السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أكتب إليكم استشارتي هذه، وأملي في الله، ثم في توجيهاتكم، أن أجد ما يبعث في قلبي الطمأنينة والراحة.
أنا فتاة أطمح إلى التقرب من الله عز وجل، والالتزام بطاعته، ولكنني أواجه معاناة شديدة أثرت في حياتي بشكل كبير؛ فأنا بطبيعتي كثيرة التفكير، وإذا حدث معي أي أمر، أو مرت بي خاطرة، أظل أفكر فيها بإفراط شديد، حتى وصل بي الأمر إلى حد الوسواس والمرض.
ونتيجة لهذا التفكير الزائد، ساءت حالتي النفسية، وأصبحت أعاني من خوف شديد ومرضي من فكرة الموت، ويرافقني شعور دائم بالتقصير في حق الله عز وجل، وبأن طاعاتي غير مقبولة، وقد أثر ذلك في حياتي حتى عجزت عن ممارستها بصورة طبيعية كما كنت في السابق، وأصبحت أعيش في دائرة مغلقة من القلق والتوتر.
وسؤالي باختصار:
• كيف أتقرب إلى الله، وأستقيم على طاعته بالطريقة الصحيحة المعتدلة التي تناسب حالتي، دون غلو أو تنطع؟
• كيف أتخلص من هذا الخوف المرضي من الموت، ومن شعور التقصير الدائم الذي يسرق مني طمأنينتي ويؤثر في حياتي؟
• ما التوجيه الشرعي والنفسي للتعامل مع هذا التفكير الزائد والوساوس التي أرهقتني؟
جزاكم الله عنا خيرا، وأسألكم الدعاء لي بالشفاء وراحة البال.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ فرح حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك العافية والشفاء.
من الناحية النفسية السلوكية، لدى الإنسان مثلث مكون من أفكار ومشاعر وأفعال، وإذا نظرنا بدقة إلى هذا المثلث، وجدناه مترابطا جدا، ويعتمد كل ضلع فيه على الآخر؛ فالأفكار السلبية تؤدي إلى مشاعر سلبية، والمشاعر السلبية تؤدي إلى إخفاق في العمل والأداء، وكذلك الأفكار السلبية تؤدي أيضا إلى أفعال سلبية، وفي الاتجاه المقابل، فإن الأفعال السلبية والمشاعر السلبية تؤدي إلى أفكار سلبية، وهكذا نجد أن هناك تداخلا شديدا جدا بين هذا الثلاثي.
انظري إلى الضلع الأول، وهو ضلع الأفكار، كل فكرة سلبية توجد فكرة إيجابية تقابلها، وحين تأتينا الخواطر السلبية، كثيرا ما نجهل، أو ننسى، أو نغفل عن المقابل الإيجابي، لذا أنت محتاجة إلى أن يكون لديك نوع من اليقظة الخاصة التي تذكرك بالفكرة الإيجابية، وبالمقابل الإيجابي لكل فكرة أو خاطرة سلبية تنتابك، وهذا يحتاج إلى تمارين ذهنية بسيطة جدا، وقطعا تساعد كثيرا في تحسين طريقة التفكير.
وهذا أيضا ينطبق على المشاعر؛ فكل شعور سلبي يقابله شعور إيجابي، وهذا هو الضلع الثاني، أما الضلع الثالث، وهو الأهم، فهو ضلع الأفعال؛ لأن الإنسان إذا فعل أشياء إيجابية، حتى وإن كانت أفكاره ومشاعره سلبية، فإن هذا سوف ينتج عنه تغيير إيجابي كبير في الفكر والشعور.
إذا، أيتها الفاضلة الكريمة، مهما يكن مستوى خوفك، وقلقك، وتوترك، وتشتتك الذهني، يجب أن تحرصي على الصلاة في وقتها؛ فهذا فعل وشعور وفكر، وإذا داومت عليه بالصورة الصحيحة، فلا بد أن ينتج عنه فكر وشعور إيجابيان.
وإذا قمت مثلا بالواجبات المنزلية، وساعدت الأسرة، فهذا أيضا عمل ممتاز جدا، وسوف ينعكس عليك إيجابيا، وهكذا؛ إذا يجب أن يبقى ضلع الأفعال إيجابيا، حتى وإن كانت الأفكار والمشاعر سلبية، وهذا مهم جدا.
والذي لاحظته في استشارتك -وحسب وصفك لمشاعرك- يظهر أن نواة القلق لديك قوية جدا، والقلق كثيرا ما يتولد عنه الخوف، وفي حالتك لديك الخوف من الموت، كما أن القلق قد تتولد عنه الرهبة، والتشتت الذهني، وتداخل الأفكار، وعدم القدرة على التركيز.
فإذا، لديك قلق معمم مرتبط بشخصيتك، وهذا يمكن أن نحوله إلى قلق إيجابي، ويمكن أن نخفف منه كثيرا، وذلك من خلال اتباع بعض الإرشادات المهمة:
• أولا: تنظيم الوقت مهم جدا؛ فيجب أن يكون لديك برنامج يومي، سميه "برنامج الأداء اليومي"، وتلتزمي بتطبيق ما تضعينه لنفسك في جدولك اليومي.
• ثانيا: تجنبي السهر؛ النوم الليلي المبكر يؤدي إلى ترميم كامل في الفكر والجسد والدماغ، فاحرصي عليه، والإنسان حين ينام مبكرا يستيقظ مبكرا، ويصلي صلاة الفجر في وقتها.
• ثالثا: طبقي تمارين الاسترخاء، تمارين التنفس المتدرج تعتبر تمارين مهمة جدا، ويمكنك الاستعانة ببرامج موثوقة على اليوتيوب تشرح لك كيفية تطبيق هذه التمارين بصورة صحيحة.
إذا، هذه طرق ميسرة وبسيطة جدا للتغيير.
أما بالنسبة إلى التقرب من الله تعالى -أيتها الفاضلة الكريمة- فيجب أن تكون لديك النية القوية والعزيمة الصادقة، وأن تحرصي على الصحبة الطيبة، والالتزام بأساسيات الدين، خاصة الصلاة في وقتها، والورد القرآني اليومي، والدعاء؛ فهذا كله يساعدك، وإن شاء الله تعالى سوف يفيدك الشيخ الدكتور أحمد سعيد الفودعي في هذا السياق إفادة كاملة.
أنا أراك محتاجة أيضا إلى علاج دوائي مضاد للقلق والتوتر والخوف، الخوف من الموت يجب أن يكون خوفا شرعيا، لا خوفا مرضيا، والخوف الشرعي يكون دائما مقترنا بالأعمال الصالحة؛ فأكثري من الأعمال الصالحة مهما كان شعورك سلبيا.
الدواء الأنسب بالنسبة لك هو العقار المسمى "إسيتالوبرام - Escitalopram"، ويمكن أن تبدئي في تناوله بجرعة نصف حبة من الحبة التي تحتوي على (10 ملغ)، تناولي (5 ملغ) يوميا لمدة عشرة أيام، ثم حبة كاملة، أي: (10 ملغ) يوميا لمدة شهر، ثم (20 ملغ) يوميا لمدة شهرين.
وبعد ذلك، تخفض الجرعة إلى (10 ملغ) يوميا لمدة شهرين آخرين، ثم (5 ملغ) يوميا لمدة أسبوعين، ثم (5 ملغ) يوما بعد يوم لمدة أسبوعين، ثم تتوقفي عن تناوله، وهو دواء فاعل جدا ورائع، ولا يؤثر في الهرمونات النسائية، وغير إدماني، وغير تعودي.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.
_______________________________________________
انتهت إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، مستشار الطب النفسي وطب الإدمان.
وتليها استشارة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
________________________________________________
مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك معنا، وحرصك على أن تستمري على عبادتك لربك.
وهذا الهم في نفسه دليل على أن الله تعالى يريد بك الخير، ويسوقك إلى فعل الخيرات، ولكن ينبغي أن تتبصري الطريق الذي يوصلك إلى الله تعالى، وأن تعرفي قدراتك، وأن تعملي بما تقدرين عليه.
