كيف أتعامل مع الإحباط، وأحسن ظني بالله تعالى انتظارًا للفرج؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة عزباء، ومنذ عدة سنوات أعاني من مشكلات متتابعة في مختلف جوانب حياتي، حتى وصلت في بعض الفترات إلى حالة قريبة من الاكتئاب.

ومع ذلك، كنت في تلك السنوات من أقرب ما أكون إلى الله تعالى؛ فأنا محافظة على الصلاة منذ نحو تسع سنوات، ولله الحمد، كما ازددت قربا من الله بالدعاء، والسنن، والصدقة، والعمرة، وأكثرت من الاستغفار، وبدأت في حفظ القرآن الكريم.

وكنت -ولا أزال- أدعو الله كثيرا أن يفرج همومي، ويزيل مشكلاتي، ويرزقني ما أتمنى، لكنني في الآونة الأخيرة أصبت بإحباط شديد، وأصبحت تراودني أفكار مزعجة بأن الله لا يستجيب لدعائي، وأنني مهما دعوت فلن يتغير شيء.

ويزيد من حزني أنني أرى بعض أقراني ممن لا يلتزمون بالصلاة أو الطاعات كما ينبغي، ومع ذلك تبدو حياتهم ميسرة وناجحة، بينما أشعر أنني، رغم اجتهادي في العبادة والدعاء، لا أرى ما أرجوه من الفرج.

وهذه الأفكار تراودني باستمرار، وأحاول مقاومتها؛ فإذا جاءتني أكثرت من الصلاة، أو الصدقة، أو واصلت حفظ القرآن، لكنني أشعر بثقل شديد في نفسي، وأحيانا أفقد الحماس الذي كان لدي من قبل.

وسؤالي:
هل ما أشعر به يدل على ضعف إيماني أو سوء ظني بالله تعالى؟
وهل يمكن أن تؤثر هذه الوساوس والأفكار في قبول أعمالي، مع أنني أكرهها وأجاهد نفسي على الاستمرار في الطاعة؟ وكيف أتعامل مع هذا الإحباط، وأحسن ظني بالله تعالى مع طول انتظار الفرج؟

جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ آسيا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالآتي:

أولا: ما تعانينه من ضيق، وابتلاء، وإحباط، ويأس، وتأخر في إجابة الدعاء؛ فهذا نوع من الابتلاء، والإنسان في هذه الحياة يمر بالكثير من المواقف التي تؤثر في مشاعره سلبا أو إيجابا، فتراه أحيانا سعيدا هادئا، وأحيانا حزينا مهموما، وهذا شأن الدنيا؛ فهي لا تدوم على حال، ولا تصفو لأحد.

ولكن على الإنسان أن يعمل بما ورد عن النبي ﷺ، حيث قال: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. وفي البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه.

ثانيا: أسأل الله لك الثبات والزيادة في الخير، فقد ذكرت في رسالتك أنك محافظة على الصلاة، والدعاء، والسنن، والصدقة، والعمرة، والاستغفار، وحفظ القرآن، وهذه نعمة عظيمة، فاستمري على هذا الخير.

وكذلك أحسنت في مدافعة هذه الوساوس والأفكار التي تأتيك بأن الله لا يستجيب لك الدعاء؛ فكل هذه الأفكار من الشيطان الرجيم، واعلمي أن هذه الأفكار والوساوس ليست سوء ظن بالله، لكن الإنسان قد ينتابه حزن وحسرة بسبب عدم إجابة الدعاء، فعليه بالصبر والعمل بالأسباب؛ فالإنسان منا لا يعلم الحكمة، قال تعالى: {قل فلله الحجة البالغة ۖ فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 149].

وكذلك هذه الأفكار والوساوس لا تؤثر في إيمان المسلم، بدليل كراهيتك لهذه الأفكار، فعليك بمجاهدة النفس في دفعها، وإحسان الظن بالله تعالى.

ثالثا: أرشدنا رسولنا الكريم محمد ﷺ إلى أهمية الدعاء، فقال عليه الصلاة والسلام: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء، أخرجه الحاكم. ثم إن دعاء المسلم لا يضيع، والله تعالى أكرم من أن يرد سائلا، قال رسول الله ﷺ: إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا، (رواه أحمد وصححه الألباني). ولكن للدعاء المقبول شروطا لا بد من تحققها، وموانع لا بد من انتفائها، وآدابا يرجى معها قرب الإجابة، فعليك بالاطلاع عليها في مظانها.

ثم إن إجابة الدعاء قد تقع بحصول ما دعا به المسلم بعينه في الحال، وقد تقع بعد وقت من دعائه، وهذا الوقت لا يعلم مقداره إلا الله، وقد يستجاب للعبد، ولكن لا يحصل المطلوب بعينه.
فصور استجابة الدعاء تتنوع، قال رسول الله ﷺ: ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، (رواه الترمذي)، وفي رواية لأحمد: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذا نكثر، قال: الله أكثر.

رابعا: تأخر الإجابة من الله تعالى لا بد معه من الصبر، وكون الإنسان يصلي ويصوم ويؤدي العبادات لله تعالى أمر مطلوب، ويحمد عليه الإنسان، وهو خير كثير. ولكن قد يبتلى الإنسان، فتحبس حاجته حتى لو دعا الله تعالى، فلعل الحاجة أن تقضى، ولعلها أن تؤجل إلى وقت آخر، وقد يصرف الله تعالى عنه من الشر مثلها، أو يكتب الله له الأجر يوم القيامة.

فالدعاء لن يضيع عند الله سبحانه وتعالى، ولكن على الإنسان أن يدعو الله تعالى، ويجتهد في الإقبال عليه، ويعمل بالأسباب المادية الواقعية المباحة، والله تعالى يفرج الهموم، فلا تقع في نفسك الحيرة، ولا يجعلك الشيطان تتركين الدعاء، والله تعالى له الحكمة البالغة في تأخير الإجابة، كما قال تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23].

خامسا: وأما علاج ما أصابك من الإحباط، فيكون بالآتي:

• عليك بمقاومة الإحباط وسيطرته على النفس.
• تقوية الإيمان بالقضاء والقدر، والرضا بما قدره الله، مع العلم بأن ما قدره الله لك كله خير، وأن الله لا يختار لعبده إلا ما فيه الخير: {وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} [النساء: 19].
• التعود على الأخذ بالأسباب، وهذا نبي الله يعقوب عليه السلام يوصي أبناءه: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87].
• التفاؤل، والأمل، وإحسان الظن بالله تعالى في تفريج الكربات.
• الذكر والدعاء، وأكثري من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلعل الله تعالى أن يغير أحوالك من عزوبية إلى زواج، ومن شدة وعسر إلى يسر ونعمة، وأكثري من الاستغفار، لقوله ﷺ: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب (رواه أحمد)، فأحسني ظنك بالله، وتوكلي عليه، وعلقي قلبك بالله وحده.

وختاما: تفقدي مواضع الخلل والزلل في نفسك، مع الأخذ بالأسباب الشرعية والمادية، وانهضي بحياتك إلى الأفضل والأكمل، مع التوكل على رب الأرض والسماء، وهو الله سبحانه وتعالى.

وأسأل الله تعالى بمنه وكرمه وفضله أن يمن عليك بالخيرات، والتوفيق، والتيسير في حياتك كلها، وأن يجيب دعاءك؛ فإنه سميع الدعاء، عظيم الرجاء، آمين.

مواد ذات صلة

الاستشارات