إلى أمر مهم، وهو أنك ذكرت أنك ألغيت فكرة المقالات بسبب فتوى بلغتك، فإذا كان معنى ذلك أنك كلما هممت بعمل نافع، ثم جاءتك وساوس، تركت ذلك العمل، فهذه طريقة لا ينبغي الاستسلام لها؛ لأن الشيطان إذا رأى أنه يمنعك من الخير بهذا الأسلوب، كرره معك في كل باب.

لذا ننصحك بالوصايا العملية الآتية:

• إذا احتجت إلى سؤال أستاذ أو مختص في أمر علمي، فلا حرج في ذلك، لكن اجعلي المراسلة في حدود الحاجة، وبأسلوب رسمي مختصر.
• لا تعودي إلى قراءة الرسائل القديمة وتحليل كل كلمة فيها، لأن هذا يغذي الوساوس ولا يعالجها.
• إذا جاءك خاطر يقول: "لقد خضعت بالقول"، فاسألي نفسك: ما الدليل؟ فإن لم يكن عندك دليل، فاطرحي هذا الخاطر ولا تناقشيه.
• لا تبني أحكاما على ما تتخيلين أنه في نفوس الناس، فما في القلوب لا يعلمه إلا الله.
• أشغلي نفسك بالعلم والكتابة وتطوير لغتك، ولا تسمحي للوساوس أن تحرمك من أبواب الخير.

ختاما: احذري من وساوس الشيطان؛ فإننا لاحظنا أنه يستدرجك إلى محاكمة نفسك، والتفتيش عن كل كلمة، ثم يزداد الندم حتى تشعرين أنك ارتكبت ذنبا عظيما، مع أن الأمر في أصله قد يكون مباحا.

وهذه الطريقة في التفكير إذا استرسلت معها أرهقتك، وربما حولت حياتك كلها إلى سلسلة من تأنيب النفس، فكوني يقظة من هذه النقطة. وإذا تبين لك خطأ وقعت فيه، فتوبي إلى الله وابتعدي عنه، أما إذا لم يكن عندك إلا الظنون والاحتمالات، فلا تفتحي لها الباب؛ فإن الله لم يكلفنا أن نحاسب أنفسنا على الأوهام، وإنما على ما تحقق من الأقوال والأفعال.

نسأل الله أن يرزقك قلبا مطمئنا، ونفسا سوية، وأن يفتح لك أبواب العلم النافع، والعمل الصالح، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات