والدي يقسو علينا ويمنعنا حقوقنا، فكيف يمكن أن أبرّه؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والدي ظالم جدا؛ فقد أوهمنا أنه فقير لمدة عشر سنوات، وعيشنا في مجاعة حتى كنا نأكل الخبز جافا (حافا)، وكان يضرب أمي لدرجة أن جسدها كان يتحول إلى اللون البنفسجي، وحاول قتلها لولا أني أنقذتها، كان قاسيا جدا في تعامله، وكان يتعاطى المخدرات، وكان يعمل ولكنه يزعم دائما أنه لا يملك المال.

كان أهل أمي يشفقون علينا ويقدمون لنا الطعام، وهو لا يخجل من ذلك، بل كان يطلب المزيد! بعد انفصال أمي عرفت منها أنه كان يمارس الشذوذ، وبعدها عرفنا من المحامي الذي وكلناه أنه يملك أموالا، وإرثا في البنك وعقارات، وبالمناسبة؛ فقد كتب كل ذلك باسم أهله لا باسمنا، لكي لا نأخذ أي شيء حتى آخر لحظة.

كذلك شقتنا السكنية؛ عندما انفصل والداي كان يريد تأجيرها والاستفادة منها، وهو في الأصل قد تركنا عند أهل أمي ورمى بحملنا كاملا عليهم، وهم في الحقيقة ليسوا أناسا طيبين؛ إذ كانوا يعاملوننا بإهانة، وصبوا غضبهم وضيقهم على أمي كثيرا، وأمي تعمل عندهم وتنفق علينا وعليهم لكي لا يذلوها، ومع ذلك كانوا يهينوننا، وعانينا بسببهم ثلاث سنوات.

كل هذا ووالدي عندما رفعنا عليه قضية نفقة، أصبح يدفعها بالقطارة (كل سنة)، وحاول إجباري على محادثة المحامي لكي يستدرجني بالكلام ويمسك علي أي ثغرة تبطل النفقة، أو تلغي القضية، ولكنهم لم ينجحوا في ذلك، ولما فرضت لنا النفقة أصبح يدفعها مرة واحدة في السنة، وهو مقتدر ماديا، ولكنه لا يريد ويماطل ويذلنا.

والشقة قبل أن نتسلمها أخذ منها كل شيء صالح ومفيد، حتى جهاز التنفس الخاص بي أخذه بحجة أنه يحتاجه، ولم يخبرني بأخذه، ولما سألته تحجج بأعذار واهية ولم يرجعه حتى الآن، على الرغم من أنني مصابة بحساسية الصدر.

حاولت إصلاح العلاقة معه طوال ثلاث سنوات، ولكنه كان باردا جدا، وبسبب ذلك أصبت بمشاكل نفسية أدت إلى ارتخاء صمام القلب، ورفض أهلي ذهابي إلى طبيب نفسي بحجة أن ذلك لا يصح ومعيب اجتماعيا.

بعدها كنت أحاول التقرب منه على الرغم من أنني -والله- أخاف منه ولا أطيقه، ولكن أهله عملوا لي سحرا، ومنذ ذلك الحين توقفت حياتي كلها، وعرفت هذا الأمر مؤخرا؛ لأنهم يرون أن حياتي أفضل من حياتهم، مع أنهم لا يرون إلا ما أريد إظهاره لهم من أني بخير، ولكنني -والله- لست كذلك.

وأخيرا؛ سؤالي الوحيد هو: هل علي إثم إن لم أبره؟ أنا حاليا قاطعة لعلاقتي معه تماما، ولا أستطيع التواصل معه، ولكن لو أفتيتموني بوجوب بره سأحاول لأجل رضا الله تبارك وتعالى فقط، فهل آثم لعدم تواصلي التام معه؟ والدي على الرغم من أنه يصلي، إلا أنه يقول كلاما خاطئا كثيرا في الدين، وأحيانا يستعمل الدين على هواه، ويربط الآيات بشكل خاطئ لتخدم موقفه؛ ولذلك لم أسأله هو، وسألتكم أنتم؛ لأنني أخاف منه ولا أحبه.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يفرج كربك، وأن يجبر كسرك، وأن يصلح حال والدك، وأن يعوضك عن كل ما مررت به خيرا في الدنيا والآخرة.

لقد قرأنا رسالتك، وتألمنا لما فيها من صور متتابعة من الظلم والقسوة التي لا يرضاها الله -عز وجل-، فالاعتداء على الزوجة، والتقصير في النفقة، وإذلال الأولاد، والتلاعب بحقوقهم، وإلحاق الضرر بهم، كل ذلك من الظلم الذي حرمه الله على عباده، وقد قال سبحانه في الحديث القدسي: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، فلا تظني أن الله غافلا عما وقع عليك، أو أن هذه الآلام ضاعت عنده، بل هو سبحانه يعلم دقائق ما مررت به، وسيحاسب كل إنسان على ما قدمت يداه، فلا يظلم ربك، ولهذا فالشريعة جمعت بين الأمرين: أمرت بالإحسان إلى الوالدين، ونهت عن طاعتهما في الظلم أو تمكينهما من العدوان.

لذا انتبهي، فظلم الوالد لا يسقط حقه في البر، كما أن بره لا يعني تمكينه من ظلمك أو إيذائك، وأما ما ذكرت من الشذوذ، أو الأموال، أو غير ذلك، فهذه أمور هو مسؤول عنها أمام الله، ولا يزيدك الاشتغال بها إلا ألما، فاجعلي همك ما يجب عليك أنت، لا ما سيحاسب هو عليه.

وسؤالك الأساس هو: هل تأثمين إذا قطعت علاقتك بوالدك؟ والجواب: أن هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل، فإذا كان التواصل معه يترتب عليه أذى نفسي شديد، أو اعتداء، أو استغلال، أو ضرر محققا، فلا يلزمك شرعا أن تعرضي نفسك لذلك، ولست مطالبة بأن تجلسي معه، أو تكثري من زيارته، أو تفتحي له بابا يعود منه الأذى إليك، لكن لا تجعلي القطيعة تتحول إلى عقوق.

فإن استطعت أن يبقى الحد الأدنى من البر، كالسلام إذا حصل اللقاء، أو السؤال عنه من حين إلى آخر بطريقة لا تضرك، أو الدعاء له بالهداية، فهذا خير لك عند الله، وأبعد عن الإثم، فإن عجزت الآن عن ذلك لما تجدينه من خوف وألم، فلا تكلفي نفسك ما لا تطيق، ولكن اجعلي نيتك أنك متى استطعت أن تؤدي شيئا من البر من غير ضرر فعلت.

وأحب أن أطمئنك إلى أمر مهم، وهو أن عدم شعورك بالمحبة تجاه والدك لا تؤاخذين عليه؛ لأن المحبة ليست أمرا يملكه الإنسان، وإنما الذي تؤاخذين عليه هو الظلم، أو الإساءة، أو الاعتداء، فلا تجبري نفسك على مشاعر لا تستطيعينها، ولكن اجتهدي في ألا يدفعك ما في قلبك إلى ظلم أو انتقام.

كما ننصحك ألا تجزمي بأن ما أصابك سببه السحر؛ لأن مثل هذه الأمور لا تثبت بالظنون، وقد تكون لها أسباب نفسية أو اجتماعية أو صحية، وقد تجتمع الأسباب كلها، فاستمري في الأذكار، والرقية الشرعية، مع الأخذ بالأسباب الطبية والنفسية إذا احتجت إليها.

وننصحك بالوصايا العملية الآتية:

- لا تعودي إلى فتح صفحات الماضي كل يوم، فإن كثرة استحضارها تزيد الجرح اتساعا.
- إن احتجت إلى المطالبة بحقوقك المالية، فافعلي ذلك بالطرق النظامية، من غير سب ولا انتقام.
- لا تدخلي في مناقشات دينية معه إذا كان يحرف النصوص أو يخاصم بغير علم، فإن هذا قد يزيد الخلاف، وادعي له بالهداية.

- أشغلي نفسك بصحبة صالحة من الأخوات الصالحات، فإن هذا أعون لك على تجاوز هذه المرحلة.
- أشغلي حياتك بالعلم، والعمل، ولا تجعلي والدك محور حياتك كلها، فإن استمرار تعلق القلب بالماضي يمنع صاحبه من بناء المستقبل.
- كوني عونا لأهلك وخاصة أمك، وثقي أن الله سيعوضك خيرا، ونحب أن نذكرك بأن الله سبحانه لا يكلف عباده فوق طاقتهم، وهو أعلم بما مررت به، وأرحم بك من نفسك.

فاجتهدي في أداء ما تقدرين عليه من البر، وابتعدي عما يجلب عليك الضرر، وسلي الله دائما أن يصلح قلبك وقلب والدك، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

نسأل الله أن يجبر كسرك، ويذهب عنك ما تجدينه من ألم، وأن يرزقك حياة مستقرة مطمئنة، وأن يهدي والدك، ويصلح شأنه، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات