ابنتي قاسية في التعامل معي إلا حينما يكون لديها مصلحة، فكيف أعاملها؟

0 5

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لماذا صارت ابنتي قاسية القلب، على الرغم من أنني -حتى وإن كنت أغضب أحيانا- كنت أراضيها وأفضلها على نفسي؟ ولكنها عندما تحتاج إلى شيء ما، تصبح حنونة جدا حتى تقضى مصلحتها، ثم تعود أسوأ مما كانت عليه في السابق.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك لتواصلك معنا وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك أنك تعانين من ألم عميق وأنت ترين ابنتك تعاملك بقسوة في الأحوال العادية، ثم تتحول فجأة إلى الحنان الشديد إذا احتاجت منك شيئا، فإذا قضيت حاجتها عادت أسوأ مما كانت، وهذا شعور مؤلم حقا، فالأم التي تفني نفسها من أجل ابنتها وتؤثرها على راحتها تستحق أن تقابل بالبر لا بالجفاء، ونحن نتفهم تماما ما يخالج قلبك من حيرة وحزن حين ترين أن العطاء لا يقابله عطاء مماثل.

هذه المسألة يمكن أن ننظر إليها من زاويتين، الأولى تتعلق بطبيعة العلاقة التي تشكلت بينكما عبر السنين، والثانية تتعلق بما قد يكون تعلمته ابنتك دون قصد منك ولا منها.

فأما الزاوية الأولى، فإن الله -عز وجل- جعل بر الوالدين قرينا بتوحيده في كتابه، فقال سبحانه: ﴿وقضىٰ ربك ألا تعبدوٓا إلآ إياه وبٱلوٰلدين إحسٰنا ۚ إما يبلغن عندك ٱلكبر أحدهمآ أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾ [الإسراء: ٢٣]، فالبر مطلوب من الابنة على كل حال، لكن هذا لا يعني أن يظل القلب الأمومي يتحمل وحده كل شيء دون أن ينبه الطرف الآخر إلى ما يقع منه.

وأما الزاوية الثانية، وهي التي قد تفسر لك جزءا كبيرا مما تعانينه، فهي أن الإنسان، وخاصة في مراحل التنشئة، يتعلم من التجربة أكثر مما يتعلم من الكلام، فإذا اعتادت ابنتك أن القسوة والانشغال عنك لا يقابلهما شيء يزعجها، بينما الحاجة والطلب يقابلهما منك رضا ومسايرة وتنازل حتى لو كنت متضايقة، فإن هذا النمط يترسخ في نفسها دون أن تشعر هي نفسها بأنها تتعمد الإساءة، ليست هذه دعوة لإدانتها ولا تجريدها من مسؤوليتها عن بر أمها، لكنه تفسير قد يريحك من فكرة أن قسوتها نابعة من خبث في طبعها، أو من عدم محبتها لك، فكثيرا ما تكون هذه الأنماط سلوكا مكتسبا يمكن تعديله -بإذن الله-.

ومن الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- أن تحاولي الفصل بين محبتك لها ورضاك عن تصرفها، فبإمكانك أن تستمري في محبتها ودعائك لها، وفي الوقت نفسه لا تسايريها في كل ما تريد بمجرد أن تلين معك، بل اجعلي عطاءك لها مرتبطا بما هو صواب لا بما يرضيها في اللحظة، وحاولي أن تتحدثي معها في وقت هدوء لا في لحظة غضب أو حاجة، وأن تصارحيها بأثر تصرفها عليك بأسلوب هادئ لا لوم فيه ولا تجريح، فتقولي لها مثلا إنك تشعرين بالحزن حين تقسو عليك دون أن تتهميها بسوء النية.

ومن المهم أيضا أن تراجعي أسلوبك أنت في الاستجابة، فليس عيبا أن تتراجعي عن بعض العادات التي رسختها في العلاقة دون قصد، فتغيير نمط الاستجابة من طرفك قد يكون أول خطوة لتغيير نمط تعاملها معك، وتذكري وصية الإمام علي -رضي الله عنه- في التربية حيث قال:

حرض بنيك على الآداب في الصغر ** كيما تقر بهم عيناك في الكبر
وإنما مثل الآداب تجمعه ** في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر

فالتربية عملية مستمرة لا تنتهي بمجرد أن يكبر الأبناء، بل تحتاج إلى متابعة وتوجيه في كل مرحلة، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قدوة في الرحمة والاتساق في المعاملة، فحين قبل الحسن بن علي -رضي الله عنهما- وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال:"من لا يرحم لا يرحم" رواه البخاري ومسلم، فالرحمة والاتساق فيها هما الأساس الذي تبنى عليه العلاقات السوية، وحين تشعر ابنتك أن رحمتك بها ثابتة لا تتوقف على مزاجها ولا على حاجتها، فإن هذا بحد ذاته رسالة تربوية قوية.

لا نريد أن نسقط في فخ الإسقاطات التشخيصية، فنحن لا نعرف تفاصيل أكثر عن طبيعة العلاقة وتاريخها وعمر ابنتك وظروفها، ومع ذلك فإن استمرار هذا النمط لفترة طويلة دون تحسن؛ قد يكون من الحكمة معه أن تستعيني بأخصائي أسري أو نفسي يساعدكما معا على فهم جذور هذا التوتر، فطلب المساعدة المتخصصة في مثل هذه الحالات لا يتعارض مع التوكل على الله، بل هو من الأخذ بالأسباب.

ختاما، أختي الكريمة: لا تفقدي الأمل، فالقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، وقد يجعل الله في دعائك لها سببا للين قلبها ولو بعد حين، فأكثري من الدعاء لها في سجودك وفي أوقات الإجابة، والتزمي الصبر مع الاستمرار في بذل النصح بالحكمة لا بالضجر.

نسأل الله أن يصلح لك ذريتك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات