السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أردت الاستفسار عن أمر قبل خوض مرحلة الزواج، هل المستوى الدراسي والاجتماعي يلعب دورا في نجاح الزواج؟ فقد تقدم لخطبتي شاب درس اللغة الإنجليزية في الجامعة، والآن يعمل تاجرا، وأنا طبيبة.
تكلمنا قليلا وهناك تناسق، لكنني لست متأكدة بعد؛ فأنا دائما كنت أتمنى أن أتزوج بطبيب مثلي؛ لأنه -بالنسبة لي- سيتفهم طبيعة عملي، وسيكون مشجعا لي، وحتى يكون هناك تناسق فكري بيننا.
هذا الخاطب أعجب بي وبكوني طبيبة، لكنني أشعر بأن هذا مجرد جمال البدايات؛ فهو من قبل كان ضد عمل المرأة، ولا يتقبل فكرة المناوبات الليلية (Nightshifts)، ويريد زوجة حاضرة ومهتمة بأمور البيت، لكنه عندما تعرف علي الآن، يقول إنه لا يرفض كل هذا، وسيكون هناك تفاهم حول أمور البيت وغيرها، ولكنني أخاف أن يغير رأيه بعد الزواج، ويحرمني من عملي الذي أحبه كثيرا، ولا أستطيع الاستغناء عنه.
فما هي نصيحتكم لي؟ وهل يجوز أن أرفض وأنتظر ربما يرزقني ربي بزوج كما تمنيته من قبل، أم أن هذا ليس بعذر؟
وأريد أن أستفسر: هل اختيار الزوج أمر مقدر من عند الله أم هو اختيارنا نحن؟ فمع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الخيانة الزوجية شيئا مألوفا وطبيعيا (Normalized)، وهذا صراحة يقلقني كثيرا، حتى المظاهر الاجتماعية التي نراها في وقتنا هذا، من ملابس مغرية، ومكياج في العمل، وأي مكان عام، أصبحت شيئا لا يطاق تماما، خاصة أن معظم الشباب ينجرون وراء كل هذا.
لا أعلم إن كان الخطأ أوله من البنات، أم لأن الشباب لا يغضون البصر، ورغم أنني واثقة من نفسي -والحمد لله-، لكنني أصبحت لا أستطيع الثقة في أي شاب إذا تقدم لخطبتي، وتراودني أفكار سيئة، خاصة مع ازدياد نسبة الطلاق والخلع، وهذا مقلق صراحة!
فهل اختيار الزوج الصالح من مسؤوليتي، أم هو شيء مقدر من عند الله؟ وإن كان زوجا صالحا فهذا رزق، وإن كان غير ذلك فهو ابتلاء وجب الصبر عليه؟ وهل يجوز أن أدعو بزوج صالح يتصف بصفات رسولنا الكريم -عليه أفضل الصلاة والسلام- أم يجب أن أتحلى بالصفات التي توافق هذا أولا؟
أريد الزواج وبناء أسرة -إن شاء الله-، ولكن الأمر أصبح مخيفا جدا، وغير مشجع تماما، أنتظر نصائحكم، وبارك الله فيكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نسيمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام، والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يقدر لك الخير، وأن يصلح الأحوال.
ونؤكد بداية أن هذا الكون ملك لله، وأنه لن يحدث في كون الله إلا ما أراده الله، وأن المؤمن والمؤمنة عليهما أن يتخذا الأسباب، ثم يتوكلا على الكريم الوهاب، والمؤمن عندما يدخل ساعة الاختيار في الأمور التي يحتار فيها؛ عليه أن يصلي الاستخارة، وهي طلب الدلالة إلى الخير ممن بيده الخير، ثم يستشير العقلاء، والفضلاء، والثقات، وتستشير الفتاة محارمها، والصالحات من زميلاتها وأخواتها، ونسأل الله أن يقدر لك الخير ثم يرضيك به.
النقطة الأولى التي تتعلق بمسألة الفوارق الاجتماعية:
إذا وجد الانسجام والتفاهم، وكان الرجل متفهما لدورك، واختارك وأنت طبيبة، وأصر على أنه لا يمانع ويتفهم هذا الأمر؛ فهذا أمر ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار؛ فالعبرة ليست بالآراء التي كان عليها، ولكن العبرة بما استقر عليه، وبما حصل بينكما من ارتياح وانشراح، وهذه نقطة مهمة جدا، والحب لا يعرف الفوارق في السن أو الوظيفة؛ لأن هذه الرابطة رابطة ربانية، فـ الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
وعلى كل حال، فالإنسان الذي يريد فتاة؛ عليه أن يطرق باب أهلها، ومن حق أولياء الفتاة أن يسألوا عنه، ومن حقه أن يسأل عنهم، فإذا وجد الاتفاق والائتلاف والميل المشترك، والرضا في العائلتين، مع وجود الدين المرضي في الطرفين؛ فهذه مؤهلات عالية وغالية، أرجو إن وجدت ألا تفرطي فيها، ونكرر أن أمر الزواج أمر رباني، والإنسان مسؤول عن اختياره؛ بمعنى أنه يتخذ الأسباب ويجتهد، وبعد ذلك يرضى بما يقدره الله تبارك وتعالى.
