السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل القرآن علاج للأمراض العضوية وأمراض القلوب؟ أرجو التوضيح مع التفسير.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هل القرآن علاج للأمراض العضوية وأمراض القلوب؟ أرجو التوضيح مع التفسير.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ إياد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلبك، ونور صدرك، وشفاء روحك وبدنك.
أولا: نعم القرآن شفاء، وقد وصفه الله تعالى بذلك وصفا صريحا، لكن معنى الشفاء بالقرآن يحتاج إلى فهم متوازن؛ حتى لا نحصره في الأمراض النفسية والروحية فقط، ولا نجعله، في المقابل، بديلا عن الطب، والأدوية، والأسباب التي أمرنا الشرع بالأخذ بها.
قال الله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57]، وقال سبحانه: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء: 82]، وقال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} [فصلت: 44].
فالقرآن شفاء من جهتين:
1. شفاء للقلوب: وهذا أعظم أنواع شفائه وأظهرها؛ فالقلوب تمرض كما تمرض الأبدان، بل قد تكون أمراض القلوب أشد خطرا؛ يمرض القلب بالشك، والجهل، والشبهة، والشهوة، والحسد، والحقد، والكبر، والرياء، واليأس، والقنوط، والتعلق بالمخلوق، والخوف المفرط، والغفلة عن الله، والقرآن يعالج هذه الأمراض من جذورها؛ لأنه يعيد تعريف الإنسان بربه، وبنفسه، وبالدنيا والآخرة، فإذا استولى الخوف على القلب، ذكره القرآن بأن الأمر كله لله: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} [التوبة: 51]، وإذا أرهقه المستقبل، قال له: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 3] وإذا ضاق بالابتلاء، قال له: {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا} [الشرح: 5-6]، وإذا أثقله الذنب حتى قارب اليأس، فتح له باب الرجاء: {لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] وإذا تعلق قلبه بالدنيا، أعاد القرآن وضعها في حجمها الحقيقي، وإذا خاف الناس، عرفه بقدرة الله، وإذا اغتر بنفسه، عرفه بضعفه، وإذا نسي الآخرة، أيقظه.
ولهذا كان القرآن شفاء للصدر؛ لأنه لا يسكن الألم فحسب، بل يصحح الأفكار والتصورات التي ينشأ عنها كثير من ألم القلب.
2. شفاء للأبدان أيضا بإذن الله: فالقرآن شفاء للأبدان بإذن الله تعالى، لا ينبغي قصر الشفاء بالقرآن على أمراض القلوب؛ فقد دلت السنة الصحيحة على مشروعية الاستشفاء بالقرآن من الأمراض البدنية، ومن أوضح الأدلة قصة الصحابي الذي رقى سيد القوم الملدوغ بسورة الفاتحة، فقام الرجل كأنما نشط من عقال، فلما ذكروا ذلك للنبي ﷺ أقره، وقال: وما يدريك أنها رقية؟ وكان النبي ﷺ إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، وثبت عنه استعمال الرقية والدعاء في المرض؛ فالقرآن سبب شرعي للاستشفاء من الأمراض العضوية أيضا.
ثانيا: لا حرج على المريض أن يرقي نفسه بالفاتحة، وآية الكرسي، والمعوذات، وغيرها من القرآن، وأن يدعو الله بالشفاء، لكن هنا ينبغي التنبه إلى مسألة مهمة، وهي أن القرآن شفاء، ولكننا لا نستطيع أن نعد كل مريض بأن مرضه العضوي سيزول بمجرد القراءة؛ لأن حصول الشفاء المعين وتوقيته بيد الله سبحانه، فالرقية سبب، والدواء سبب، والطبيب سبب، والشافي في الحقيقة هو الله، قال إبراهيم -عليه السلام-: {وإذا مرضت فهو يشفين} [الشعراء: 80].
