السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا زياد، وأريد أن أسألكم عن عدة أمور.
أولا: أنا طالب في الصف الثالث الثانوي، ومحتار: هل أستمر في العمل مع الدراسة أم أتركه؟ خاصة أن هذه سنة مصيرية، وفي الوقت نفسه أحتاج إلى العمل حتى أوفر مصروفي، وأذهب إلى النادي الرياضي؛ لأنني منتظم فيه، وحتى لا أطلب من أهلي المال.
وفي الوقت نفسه، أجد أن الجمع بين العمل والدراسة صعب؛ فأخشى ألا أحصل على مجموع جيد بسبب إهمال الدراسة مع العمل، وأخشى أيضا أن أترك العمل، ثم لا أحصل على المجموع الذي أريده، فأندم على تركه.
عملي من الساعة الحادية عشرة ليلا حتى السادسة والنصف صباحا، ولكن من مميزاته أن لدي ساعة ونصف الساعة راحة أثناء العمل، وأنا أدرس في القسم العلمي، شعبة الرياضيات، وسآخذ معظم الدروس عبر الإنترنت؛ حتى أوفر وقت المواصلات وتكاليفها.
كما أحتاج إلى المال الذي أحصل عليه من العمل لشراء الطعام المناسب للتمارين الرياضية؛ لأن طعام المنزل لا يكفيني، وكذلك لشراء الملابس وغيرها من احتياجاتي، وفي الوقت نفسه، أتمنى أن أجد عملا عبر الإنترنت، أو أبيع بعض الأشياء من خلاله، حتى لا أضطر إلى الخروج أو البقاء ساعات طويلة في العمل، وأتمنى أن يكون لي دخل جيد.
وأحيانا تحدثني نفسي بأن أدخل الامتحان ومعي سماعات للغش، ولا أذاكر؛ لأن هناك أشخاصا كثيرين فعلوا ذلك وحصلوا على مجموع جيد، لكنني أخاف من ذلك؛ لأنني أعلم أنه حرام، كما أنني لا أضمن عمري.
ومنذ صغري يأتيني شعور بأن الله سيتوفاني قريبا، وأنني لن أعيش طويلا، وأخاف من هذه الفكرة كثيرا؛ لأنني أخشى ظلمة القبر ولحظة قبض الروح، وكثيرا ما أشعر بنغزات في القلب، وفي أوقات أخرى أنسى هذه الأمور، وأبتعد عن الله، وأقصر، وأنشغل بالملهيات.
وأنا أريد أن أعيش مطمئنا؛ لأنني تعبت من كثرة التفكير في جميع الأمور، وأظل أسأل نفسي: هل سيكون لدي مال عندما أكبر وأستطيع الزواج؟ وهل سأحصل على مجموع جيد؟ وهل سيدخلني الله الجنة؟ وأسئلة كثيرة من هذا القبيل ترهقني.
كما أن أهلي يقولون لي: إن بقيت على هذه الحال فلن تستطيع أن تفعل شيئا في حياتك، وبعض الناس يقولون لي: إنك ستبقى مكانك ولن تتقدم، وهذا الكلام يحبطني، لكن لدي أمل كبير في الله، والله المستعان على ما يقولون.
آسف على الإطالة عليكم، وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ زياد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.
بداية، في سؤالك نقاط كثيرة ومواضيع متعددة تريد النصيحة والتوجيه حولها، وهذا يدل على أنك تعيش فترة من التردد والخوف من المستقبل، وفي الوقت نفسه تبحث عن ضمانات لتحقيق رغباتك المتعددة، وطموحك الكبير في التفوق، والنجاح، وكسب المال، وغيرها.
وهذا التشتت له أسباب وله علاج، ولكن من المهم جدا أن تكون لديك رغبة حقيقية وصادقة في تغيير نفسك، وإصلاح حالك، فالله تعالى يقول: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.
أخي الكريم، هذا الواقع الذي تعيشه جزء كبير منه طبيعي في مثل سنك؛ فأنت الآن في بداية حياتك، وتريد الاطمئنان على كل شيء من حولك: الدراسة، والعمل، والنجاح، والزواج، والدين، وأمر الآخرة، لكن عندما تتكاثر هذه الأفكار في ذهنك في وقت واحد، دون أن تكون لديك خطة واضحة أو ترتيب للأولويات، يحدث التشتت والقلق، وتجد صعوبة في معرفة الطريق الصحيح.
فأنت الآن ترغب وتتمنى أشياء كثيرة، لكنك تحتاج إلى خطة تسير عليها، وهدف محدد تسعى إلى تحقيقه، وأولويات تعرف ما الذي يقدم منها وما الذي يؤخر؛ ولذلك نوضح لك بعض الجوانب المهمة:
• أولا: أنت مطالب بالأسباب، ولست مطالبا بضمان النتائج:
أخي الغالي، أنت مطالب بالعمل، وبذل الجهد، والسعي بحسب قدرتك واستطاعتك، ولست مطالبا بضمان النتيجة؛ فهذه بيد الله تعالى، فإذا وعيت هذا الأمر خف عنك التفكير المستمر في المستقبل؛ لأن مهمتك أن تبذل السبب، ثم ترضى بما يقدره الله، وقد قال النبي ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز.
فلا تجعل تفكيرك كله في: هل سأحصل على مجموع مرتفع؟ وهل سأصبح غنيا؟ وهل سأتزوج؟ وإنما اسأل نفسك: ماذا أستطيع أن أفعل اليوم حتى أقترب من هذه الأهداف؟ فالمطلوب منك ليس ضمان المستقبل، وإنما إدارة الحاضر بعزيمة، واجتهاد، وتوكل على الله.