ولهذا نضع بين يديك النصائح التالية:
• أولا: حاولي إلزام نفسك بأداء الفرائض واجتناب المحرمات، فهذه الخطوة الأولى في العبادة لله تعالى، كما قال الله في الحديث القدسي: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وهذه الفرائض قليلة وسهلة، فلا تعني الاستقامة أن تكوني في حالة مراقبة دائمة لنفسك، وإرهاق لنفسك، وإشتغال دائم بالعبادات وانقطاع عن حياتك وعيشك، وإنما أن تؤدي ما فرض الله تعالى عليك، وتجتنبي ما حرمه عليك، ثم المباحات في هذه الحياة إذا نويت بها نية صالحة -كأن تنوي إعفاف نفسك بالحلال، وإعانة نفسك بالحلال لتقومي بعبادة الله تعالى- فإن هذه الأعمال المباحة هي بنفسها تتحول إلى عبادة، واعلمي -أيتها البنت الكريمة- أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، كما قال في كتابه الكريم: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.
• ثانيا: الخوف من الموت في أصله أمر طبيعي، وهو أمر محمود حسن إذا كان يبعث الإنسان على العمل الصالح، والاستعداد للدار الآخرة، فإن كلنا في هذه الحياة وجودنا مؤقت، وهذه الفرصة التي أعطانا الله تعالى إياها في الدنيا لنزرع فيها ما نحصد ثمرته في الآخرة، فتذكر الإنسان لهذه الرحلة أمر جيد حسن، ولكن لا ينبغي أن يتحول إلى حالة مرضية، وخوف مستمر يعطل حياتك ويستنزفك، فهذا ليس هو الخوف الشرعي الذي طلبه الله تعالى منا.
وإذا حصل لديك هذا النوع من الخوف، فلا ينبغي ابدا أن تستجيبي له، وأن تفكري بإجاباته والتفاعل معه، حاولي أن تصرفي نفسك عنه، وأن تعلمي أن الله تعالى خلقنا في هذه الدنيا للعمل الصالح، فأشغلي نفسك به، واعلمي أن الموت رحلة وانتقال إلى ما هو خير من هذه الدنيا، فما عند الله تعالى خير للأبرار، فاحرصي أن تكوني بارة، وأن تكوني صالحة، وهذا هو المطلوب منك في هذه الدنيا.
• ثالثا: لا تشغلي نفسك بهذه الوساوس التي تراودك: هل قبل عملك أم لم يقبل؟ فهم القبول وإن كان في أصله أمرا مطلوبا صحيحا، ولكنه إذا تحول إلى فكرة وسواسية، فإنه سينقلب إلى مرض، ويتحول إلى شيء ضار ومؤذ.
ولهذا النصيحة لك ألا تستجيبي لهذه الوساوس، وأن تذكري نفسك دائما أن المطلوب منك أنت إنما هو القيام بما طلبه الله تعالى منك، وأنه سبحانه بعد ذلك يقبل من عباده ما قدروا عليه، وأنه يتجاوز ويرحم، ويعفو ويصفح، وأن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله وحده، فقد قال الرسول ﷺ: لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة.
فعلقي أملك برحمة الله تعالى الواسعة، وهي وسعت كل شيء، كما قال الله: {ورحمتي وسعت كل شيء}، فانتظري من الله تعالى الخير، وأحسني به الظن، واعلمي أنه جواد كريم، وأنه -سبحانه وتعالى- يقبل من عباده ما يفعلون، رغم ما هم فيه من القصور والتقصير.
وبهذا المنهج ستستمرين -بإذن الله تعالى- على العبادة، وتصلين إلى بغيتك في نهاية الطريق.
خير ما نوصيك به الرفقة الصالحة، فإن الرفقة خير معين للإنسان على الاستمرار في طاعة الله تعالى، حاولي التعرف على النساء الصالحات، والفتيات الطيبات، وأكثري من التواصل معهن في الخير.
ونسأل الله تعالى أن يعينك، وأن يتولى تيسير الأمور لك، فإنه إذا أعان الإنسان سهل عليه كل شيء، ونحن نقرأ في كل ركعة في صلاتنا: {إياك نعبد وإياك نستعين}، فاستعيني بالله، واطلبي منه -سبحانه وتعالى- التيسير والتوفيق، وقد علمنا الرسول ﷺ دعاء عظيما ندعو به في صلاتنا وفي غير صلاتنا، حين قال لمعاذ: يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.
نسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد.