أشعر أن الناس يسيؤون بي الظن، فهل أبادر بالدفاع عن نفسي؟

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سؤالي هو: هل يجب علي أن أدفع سوء الظن عن نفسي؟

فمثلا، إذا كنت أسير في الطريق، ووضعت سماعة أذن لكي أستمع إلى ما ينفعني في أمر ديني، فقد يظن بعض الناس أنني أستمع إلى أغان محرمة.

ومثال آخر: نحن نعيش في الريف ونعمل في الأرض، فإذا رآني أبي أو أخي في الصباح جالسا في البيت، ثم ذهب إلى عمله، وذهبت أنا بعد ذلك إلى الأرض، فعملت فيها، وجمعت الطعام للبهائم، وقمت بغير ذلك من الأعمال، ثم عدت إلى البيت لأستريح، فقد يأتي أبي أو أخي فيراني في البيت، فيظن أنني ما زلت في مكاني، وأنني لم أذهب إلى الأرض ولم أفعل شيئا.

فهل يجب علي شرعا أن أوضح مثل هذه المواقف حتى لا يساء الظن بي، أم لا أنشغل بذلك؟

وكذلك، إذا كنت أعمل مع جماعة لا يصلون، وأنا -ولله الحمد- أصلي في مكان عملي لصعوبة الذهاب إلى المسجد وقت العمل، ثم رآني بعض الإخوة أو من بيني وبينهم مودة، فقد يظن بعضهم أنني لم أصل، فهل يلزمني أن أوضح لهم أنني قد صليت؟

وهل يجوز لي أن أدعو الله أن يدفع عني سوء الظن، وأن يسترني ويستر عوراتي، دون أن أوضح للناس مواقفي أو أدفع عن نفسي سوء ظنهم؟ أم يعد هذا دعاء من غير أخذ بالأسباب؟

أرجو منكم المساعدة، وإجابتي إجابة شافية؛ فقد واجهت كثيرا من هذه المواقف، وأصبحت أنشغل بها.

جزاكم الله خيرا، وشكرا لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع وثقتك فيه، ونشكر لك أيضا حرصك على تجنيب الآخرين سوء الظن بك، فهذا أمر حسن، وسلوك طيب، ولكن لا ينبغي -أيها الحبيب- أن تستجيب لكل هذه الدواعي التي تدعوك إلى تفسير كل تصرفاتك للآخرين حتى لا يظنوا بك ظن السوء.

وبداية نقول -أيها الحبيب-: إن هذا الشعور في حد ذاته لديك هو -فيما يبدو لنا- سوء الظن بالآخرين، فلا يصح أبدا أن تسترسل معه، وأن تظن أن الآخرين سيسيؤون بك الظن، فهذا لا ينبغي للإنسان المسلم أن يفعله، بل ينبغي أن تحسن بهم الظنون، وأن تحمل تصرفاتهم على أحسن المحامل، وتفسرها بأحسن التفسيرات، وألا تسمح للشيطان أن يدخلك في دائرة القلق والوسوسة بحسب ما قد يظنه الآخرون.

فالله تعالى نهانا عن اتباع خطوات الشيطان، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} [النور: 21]، ونهانا عن إساءة الظن بالأخرين، فقال: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12].

فإذا أدركت هذه الحقيقة؛ زال عنك كثير من هذا القلق الذي تعيشه، فينبغي أن تحسن الظن بمن حولك أنهم سيحملون تصرفاتك على أحسن المحامل.

ولكن هناك أمر مطلوب من الإنسان استحبابا أو وجوبا في بعض الحالات، لكن باعتدال، وبدون غلو وتطرف فيه، وهو أن يبعد الإنسان نفسه عن مواطن الشبهة، والتهمة، والريبة، وأن يفسر الأمر الذي قد يكون سببا لإساءة الظن به من قبل الآخرين.

فقد قال الرسول ﷺ لرجلين أسرعا في المشي بجانبه وهو وزوجته، وقد كان واقفا معها في الطريق، حين كان معتكفا في المسجد، فجاءته إحدى زوجاته، وبقيت معه فترة، ثم قام يصاحبها ليرجعها إلى بيتها، فمر بجانبه صحابيان، فلما رأيا النبي ﷺ وامرأة، وهما لا يعلمان من هي؛ أسرعا في المشي، فلما رأى النبي ﷺ سرعتهما قال: على رسلكما، إنها صفية، ثم قال لهما: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شرا، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

فهذا الحديث يعلمنا فيه الرسول ﷺ الابتعاد عن مواطن التهم، وإزالة ما قد يكون من أسباب الريبة والشك، فقال: على رسلكما، إنها صفية.

لكن لا ينبغي أن يتحول هذا إلى حالة من القلق والوسواس، فأنت إذا رأيت أنه في بعض الحالات قد يساء بك الظن؛ فيمكن أن تفسر عملك بهدوء، وأن تبين لهم حقيقة الموقف دون أن تزيد على ذلك. وبهذا ستسلم -بإذن الله تعالى- من كلا الشرين: من إساءة الظن بك، ومن الوقوع أسيرا في دائرة الوساوس والقلق.

أما دعاؤك بأن يسترك الله تعالى وأن يدفع عنك سوء الظن؛ فهذا دعاء مشروع، ولكن نحذرك من أن يكون استجابة لهذه الوساوس، فإن تفاعلك معها أمر خطير عليك، وقد يجرك إلى أنواع من الشدائد والمضايق، فلا ينبغي أن تسترسل في الاستجابة معها، وأن تحول حياتك إلى أسئلة: كيف أفسر موقفي الفلاني؟ وكيف أتجنب إساءة ظنهم بي بسبب التصرف الفلاني؟ وهكذا.

فلا ينبغي لك أن تهتم كل هذا الاهتمام بتفسير أعمالك كلها.

اجعل قاعدتك المريحة أنك مسؤول عن أفعالك، ولست مسؤولا عن أفعال الآخرين أو ظنونهم، ومما يعينك على هذا أن تحسن بهم الظن، وأنهم لن يظنوا بك إلا خيرا، وهذا فيه امتثال منك للتوجيهات الشرعية بإحسان الظن بالأخرين.

نسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير، وأن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.

مواد ذات صلة

الاستشارات