فسخت خطبتي بعد تردد طويل، فهل أضعت نصيبي؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أبلغ من العمر ٢٥ عاما، تقدم لخطبتي شاب رآه أهلي مناسبا جدا من ناحية الدين والأخلاق، كنت في البداية مترددة، ليس لوجود عيب فيه، بل لأنني كنت متعلقة بشخص آخر لم يقبل به أهلي.

استخرت الله عدة مرات، وعندما رأيت الخاطب ارتحت له، وكان طيبا وخلوقا، لكنني لم أستطع القبول الكامل بسبب تعلقي السابق، ولم أستطع الرفض بسبب إقناع أهلي، وأيضا لأنني ارتحت معه، فتمت الخطبة مع عقد القران.

استمرت الخطبة ثلاث سنوات، لكن خلال هذه الفترة كان الشخص الذي كنت متعلقة به سابقا يرسل لي رسائل كثيرة؛ أحيانا يرجوني، وأحيانا يضغط علي عاطفيا، بل وصل به الأمر إلى أن يقول إنه قد يؤذي نفسه، مما أثر علي نفسيا بشكل كبير، وأدخلني في صراع شديد بين الاستمرار مع خطيبي أو العودة للتفكير في الماضي.

كنت أحاول الابتعاد عنه وقطع التواصل معه، وفي كل مرة كان يحاول فيها التواصل معي، كنت أبتعد وأحاول التمسك بخطيبي، حتى لا أعود للتفكير به.

كنت أشعر بالأمان مع خطيبي وأقدره وأحبه، لكن كان يوجد داخلي شعور بعدم الراحة الكاملة وعدم القبول التام، وربما ساهم بعد المسافة في ذلك، إذ كنا في بلدين مختلفين ولم أره إلا قليلا.

بقيت أكثر من سنة في حيرة شديدة، أستخير الله وأخاف من الندم، وأيضا من أن أخسر شخصا مثله، ثم بدأت المشاكل، ولم يعد أهلي يرغبون في إتمام الأمر، استشرت والدتي، وكان رأيها أنني أخطأت وهم أخطأوا.

في النهاية أخبرتني أمي أن الأفضل أن نفسخ الخطبة، ووافقت لعدم قدرتي على الحسم، ونحن الآن بانتظار إنهاء الإجراءات رسميا.

بعد هذا القرار، أشعر بندم شديد جدا، وحزن كبير، وضيق في صدري، وأشعر أنني خسرت إنسانا طيبا كان يعاملني بكل احترام وحنان، والله إنني حزينة جدا، أنا الآن أشعر أنني أخطأت كثيرا، وكان يجب علي أن أتصرف في كل المواقف بطريقة مختلفة، ولكن والله لا أعلم ماذا أقول! ماذا أفعل؟

هل الزواج نصيب أم اختيار؟ وهل أنا ضيعت نصيبي؟ ولو كان لي نصيب معه فسوف يحدث رغم كل شيء؟ والله إنني متعبة ومحطمة داخليا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ لارا، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لك اهتمامك وحرصك على السؤال، ونؤكد لك، ونذكر أنفسنا جميعا، بأن هذا الكون ملك لله، وأنه لن يحدث في كون الله إلا ما أراده الله، وأن كل شيء في هذه الدنيا يجري بقضاء الله -تبارك وتعالى- وقدره، ونسأل الله أن يجعلنا جميعا ممن إذا أعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا.

والنصيحة المهمة التي نريد أن نذكرك بها هي ضرورة أن تلتزمي بما يرضي الله تبارك وتعالى؛ فقد كان في استمرار التواصل مع خاطب قديم وأنت مرتبطة بخاطب جديد مخالفة شرعية، وكان ينبغي التوقف عن ذلك، والعلاقات لا تبنى بهذه الطريقة، بل ينبغي أن تكون في وضح النهار، وعلى من يريدك أن يأتي إلى داركم من الباب، ويقابل أهلك الأحباب، واعلمي أن العلاقة الشرعية الحلال تبدأ بالرباط الشرعي، وبطرق الأبواب، ومقابلة المحارم، وإدخالهم في الموضوع، أما ما يحدث في الخفاء، فهو مرفوض شرعا، وقد تترتب عليه أضرار كبيرة على الفتاة؛ ولذلك ينبغي أن يكون الطريق منذ بدايته واضحا وموافقا للضوابط الشرعية.