• ثانيا: حدد أهدافك، وأدر هذه المرحلة بحكمة:
من المهم جدا أن يكون لديك هدف واضح تريد الوصول إليه، فإذا كان هدفك الآن التفوق في الثانوية العامة، فهذا هدف رئيسي ومفصلي في هذه المرحلة، وبعد تحديده، ابحث عن الوسائل التي تساعدك على تحقيقه، مثل: تنظيم ساعات المذاكرة، والالتزام بالنوم والراحة، والاجتهاد في الدروس والمراجعة، وتقليل ما يشتت ذهنك.
والعمل في ذاته ليس أمرا سيئا، لكن العمل الذي ذكرت أنه يمتد من الحادية عشرة ليلا إلى السادسة والنصف صباحا، مع كونك في سنة دراسية مهمة، يحتاج منك إلى إعادة النظر؛ لأن النوم والراحة ليسا ترفا، وإنما هما من أسباب القدرة على التركيز والتحصيل.
وأنت في هذه المرحلة ما زلت في حاجة إلى والديك ماديا وأسريا ونفسيا، وليس عيبا أن تستعين بهما في بعض احتياجاتك، أما رغبتك في شراء بعض احتياجات النادي الرياضي، أو الملابس، أو غيرها، فهي أمور يمكن تأجيل بعضها أو التخفيف منها حتى تنتهي من هذه السنة المهمة.
فإذا استطعت أن تجد عملا أخف، أو أقل ساعات، أو عملا مرنا لا يؤثر في نومك ودراستك، فهذا أفضل، أما أن تجعل نفسك بين عمل ليلي طويل ودراسة تحتاج إلى تركيز كبير، فهذا قد يضرك في هذه المرحلة.
• ثالثا: علاقتك بالله أهم من كل شيء:
أخي الكريم، لا ينبغي أن تقوم علاقتك بالله تعالى على الخوف والقلق وحدهما، بل تقوم على المحبة، والتعظيم، والرجاء، والخوف، والعمل بطاعة الله، قال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولٰئك لهم الأمن وهم مهتدون}، وقال سبحانه: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثىٰ وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}.
وتذكر الموت في الإسلام ليس المقصود منه أن يعيش الإنسان في رعب دائم، وإنما أن يكون دافعا للاستقامة والاستعداد للآخرة، قال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت ۗ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}، فاجعل تذكر الموت سببا لإصلاح حياتك، لا سببا لتعطيلها.
وإذا أخطأت أو قصرت، فلا تيأس؛ فباب التوبة مفتوح، والله تعالى يقول: {قل يا عبادي الذين أسرفوا علىٰ أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا}.
وأما شعورك منذ الصغر بأنك ستموت قريبا، فلا تبن عليه قراراتك، ولا تتعامل معه على أنه خبر عن المستقبل؛ فالغيب لا يعلمه إلا الله.
• رابعا: حقق التوازن في حياتك:
ممارسة الرياضة أمر جيد، والذهاب إلى النادي الرياضي في ذاته ليس مشكلة، لكن ينبغي أن يكون في مكانه الصحيح من سلم الأولويات، وقد تحتاج في هذه المرحلة إلى تخفيف وقت الرياضة أو مصروفها قليلا، ثم تعود إليها بصورة أوسع بعد انتهاء الثانوية.
وكذلك علاقتك بأهلك وأصدقائك، وعلاقتك بالله، وراحتك ونومك؛ كلها جوانب مهمة، والتوازن لا يعني أن تعطي كل شيء الوقت نفسه، وإنما أن تعطي كل أمر ما يناسب أهميته في المرحلة التي تعيشها.
• خامسا: رتب أولوياتك بمرونة:
لكل مرحلة من العمر أولوياتها، وليس مطلوبا منك أن تحقق كل شيء الآن: المال، والتفوق، والعمل، والرياضة، والاستقلال، والزواج، وتأمين المستقبل.
وقد تؤجل بعض الأشياء اليوم حتى تحقق ما هو أهم منها، وهذا ليس فشلا، بل هو عين الحكمة؛ فالإنسان الناجح لا يحاول القيام بكل شيء في وقت واحد، وإنما يعرف ما الذي ينبغي أن يبدأ به، وما الذي يمكن تأجيله.
أخيرا -أخي الكريم-، لا تجعل خوفك من المستقبل يدفعك إلى البحث عن أقصر الطرق، ولو كانت محرمة؛ فالغش في الامتحانات لا يصبح صحيحا لأن غيرك فعله وحقق درجات مرتفعة، بل المسلم يطلب النجاح من بابه الصحيح، ويبذل ما يستطيع من أسباب.
واجتهد في طاعتك لله، وحافظ على صلاتك، وأكثر من قراءة القرآن والدعاء، واستعن بالله، وأصلح ما تستطيع من نفسك، ولا تجعل التقصير السابق سببا لليأس، وتذكر دائما أن النجاح لا يأتي دفعة واحدة، وإنما يكون خطوة بعد خطوة، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.
وأما النغزات التي تشعر بها في القلب، فحتى تطمئن، لا ننصحك بإهمالها، خاصة إذا كانت متكررة أو مصحوبة بضيق في التنفس، أو دوخة، أو إغماء؛ فاستشر طبيبا متخصصا للاطمئنان.
وفقك الله، ويسر أمرك.