السؤال
قبل أن أخطب، صليت صلاة الاستخارة وقرأت الدعاء، وفي يوم الخطبة حدثت في عائلتنا حالة وفاة، وكان المتوفى عم والدي، لذلك لم يستطع والدي حضور خطبتي، ومع ذلك أتممنا الخطبة، ثم حدث زلزال شديد في بلدي، لكنه لم يتسبب في أي أضرار، فهل تعد هذه علامات من الله عز وجل على أن أبتعد عن هذا الزواج؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا أخي الكريم في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله تعالى أن يختار لك الخير، وأن يشرح صدرك لما فيه صلاح دينك ودنياك، وأن يرزقك حسن التوكل عليه والرضا بقضائه.
الزواج رزق من الله، ومقدر للإنسان من قبل أن يخلقه الله، يقول الله تعالى: إنا كل شيء خلقناه بقدر، وفي الحديث الصحيح: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وفي الحديث الآخر: لما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
صلاة الاستخارة مطلوبة قبل أن يقدم الإنسان على أي عمل كبير ومهم، وقد أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها تفويض المسلم أموره لله، ليختار له ما يشاء، وليريح قلبه؛ لأن الله لا يختار لعبده إلا ما فيه الخير له، ومن علامات اختيار المضي في الأمر تيسر أسبابه، ومن علامات صرف الإنسان عن الأمر ألا تسير الأمور بالشكل المطلوب، وتحدث تعقيدات واشتراطات غير مقبولة.
لا يصح أن تعتبر وفاة عم والدك يوم الخطبة، أو تعذر حضور والدك، أو وقوع الزلزال بعد ذلك، علامات من الله تعالى تدل على أن عليك ترك هذه الزيجة؛ فلا دليل في القرآن ولا في السنة الصحيحة على أن وقوع مثل هذه الحوادث بعد الاستخارة يكون جوابا خاصا للمستخير، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا طيرة، وخيرها الفأل، والطيرة هي التشاؤم بالأحداث والأشياء وربطها بما سيقع للإنسان.
الاستخارة ليست وسيلة لمعرفة الغيب، ولا يلزم بعدها أن ترى رؤيا أو تقع حادثة معينة حتى تعرف جواب الاستخارة؛ وإنما هي تفويض الأمر إلى الله تعالى وسؤاله أن يختار لك الخير، وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أصحابه الاستخارة، وفي دعائها: وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري … فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به، لا يلزم المستخير أن يرى رؤيا أو يشعر بانشراح أو ضيق في صدره بعد الاستخارة، ولا ينبغي أن يبني قراره على الرؤى والعلامات المتوهمة، بل على المستخير أن يمضي في الأمر بعد استخارته، ولا يتركه لمجرد رؤيا أو خاطر، فإن سارت الأمور بيسر وسهولة وتفاهم، فذلك دليل الاختيار، فليحمد الله، وإن تعسرت، فذلك دليل الصرف، فلا يعلق قلبه به، بل يرضى بما قدره الله واختاره.
وفاة عم والدك في يوم الخطبة مصيبة مؤلمة، نسأل الله أن يرحمه، لكنها لا تدل بذاتها على سوء الزواج، وتعذر حضور والدك كان بسبب هذه المصيبة، فلا ينبغي أن تحمل الأمر أكثر مما يحتمل، وكذلك الزلزال الذي وقع بعد ذلك، لا يصح أن تجعله رسالة خاصة إليك، أو علامة على رفض الزواج؛ لأن مجرد تزامن حادث مع أمر آخر لا يجعله دليلا عليه، والتشاؤم بمثل ذلك داخل في معنى الطيرة المنهي عنها.
لا يعني هذا أن الزواج مناسب لك بالضرورة؛ فالذي ينبغي أن تبني عليه قرارك هو النظر في الأسباب الشرعية والواقعية: دين المرأة وخلقها، وأمانتها، وشخصيتها، ومدى التوافق بينكما، وسؤال من يعرفها معرفة حقيقية، واستشارة والديك وأهل الخبرة، فالمرأة تنكح لأسباب، كما صح في الحديث: تنكح المرأة لأربع: لدينها وجمالها ومالها وحسبها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك والعبد لا يعلم ما فيه نفع له وما فيه ضرر عليه، فقد يحب شيئا وفيه شر له، وقد يكره شيئا وفيه خير له، قال سبحانه: وعسىٰ أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ۖ وعسىٰ أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ۗ والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
الاستخارة لا تعني ترك العمل بالأسباب، بل تكون مع الأخذ بالأسباب، إذا كانت المرأة صاحبة دين وخلق، ولم يظهر لك فيها أو في شأن الزواج منها مانع معتبر، فلا تتركها بسبب وفاة وقعت يوم الخطبة أو زلزال وقع بعد الاستخارة، وإن ظهر لك سبب حقيقي يتعلق بدينها، أو خلقها، أو شخصيتها، أو التوافق بينكما، فلك أن تعيد النظر في الزواج، ولكن بناء على هذا السبب الحقيقي، لا على تفسير الحوادث على أنها إشارات غيبية.
أسأل الله تعالى أن يختار لك الخير حيث كان، وأن يصرف عنك الشر حيث كان، وأن يرزقك الزوجة الصالحة التي تقر بها عينك، وأن يرضيك بما يقدره لك، ونسعد بتواصلك.
وبالله التوفيق والسداد.