وقد أساء الشاب الأول حين حاول أن يؤثر عليك، رغم علمه بأنك مع خاطب آخر، ورغم أن الخطبة -بل الذي فهمناه أنه كانت هناك أكثر من خطبة، بل كان هناك عقد أيضا- قد وصلت إلى مرحلة متقدمة، ولذلك كان دخول هذا الخاطب القديم في هذه المرحلة أمرا غير صحيح.

كما أن إفساد العلاقة القائمة أمر نهت عنه الشريعة؛ فلا يجوز للإنسان أن يخطب على خطبة أخيه بعد استقرار الخطبة، كما جاء في توجيه النبي ﷺ، فضلا عن السعي في إفساد العلاقة بين الطرفين.

وعموما، ما حدث درس صعب بلا شك، وفيه مرارة كبيرة، ولكن المؤمنة ينبغي أن تستفيد مما وقع، وألا تكرر الأخطاء نفسها، ولذلك أرجو أن تحدثي توبة نصوحا لله تعالى، وأن تستفيدي من أخطائك السابقة، وتجعلي ما حدث دافعا إلى تصحيح الطريق فيما يأتي من حياتك.

والأمر الآخر: ضرورة ألا تقفي طويلا عند ما حدث؛ فإن البكاء على اللبن المسكوب لا يعيده، ولذلك ينبغي للإنسان ألا يقف طويلا مع الماضي، وإنما يعود إليه بالقدر الذي يأخذ منه الدروس والعبر.

ومن هذه الدروس: أن نترك العناد، وأن نحسم أمورنا في الوقت المناسب، وأن نكون واقعيين في نظرتنا إلى الزواج؛ فلن نجد شابا بلا عيوب، كما أننا -نحن البشر، رجالا ونساء- لا نخلو من النقائص، فـ من ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسنى فقط؟.

المطلوب منك الآن أن تستفيدي من هذا الدرس، وإذا حاول الشيطان أن يحزنك أو يذكرك بما مضى، فتعوذي بالله منه، وأشغلي نفسك بطاعة الله تبارك وتعالى، وأسسي حياتك على قواعد جديدة.

وإذا كان في أي من الشابين خير لك، وكان الله قد قدر أن يكون أحدهما من نصيبك، فسيصل إليك ويأتي بالطريق الصحيح، لكننا نريد منك الآن أن تطوي هذه الصفحات، وأن تتجاوزي ما حصل؛ فالفتاة مطلوبة مرغوبة، وليس مطلوبا منها أن تسعى خلف من ابتعد عنها.

فسعيك إلى تصحيح العلاقة أو الارتباط بأي من الرجلين بنفسك قد يضعف موقفك، أما الرجل الجاد في أمر الزواج، فبإمكانه أن يعود ويتقدم بالطريق الصحيح متى أراد، وقد يأتي الله تعالى بمن هو أفضل منهما.

فكوني مع الله، وأشغلي نفسك بطاعته، وإذا ذكرك الشيطان بما مضى، فجددي التوبة والرجوع إلى الله تبارك وتعالى، وأكثري من الدعاء، وأبشري بالخير.

واعلمي أن الزواج، وكل ما يحصل في الحياة، إنما يجري بتقدير الله تبارك وتعالى؛ فلا تتعبي نفسك، ولا تجعلي ما حدث سببا في تحطمك أو تأثرك سلبا؛ فما لم يقع لم يقدره الله لك في ذلك الوقت، ونسأل الله أن يقدر لك الخير حيث كان، ثم يرضيك به.

مواد ذات صلة

الاستشارات