ولا شك أن وسائل التواصل، وهذا التبرج الفاضح الذي حصل؛ قد عقد كثيرا من الأمور، ولكن العبرة بأن يدرك الشاب وتدرك الفتاة -عندما يريدان الارتباط- أن هذا مشوار طويل، وأنه ليس رحلة عابرة، وليس منظرا جميلا ينظر إليه أو تنظر إليه، وليس تعلقا بمظاهر أو ثياب أو موضات أو تسريحات؛ فالأمر أكبر من ذلك بكثير، ولذلك اقتضت حكمة الشريعة أن يؤسس الزواج على الدين، فقال للفتاة ولوليها: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه -دينه وأمانته- فزوجوه، وقال للشاب: فاظفر بذات الدين فإذا وجد الدين؛ فإنه يصلح كل خلل، لكن عندما يكون الخلل في الدين؛ فهذا هو الإشكال الكبير.
وكل كسر فإن الدين يجبره *** وما لكسر قناة الدين جبران.
وبناء عليه، أرجو أن تتأكدي أولا من دين من يتقدم إليك، فإذا وجد الدين؛ فبه يصلح كل عوج وكل خلل‘ فلا فائدة في المال بلا دين، ولا في الجمال بلا دين، ولا في النسب والحسب بلا دين، مع أن كل هذه الأمور مطلوبة، لكننا نطلب الدين أولا، ثم بعد ذلك ننظر في هذه الأشياء، وهي أيضا من الأهمية بمكان؛ فلا نقول بإغفال بقية الجوانب، ولكن ينبغي أن يؤسس الزواج على الدين؛ لأن الدين فيه الحماية، والصيانة، والإصلاح، وكل خلل يمكن أن يعالج عن طريق هذا الدين.
أما بالنسبة إلى المخاوف الحاصلة من كثرة الطلاق والخلع؛ فلا ينبغي للإنسان أن يركز على التجارب الفاشلة، وهذا من الأخطاء الشائعة في المجتمع؛ أننا نضخم التجارب الفاشلة، فنتكلم دائما عن الطلاق، والخلع، والمشاكل، ولكن قل من يتكلم عن الاستقرار والتفاهم، والنماذج الجميلة، والأسر المستقرة التي أنجبت أبناء ناجحين، وبنات ناجحات، وينبغي أن ننظر إلى هذا أيضا، وفشل الآخرين لا يعني أننا سنفشل، ولذلك ينبغي أن نستفيد من أخطائهم، والسعي من وعظ بغيره.
أما كون هذا الإشكال مقلقا؛ فإن التساهل دائما في الاختيار، وعدم تقديم الدين، هو سبب رئيسي لكل الإشكالات التي تحدث في حياتنا، فمن مسؤوليتنا أن نتخذ الأسباب والخطوات الصحيحة: نستخير، ونستشير، ونسأل، ونتثبت، ونتوكل على الله، ثم نرضى بما يقدره الله تبارك وتعالى، وعند ذلك فإن ما يختاره الله لنا، وما يقدره خير مما نختاره لأنفسنا.
لا مانع من أن تدعو الفتاة بزوج صالح، وتتمنى فيه الصفات الجميلة، أما صفات الرسول -عليه الصلاة والسلام- فذاك أمر عظيم، {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4]، وينبغي للناس أن يتأسوا بكمالات النبي -عليه صلوات الله وسلامه- الذي اجتمع فيه ما تفرق في سائر الأنبياء، فالإنسان من حقه أن يطلب الخلق الجميل، ولكن القول بـ (مثل أخلاق الرسول، أو صفات الرسول ﷺ)؛ فهذا أمر قد يكون بعيد المنال، ولكن المرء يتمنى أن يفوز بمن يتشبه بالرسول، ويحبه، ويتابعه عليه صلوات الله وسلامه، وعلينا أيضا أن نرتقي بأنفسنا إلى الصفات التي جاء بها الرسول؛ فتتشبه الفتاة بأمهات المؤمنين، وبالصالحات والكمل من النساء: مريم، وآسية، وخديجة، وابنتها فاطمة الزهراء؛ فهذه نماذج ينبغي أن تتعلق بها بناتنا الفضليات، وتتشبه بهذه الكمالات التي وجدت في هؤلاء النسوة، وفي أمهات المؤمنين، وفي صحابيات رسولنا الأمين، عليه صلوات الله وسلامه.
الإنسان بحاجة إلى أن يبني أسرة، والأسرة لا بد أن تبنى على قواعد صحيحة، واستمري في الدعاء، وتجنبي الأخطاء، ولا تتبرجي كما تتبرج الأخريات، واحرصي دائما إذا شعرت أن شابا يميل إليك أن تطلبي منه أن يأتي البيوت من أبوابها، وأن يقابل أهلك الأحباب، هذه هي القيم التي نريد أن نذكرك بها، وأرجو أن تثبتي عليها
نرحب بك في موقعك إذا أردت أن تستشيري، ونقف معك في الأمور التي تحتاجين فيها إلى استشارات، وإلى نصح وتوجيه، ونسأل الله أن يقدر لك الخير ثم يرضيك به، ونسأل الله أن يقدر لك الخير ثم يرضيك به.