ثالثا: لا تعارض بين القرآن والطب: من الأخطاء أن يقال للمريض: ما دمت تقرأ القرآن، فلماذا تذهب إلى الطبيب؟ فهذا ليس من الفهم الصحيح للتوكل؛ فالذي أنزل القرآن شفاء هو سبحانه الذي خلق في الأدوية أسبابا للشفاء، والنبي ﷺ جمع بين الرقية والتداوي، وقال: تداووا عباد الله فمريض السكري مثلا يقرأ القرآن ويرقي نفسه، ولكنه يأخذ علاجه ويتابع السكر، ومريض القلب يرقي نفسه، ولكنه يراجع طبيب القلب ويلتزم دواءه، ومن يعاني اضطرابا نفسيا ينتفع بالقرآن، والذكر، والدعاء، ولا يمنعه ذلك من مراجعة المختص النفسي إذا احتاج إليه، فلا نجعل الرقية في مواجهة الطب، وإنما نجمع بين السبب الشرعي والسبب الطبي، والقلب في كليهما متعلق بالله.
رابعا: لماذا قد يقرأ الإنسان القرآن مستشفيا به، ومع ذلك لا يشفى من مرضه، أو يتأخر شفاؤه؟
لا يعني كون القرآن شفاء أن كل من يقرأ آية على مرض معين لا بد أن يبرأ منه في الوقت الذي يريده، فقد يتأخر الشفاء لحكمة، وقد يبقى المرض ويخف أثره، وقد يرزق الله المريض بسببه من الصبر، والقرب منه، وتكفير السيئات، ورفعة الدرجات ما هو أعظم له من زوال المرض نفسه، كما أن الرقية نفسها تحتاج إلى صدق، وتوكل، وحسن ظن بالله، وليست ألفاظا سحرية تعمل بصورة آلية، وحتى مع قوة اليقين، يبقى الأمر كله لله؛ فلا نقول لمن لم يشف: إيمانك ضعيف، أو رقيتك غير نافعة؛ فقد مرض الأنبياء والصالحون، وطال مرض بعضهم، وأيوب -عليه السلام- لبث في البلاء حتى أذن الله بالفرج.
خامسا: كيف يستشفي المسلم بالقرآن؟
الأفضل أن يرقي الإنسان نفسه؛ فيقرأ الفاتحة، وآية الكرسي، والإخلاص، والمعوذتين، وما تيسر من القرآن، وينفث في يديه، ويمسح بهما جسده أو موضع الألم، ويدعو بالأدعية الثابتة عن النبي ﷺ، ومنها قوله ﷺ: اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما.
ولا يحتاج الأمر إلى طقوس معقدة، ولا إلى عدد مخترع من القراءات، ولا إلى راق يعرف أسرارا خفية، ولا إلى البحث المستمر عن السحر والعين والجن.
وأعمق من ذلك كله أن علاقتنا بالقرآن ينبغي ألا تكون علاقة مريض يبحث عن دواء فحسب؛ فالقرآن لم ينزل فقط لكي نقرأه عندما تمرض أجسادنا أو تضيق صدورنا، وإنما أنزله الله هداية ونورا ورحمة، لنتدبره ونعمل به، قال الله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} [ص: 29]، وقال تعالى: {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24].
فالقرآن شفاء حين نقرؤه، وهدى حين نفهمه، ونور حين نبصر به طريقنا في الحياة، ورحمة حين نعيش في ظلاله، ومنهج حين نحتكم إليه، وقد يخرج الإنسان من مرضه معافى الجسد، وهذه نعمة، وقد يخرج من القرآن بشيء أعظم: قلب يعرف الله، ويرضى عنه، ويتوكل عليه، ويستقيم على أمره.
فالقرآن شفاء للقلوب بلا شك، وسبب مشروع للاستشفاء من أمراض الأبدان بإذن الله، ولكن لا يترك لأجله العلاج الطبي، ولا نجزم بأن كل مرض عضوي سيزول بمجرد الرقية؛ بل نقرأ القرآن ونرقي به أنفسنا بنية الاستشفاء، ونتداوى به وبغيره من الأسباب والأدوية الحسية والمعنوية، وندعو الله أن يجعل فيها الشفاء، ونعلم يقينا أن الأسباب جميعا لا تشفي بذاتها، وإنما الشفاء من الله وحده.
والله الموفق.