السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أشعر أن بيتنا قد يكون مصابا بحسد شديد أو سحر؛ بسبب عدم توفيقي في حياتي وعملي، فكلما تقدمت لخطبة فتاة لم يكتمل الأمر، كما أن أختي لم تخطب بعد، ولم يتقدم إليها أحد حتى الآن.
والمشكلة الأكبر هي والدتي؛ فهي تعاني منذ أكثر من عشر سنوات، مع عدم وجود مرض عضوي لديها، وقد أصابها اليأس من الحياة، ولا ترغب في فعل أي شيء، ولا تريد الذهاب إلى عملها، وهي مدرسة في معهد ديني، كما أنها لا تعد الطعام، ولا تهتم بشؤون المنزل، ولا تتحمل مسؤولية أي شيء، وتريد دائما البقاء نائمة في السرير.
وعلى مدار هذه السنوات العشر ذهبنا بها إلى عدد من الشيوخ والأطباء النفسيين، ولكن لم يحدث تحسن إلا بدرجة طفيفة؛ إذ تتحسن قليلا، ثم تعود إليها الأعراض مرة أخرى.
كما أن الأجواء في بيتنا يغلب عليها الحزن، ونادرا ما يمر علينا يوم سعيد، حتى إننا قد نعيش بعده مدة طويلة من الحزن وسوء الحالة النفسية، وقد تأثرت بذلك نفسيتي ونفسية أختي أيضا.
ولدينا أخت ثالثة متزوجة وتعيش بعيدا عنا، ومع ذلك تحدث معها مشكلات شبيهة بما يحدث معنا في البيت؛ فهي تعاني من مشكلات مع زوجها وفي عملها، وتكثر في حياتها الخلافات والمشاجرات.
بالإضافة إلى ذلك، فإن والدتي -للأسف، نسأل الله أن يسامحها ويغفر لها- حاولت الانتحار بتناول الأدوية أكثر من مرة، مع أنها متدينة جدا، ونحن جميعا -ولله الحمد- نصلي، ونقرأ القرآن، ونحافظ على الأذكار. ومع ذلك، أشعر بأن هناك شيئا غير طبيعي في البيت ولا ينتهي.
ومن المشكلات التي تعاني منها والدتي أيضا أنها تحمل الهم كثيرا، وتفرط دائما في التفكير.
لذلك أرجو منكم الإجابة عن الأسئلة الآتية:
• هل يمكن أن يكون ما نعاني منه بسبب السحر أو الحسد؟
• وإذا كان الأمر كذلك، فما العلاج؟
• وهل يمكنكم إرشادي إلى شيخ موثوق يعالج والدتي ويرقي أهل البيت؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ مصطفى حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشفي والدتك، وأن يفرج عنكم ما تجدون، ويملأ بيتكم سكينة وطمأنينة، ويكتب لك ولأخواتك التوفيق والخير.
فأول ما ينبغي أن نصححه هو طريقة جمعكم لكل ما يحدث في الأسرة تحت تفسير واحد؛ فتأخر زواجك، وعدم تقدم أحد لأختك، ومشكلات أختك المتزوجة، وتعثر العمل، ومرض الوالدة، وحزن البيت؛ كل ذلك لا يكفي شرعا للحكم بأن البيت مصاب بالسحر أو الحسد.
ونحن نؤمن بالسحر والعين والحسد، وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة، قال تعالى: {ومن شر حاسد إذا حسد} [الفلق: 5]، وقال النبي ﷺ: العين حق، لكن الإيمان بوجود السحر شيء، وتشخيص كل تعثر في الحياة بأنه سحر شيء آخر.
فكم من إنسان تأخر زواجه وليس مسحورا، وكم من فتاة لم يتقدم لها أحد مدة طويلة، ثم رزقها الله زوجا صالحا، وكم من أسرة اجتمعت عليها مشكلات متعددة، وليس وراءها سحر ولا عين.
ثم إن الحياة بطبيعتها دار ابتلاء، وقد قال سبحانه: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ۗ وبشر الصابرين} [البقرة: 155].
أما والدتك، فهذا هو الأمر الذي ينبغي أن يأخذ منكم الاهتمام الأكبر؛ فعشر سنوات من اليأس، وفقدان الرغبة في العمل، وعدم القدرة على تحمل المسؤوليات، والرغبة المستمرة في النوم، وكثرة التفكير والهم، ثم محاولات الانتحار بالأدوية أكثر من مرة؛ كل ذلك لا ينبغي أن يعامل على أنه مجرد علامة على السحر، بل هذه أقرب إلى الأعراض النفسية الشديدة التي تستوجب متابعة جادة مع طبيب نفسي.
كما أن محاولات الانتحار السابقة تجعل الأمر أهم وأعجل، وكونكم ذهبتم إلى أطباء نفسيين سابقا ولم يحدث إلا تحسن محدود، لا يعني أن الطب النفسي لم يعد نافعا؛ فقد تحتاج والدتكم إلى تغيير الطبيب، أو إعادة تقييم التشخيص، أو تعديل العلاج، أو الجمع بين العلاج الدوائي والعلاج النفسي، مع المتابعة مدة كافية.
وإذا عادت والدتك إلى الحديث عن الانتحار، أو ظهر من تصرفاتها أنها قد تحاول إيذاء نفسها مرة أخرى، فلا تتركوها وحدها، وأبعدوا عنها الأدوية الزائدة وكل وسيلة يمكن أن تؤذي نفسها بها، واطلبوا مساعدة طبية طارئة فورا، ولا تتعاملوا مع كلامها حينئذ على أنه مجرد انفعال أو أثر سحر، بل خذوه مأخذ الجد، وبادروا إلى طلب المساعدة اللازمة.
أما الرقية، فلا تعارض بينها وبين العلاج الطبي والنفسي أصلا؛ فارقوا والدتكم، وارقوا أنفسكم، وحافظوا على قراءة سورة البقرة في البيت، وأذكار الصباح والمساء، وآية الكرسي، والمعوذات، وأكثروا من الدعاء، كل هذا مع الرقية الشرعية نافع بإذن الله، سواء كان هناك عين أو سحر أم لم يكن؛ فالقرآن كله شفاء ورحمة.
والأفضل ألا تصبح قلوبكم معلقة بالبحث عن "شيخ قوي" أو راق يخبركم بما في البيت؛ فالإنسان يستطيع أن يرقي نفسه وأهله، وقد كان النبي ﷺ يرقي نفسه. وإن استعنتم براق، فليكن معروفا بالدين والاستقامة، ولا تذهبوا إلى من يطلب اسم الأم، أو صورا، أو ملابس خاصة، أو يكتب طلاسم، أو يستعمل ألفاظا مجهولة، أو يخبركم يقينا بمن سحركم، أو يطالب بأموال مبالغ فيها.
كذلك لا تسمحوا لأحد بأن يدخل الأسرة في دوامة طويلة من الشك في الأقارب والجيران؛ لأن ذلك قد يزيد المشكلات والهموم بدلا من علاجها.
وهناك أمر آخر نراه مهما في حالة بيتكم؛ فعشر سنوات من مرض الوالدة وحزنها لا تؤثر فيها وحدها، بل قد تصنع جوا نفسيا ثقيلا في الأسرة كلها؛ فحين يعيش الأبناء سنوات مع أم يائسة، كثيرة الهم، قليلة النشاط، قد يتسرب الحزن والقلق إلى البيت، ثم يبدأ كل واحد في تفسير مشكلاته من خلال هذا الجو.
وهذا لا يعني أنكم تتوهمون معاناتكم، وإنما يعني أن بعض ما تصفونه قد تكون له أسباب نفسية وأسرية مفهومة، وليس من الضروري البحث عن تفسير غيبي لكل شيء. لذلك عليكم أن تجمعوا بين المسارين: استمروا في الرقية والأذكار والدعاء، من غير غلو ولا انشغال بمراقبة الأعراض، وفي الوقت نفسه أعيدوا والدتكم إلى طبيب نفسي جيد، وأخبروه صراحة بتاريخ محاولات الانتحار، ولا تتركوا العلاج لمجرد تحسنها فترة قصيرة.
وأنت وأختك استمرا في الأخذ بأسباب العمل والزواج والحياة، ولا تقولا: "هناك شيء يمنعنا"؛ لأن هذه القناعة نفسها قد تتحول مع السنوات إلى حاجز نفسي يعطل السعي.
ولا نرى من خلال ما ذكرت ما يسمح لنا بأن نقول: إن بيتكم مسحور، كما لا نرى أن الصواب أن تبدأ رحلتكم بالبحث عن راق، بينما أمامنا حالة والدتك التي تستحق متابعة نفسية جادة ومستمرة، فالرقية تفعلونها بأنفسكم، والعلاج النفسي والدوائي يأخذه أهله، والأسباب الدنيوية تستمرون في الأخذ بها، والقلوب تتعلق بالله وحده.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفي والدتك شفاء تاما، ويذهب عنها اليأس والحزن، ويحفظها من أن تؤذي نفسها، وأن يفتح لكم أبواب الفرج والرزق والزواج الصالح، ويجعل بيتكم عامرا بالإيمان والسكينة، والله الموفق.