السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعاني من الوسواس القهري في العقيدة منذ شهرين، وهذا الشهر الثالث، وقد سبب لي نوعا من الغشاوة على العقل والقلب، وعدم التركيز، مما يجعلني في حالة من التشتت أثناء العبادة، والحمد لله، أنا محافظة على الصلاة، وقراءة القرآن، والأذكار، ولكنني لا أشعر بلذة العبادة، كما أن هذه الوساوس تؤثر في تصوري لوجود الله تعالى والأنبياء.
فما علاج هذه الوساوس؟ وكيف أتخلص منها، وأستعيد تركيزي وشعوري بالعبادة؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ بسمة، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختي الكريمة- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويثبت قلبك، ويصرف عنك الوسواس، ويرزقك العافية والطمأنينة.
من خلال وصفك، فإن ما تعانينه يتوافق بدرجة كبيرة مع الوسواس القهري ذي المحتوى الديني والعقدي، ولا سيما أن الأفكار تقتحم عليك تصورك لوجود الله والأنبياء، مع بقائك محافظة على الصلاة، وقراءة القرآن، والأذكار، ولا يمكن الجزم بالتشخيص عن بعد، ولذلك أنصحك بمراجعة طبيب نفسي مختص؛ للتأكد من التشخيص ووضع خطة علاج مناسبة.
اعلمي أن الخواطر القهرية التي تكرهينها ولا تختارينها ليست هي اعتقادك، ولا يؤاخذك الله بها؛ فقد جاء بعض الصحابة -رضي الله عنهم- إلى النبي ﷺ، فقالوا: إنهم يجدون في أنفسهم ما يعظم عليهم أن يتكلموا به، فقال ﷺ: ذاك صريح الإيمان.
فلا تجعلي ورود الفكرة عليك، ولا شعورك بالضيق منها، سببا للحكم على إيمانك، وكذلك لا تجعلي عدم شعورك بلذة العبادة أو الخشوع -كما كنت تشعرين به سابقا- دليلا على فساد إيمانك؛ فالقلق والوسواس قد يؤثران في التركيز والمشاعر، وما دمت قائمة بالصلاة والعبادة، فلا تلتفتي إلى فحص مشاعرك في كل مرة.
والعلاج النبوي للوسواس العقدي واضح؛ فقد قال النبي ﷺ: يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته، وقال ﷺ: فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله.
فإذا جاءك الوسواس، فلا تدخلي معه في حوار، ولا تحاولي أن تثبتي لنفسك في كل مرة وجود الله أو صحة إيمانك، ولا تبحثي عن إجابة جديدة لكل خاطر، ولا تكرري الشهادة أو العبادة حتى تشعري باليقين؛ لأن هذا الاسترسال يغذي دائرة الوسواس، فاستعيذي بالله، وقولي: آمنت بالله، ثم اقطعي التفكير، وانتقلي من المكان الذي أتاك فيه الوسواس، ومارسي أي عمل نافع بدلا مما كنت تفعلينه.
استمري في صلاتك، وقراءتك للقرآن الكريم، وأذكارك، ولكن من غير تكلف ولا تكرار قهري؛ فإذا صليت، فلا تعيدي الصلاة لمجرد أنك لم تشعري بالخشوع الذي تريدينه، وإذا قرأت القرآن، فلا تعيدي الآية لمجرد شعورك بأن قلبك لم يكن حاضرا كما ينبغي، قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]، وقال سبحانه: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286].
ومن الناحية العلاجية، لا تكتفي بمحاولة مقاومة الوسواس بنفسك؛ بل راجعي طبيبا نفسيا أو معالجا متخصصا في الوسواس القهري، وبيني له بوضوح أن الوساوس ذات محتوى عقدي وديني.
والعلاج السلوكي المتخصص، ولا سيما ما يسميه الأطباء "التعرض ومنع الاستجابة"، من الأساليب العلاجية المهمة للوسواس القهري، وقد يحتاج بعض المرضى إلى العلاج الدوائي بحسب تقييم الطبيب، ولا تبدئي دواء أو توقفيه أو تغيري جرعته من نفسك.
ولا تجعلي كثرة البحث في العقيدة، أو سؤال الناس عن كل خاطر، وسيلة لعلاج الوسواس؛ فإنك قد تحصلين على جواب، ثم يطرح عليك الوسواس سؤالا آخر، فتظلين في دائرة لا تنتهي، فالعلاج ليس في الوصول إلى يقين جديد مع كل وسواس، وإنما في عدم الاستجابة للوسواس أصلا.
وتذكري دائما قول الله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} [الأعراف: 200]، فاستعيني بالله في علاجك، واصبري على مجاهدة الوسواس، ولا تستعجلي زواله؛ فإن العلاج يحتاج إلى وقت وممارسة، والتحسن ممكن بإذن الله.
لا تجعلي هذه المرحلة سببا لترك العبادة، أو اليأس من رحمة الله؛ بل استمري في طاعتك، وخذي بالأسباب العلاجية، وأعرضي عن الوسواس كلما عاد، وما دمت تكرهين هذه الأفكار، ولا ترضينها ولا تعملين بها، فلا تجعليها تحكم على إيمانك أو علاقتك بالله.
أسأل الله تعالى أن يثبت قلبك على الإيمان، ويصرف عنك وساوس الشيطان، ويمن عليك بالشفاء والعافية، وأن يجعل ما تمرين به سببا لزيادة قربك منه.