السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تقدم لي شخص، وهو إنسان محترم وطيب، ويعاملني معاملة حسنة، ولم يبدر منه أمر سيء، لكن إمكانياته المادية محدودة، ومصدر دخله الأساسي هو راتبه، وأنا بصراحة خائفة من المستقبل، ولا أعلم هل أستطيع أن أعيش وأصبر على مستوى المعيشة هذا أم لا، كما أن فارق السن بيننا كبير، وهذا يسبب عندي ترددا من ناحية أخرى.
سؤالي: هل لو رفضته بسبب خوفي من عدم قدرتي على تحمل ظروفه المادية وفارق السن، أكون بذلك أرفض رزق الله، وأكون آثمة لأني رفضت شخصا رزقه محدود؟ وهل من حقي كزوجة أن أراعي قدرتي على تحمل المستوى المعيشي قبل الزواج، أم المفترض أن أقبل طالما كان شخصا صالحا ومحترما، وأتوكل على الله؟
أنا لا أريد أن أكون مادية، أو أرفض شخصا بسبب المال فقط، وفي الوقت نفسه أخاف أن أوافق وأنا من داخلي غير متأكدة أنني أستطيع الاستمرار في هذه الظروف، فأظلمه وأظلم نفسي بعد الزواج.
أتمنى من حضرتك أن توضح لي الحكم الشرعي في هذه الحالة، وكيف أفرق بين آخذ بالأسباب ومراعاة قدرتي وظروفي، وبين أنني أعترض على رزق الله؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سحر حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتي الفاضلة- في الموقع، وأنا أقول ابنتي؛ لأني أعتبرك واحدة من بناتي أو أخواتي، وأسأل الله أن يقدر لك الخير ثم يرضيك به، ولذلك أرجو أن تسمعي هذه النصيحة الأبوية التي أريد أن أقول فيها:
▪ هل يستطيع إنسان أن يضمن أن الفقير سيظل فقيرا، أو أن الغني سيظل غنيا؟
▪ هل تعلمين -يا ابنتي الفاضلة- أن الله قال: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} [النور: 32]، وقال بعض السلف: التمسوا الغنى في النكاح.
▪ هل تعلمين -يا ابنتي الفاضلة- أن الزوجة تأتي برزقها، وأن الأبناء يأتون بأرزاقهم، وأن طعام الاثنين يكفي الأربعة؟
▪ كم من رجل تزوج وهو فقير فأغناه الله!
▪ كم من أسرة صبرت على الطفل الأول والثاني، فجاء الرابع، وفتح الله عليهم!
▪ وهل ترزقون إلا بضعفائكم؟! فنحن نرزق بأطفالنا؛ لأن الله -تبارك وتعالى- خلق هؤلاء الأطفال، وخلقنا جميعا، وقسم أرزاقنا ونحن في بطون أمهاتنا.
ولذلك أرجو أن تنظري هذه النظر الشرعية، وتيقني أن الغني لن يظل غنيا، والفقير لن يظل فقيرا، فالله -سبحانه وتعالى- يبدل الأحوال بين طرفة عين وانتباهتها، يبدل الله من حال إلى حال، هذه قاعدة عامة لا بد أن نعيشها في الحياة، ولا بد أن نفهمها ونتفهمها ونوقن بها، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يوسع عليكم في الرزق.
ثانيا: مسألة الاختيار والقبول والرفض هذه للفتاة وللفتى، لا حرج من الناحية الشرعية إذا رفضت بأسباب أو بغير أسباب، هذا أمر لا حرج فيه أبدا من الناحية الشرعية، والمهم ألا نظهر هذا، لا أقول لأنك كبير، أو لأنك فقير، أو لأنك كذا، أو هو يرفضها لسبب معين مثل هذه الأسباب، لا، ولكن المهم أن يحسن الاعتذار.
فهذه الأسباب التي في نفسك تظل سرية، وبعد ذلك القبول أو الرفض راجع لك، ولا حرج عليك من الناحية الشرعية.
لكن لأنك ابنتنا، فأنا أنصحك بأن تستخيري، والاستخارة هي طلب الدلالة إلى الخير ممن بيده الخير، ثم شاوري محارمك، والرجال أعرف بالرجال، ثم استصحبي هذا المعنى الذي أشرنا إليه؛ فالفتاة لا تستفيد من أغنى الناس إذا كان سيئ الخلق، وإذا كان ضعيف الدين، ولذلك في الشريعة: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه هذا توجيه النبي للفتاة ولأوليائها، ووجه الشاب أيضا: فاظفر بذات الدين، وليس معنى هذا أن نرفض الأموال والنسب والجمال، وكل هذا مطلوب، ولكن إذا وجد الدين فإن هذا هو الأساس، فلا خير في مال بلا دين، ولا خير في جمال بلا دين، ولا خير في حسب بلا دين.
هذه المعاني أرجو أن تكون واضحة أمامك، ومشاورة أهلك له أثر كبير في اتخاذ القرار، فهم أعرف بالرجال وأعرف بمعادنهم وأخلاقهم، ونسأل الله أن يعينكم على الخير.
من المهم جدا أيضا أن تدركي -يا بنتي الفاضلة- أن الفتاة ينبغي أن تنظر فيما حولها، في عمرها، في الفرص المتاحة، في النوعية من الناس الذين يتقدمون، هل عندهم فعلا استعداد لبناء بيت، ولعلك توافقينني أننا في زمان قل فيه من يأتي البيوت من أبوابها، ويطلب الزواج، ويأتي لمحارم الفتاة ويطلبها بطريقة شرعية صحيحة.
فانظري في هذا، فأنت أعرف بهذا منا، والفتاة أعرف بحالها وأعرف بالفرص المتاحة أمامها في المجتمع، ولذلك هذا أيضا ينبغي أن تنظري فيه؛ لأن القرار الصحيح هو الذي ننظر فيه إلى كافة الجوانب، كافة الأبعاد المهمة للموضوع قبل أن نتخذ القرار، فالقرار الصحيح يكون بعد استخارة واستشارة، وتأمل في الأمر، ونظر في العواقب، والخيارات والفرص المتاحة أمام الفتاة، ونسأل الله أن يقدر لك الخير ثم يرضيك به.
وأنا أميل إلى القبول بهذا الرجل، وهذا رأيي، وأنت صاحبة الرأي النهائي، ودورنا حتى كآباء وأمهات هو دور إرشادي وتوجيهي، ولذلك وضعنا أمامك هذه النقاط الهامة، ونسأل الله أن يقدر لك الخير ثم يرضيك به.