تراكمت علي الديون والابتلاءات وبدأ اليأس يتسلل إلى قلبي، فهل من نصيحة؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني من كثرة الابتلاءات؛ فقبل أن أتخرج في الجامعة وأبدأ حياتي، ابتليت بوسواس قهري ورهاب الساح، الذي حرمني متعة الحياة والراحة النفسية؛ إذ لا أزال أعاني منذ ١٨سنة.

والآن تراكمت علي كثرة الديون وقلة الرزق، فضلا عن أن ابنتي الصغيرة (١٢ سنة) قد أصيبت بالسكري، على الرغم من أنه لا توجد وراثة أو أمراض عائلية.

أصبحت غير قادر على سداد ديوني، وغير قادر على الإنفاق على البيت، حتى إنني لا أستطيع معاشرة زوجتي منذ سنة بسبب مرض عندها، وعاجز عن علاجها، كما خسرت أيضا في خمسة مشاريع، ناهيك عن الخسارة في محاولة العمل على الإنترنت؛ مما جعل حياتي تبدو سوداوية، والحمد لله، والكل تخلى عني تقريبا، فلا أحد يساعدني.

مع العلم أنني ملتزم بالصلوات منذ أن كنت طفلا، والقرآن، والذكر، والدعاء بكثرة وإلحاح، ولكن اليأس بدأ يتسلل إلى قلبي، والقلق والتوتر والهم والغم تلازمني منذ شهور.

فما الحل؟ جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Mohammad حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويكشف همك، ويقضي دينك، ويشفي ابنتك وزوجتك، ويعوضك عن كل ما مررت به خيرا، وأن يرزقك من واسع فضله رزقا يغنيك عمن سواه.

فقد ذكرت أنه قد اجتمعت عليك ابتلاءات كثيرة في سنوات متتابعة، ابتلاء في صحتك النفسية منذ ما قبل تخرجك، ثم ضيق في الرزق، وديون أثقلت كاهلك، وتعثر في المشروعات، ومرض ابنتك الصغيرة، ومرض زوجتك، حتى أصبح الهم يلاحقك من باب إلى باب.

وهنا لا بد من فهم الابتلاء؛ فإن الله لم يخلق الدنيا دار راحة، وإنما خلقها دار ابتلاء، وجعل الآخرة دار الجزاء، فقال سبحانه: ﴿ٱلذي خلق ٱلموت وٱلحيوٰة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾، ولم يقل: ليبلوكم أيكم أكثر مالا، أو أيكم أقل مرضا، أو أيكم أوسع رزقا، وقال سبحانه: ﴿ولنبلونكم بشىء من ٱلخوف وٱلجوع ونقص من ٱلأموٰل وٱلأنفس وٱالثمرٰت ۗ وبشر ٱلصٰبرين﴾، فالابتلاء ليس أمرا طارئا على حياة الإنسان، بل هو سنة ماضية كتبها الله على جميع البشر، وإنما يختلف الناس في نوع البلاء، فهذا يبتلى في صحته، وآخر في رزقه، وثالث في أولاده، ورابع في أهله، وخامس في دينه، وسادس في أمنه، وكل يسير إلى الله بما قدر له.

ولو كانت كثرة البلاء علامة على غضب الله، لكان الأنبياء أبعد الناس عن رحمته -عياذا بالله-، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- شرح هذا فقال: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.

أمر آخر نريدك أن تلتفت إليه، وهو أن البلاء موزع بحكمة، نعم ولك أن تنظر حولك، ستجد آلاف الشباب يحمل كل واحد منهم بلاء عظيما.

فهذا شاب يقضي ثلاثة أيام من كل أسبوع على جهاز غسيل الكلى، وهذا ينتقل بين جلسات العلاج الكيماوي بعد إصابته بالسرطان، وهذا فقد بصره، أو سمعه، أو القدرة على المشي، وهذا يعيش مع مرض نفسي شديد لا يعرف معه طعم الراحة، وهذا فقد زوجته أو ولده.

وهذا يعيش تحت الحروب، لا يأمن على نفسه ساعة، والأحوال كثيرة، ونحن لا نقصد بذلك أن نقلل من ألمك، فكل إنسان يتألم من موضع جرحه، وإنما المقصود أن تعلم أن هذا أمر مقدر لأنها دار ابتلاء لا جزاء، وأن ما تمر به ليس دليلا على أن الله تخلى عنك، وإنما هو نوع من أنواع الابتلاء الذي يمتحن الله به عباده.

ثم انظر أيضا إلى نعم الله عليك؛ فقد رزقك الإيمان، والمحافظة على الصلاة منذ طفولتك، ومحبة القرآن، وكثرة الذكر، والدعاء، وزوجة، وأبناء، وعقلا تسعى به، وما زلت تحاول أن تعمل، وتبحث عن الرزق، ولم تستسلم للبطالة، بل حاولت في أكثر من مشروع، وحاولت العمل عبر الإنترنت، وهذه ليست صفات رجل استسلم، وإنما صفات رجل أتعبه طول الطريق، كما نحب أن نصحح لك فكرة أخرى، وهي أن تأخر الفرج لا يعني أن الدعاء لم يقبل؛ فالدعاء عبادة قبل أن يكون وسيلة لتحقيق المطلوب، وقد يؤخر الله الإجابة لحكمة، وقد يدخر لعبده من الخير ما لا يراه الآن، وقد يصرف عنه من الشر ما لا يعلمه، والله سبحانه أعلم بمصالح عباده منهم، كما أن كثرة البلاء لا تعني أن أعمالك ضاعت، بل قد تكون رفعة لك وتكفيرا لذنوبك، إذا صبرت واحتسبت.

ونحن ننصحك بالخطوات العملية الآتية:

- لا تجعل كل هذه الابتلاءات تتحول في ذهنك إلى كتلة واحدة، بل افصل بينها، وضع لكل مشكلة خطة مستقلة.

- راجع طبيبا مختصا لمتابعة الوسواس القهري والرهاب إن لم تكن تتابع حاليا، فإن علاج هذا الجانب سيعينك على مواجهة بقية الضغوط.

- ضع خطة واضحة لسداد الديون، وحاول التفاوض مع أصحابها أو إعادة جدولتها إن أمكن.

- لا تتوقف عن السعي في طلب الرزق، ولو كان العمل أقل مما تتمناه، فكم من رزق كبير بدأ بخطوة صغيرة.

- ابحث عن الجمعيات أو أهل الخير الذين يمكن أن يعينوك في علاج زوجتك أو توفير احتياجات ابنتك، ولا يمنعك الحياء من طلب ما أباحه الله.

- تعلم كل ما تستطيع عن السكري عند الأطفال، فإن كثيرا من الأطفال يعيشون حياة مستقرة إذا أحسن التعامل مع المرض.

- لا تنعزل عن الناس، واجعل لك صحبة صالحة تذكرك بالله وتعينك عند الشدائد.

- أكثر من دعاء الكرب، مع اليقين أن الفرج بيد الله وحده.

وختاما، نريد أن نقول لك كلمة نرجو أن تستقر في قلبك: لا تجعل كثرة الابتلاءات تحجب عنك نعم الله، ولا تجعل طول الطريق يقنعك أن النهاية لن تأتي، فكم من إنسان عاش سنوات وهو يرى الأبواب كلها مغلقة، ثم فتح الله له بابا واحدا أنساه مرارة ما مضى كله، فاصبر، وأحسن الظن بربك، واستمر في الأخذ بالأسباب، ولا تدع اليأس يجد إلى قلبك سبيلا، فإن الله إذا أراد الفرج هيأ أسبابه من حيث لا يحتسب العبد.

نسأل الله أن يشفي ابنتك شفاء تاما، وأن يعافي زوجتك، ويقضي دينك، ويوسع عليك في رزقك، ويذهب عنك الهم والغم، ويرزقك من لطفه ما تنسى معه مرارة هذه السنوات، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات