السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كيف أوازن بين حسن الظن بالله والخوف من وقوع الابتلاء؟
إن خوفي من الابتلاء يجعلني أحاول الالتزام بالصلاة والأذكار، وبشكل عام التقرب من الله، ولكن الأمر أصبح يشبه الوسواس، وأصبحت أنظر إلى النعم وكأنها زائلة.
أحب الله، وأعلم أنه رحيم، ولكنني أرى قصص الابتلاء طوال الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبحت أخاف كثيرا، كما أن لدي تاريخا مع وسواس الموت في فترات متقطعة من حياتي.
حاليا لدي ابن يبلغ من العمر عاما وشهرين، وأحبه كثيرا ومتعلقة به بدرجة كبيرة، وقد أصبحت أخاف من شدة حبي له، وأفكر في أن الله قد يبتليني به!
فكيف أوازن بين الخوف من الابتلاء وحتمية وجوده في حياة المؤمن، وبين حسن الظن بالله؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ آلاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- ونشكر لك تواصلك وثقتك بنا في إسلام ويب، وجوابا عن سؤالك تكون الإجابة كالآتي:
أولا: ما تعانينه من ضيق، وخوف من المستقبل، وحلول الابتلاء؛ فهذا نوع من الابتلاء، والإنسان في هذه الحياة يمر بالكثير من المواقف التي تؤثر في مشاعره سلبا أو إيجابا، فتراه أحيانا سعيدا هادئا، وأحيانا حزينا مهموما، وهذا شأن الدنيا؛ فهي لا تدوم على حال، ولا تصفو لأحد.
لكن عليه أن يعمل بالحديث الوارد عن النبي ﷺ، إذ قال: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه.
ثانيا: الذي أوصيك به لمعالجة هذه الوساوس التي تنتابك، سواء كانت وساوس عن الموت، أو الخوف من حصول الابتلاءات بسبب كثرة تتبعك لقصصها، وكذلك خوفك الشديد على ولدك؛ أن تعملي بالآتي:
• الالتجاء إلى الله تعالى بصدق وإخلاص، وسؤاله سبحانه أن يذهب عنك مرض الوسواس.
• الإكثار من قراءة القرآن، والمحافظة على الذكر، ولا سيما أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ، وغيرها من أذكار اليوم والليلة، وعليك بهذا الدعاء بشكل خاص، وهو الوارد عن النبي ﷺ: اللهم أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين [صححه الألباني].
• الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، قال تعالى: {قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس} [الناس: 1-4]، وقال تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله} [الأعراف: 200]. وفي الحديث أن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه شكا إلى النبي ﷺ ما يجده من الشيطان في صلاته، فأرشده إلى الاستعاذة بالله منه والتفل عن يساره ثلاثا، ففعل ذلك، فأذهب الله عنه ما يجد.
• مدافعة هذه الوساوس، وعدم الاسترسال فيها، والانتهاء عن هذه الأفكار وقت ورودها؛ لأن التجاهل التام من أهم أسس علاج الوسوسة، فلا تستجيبي لشكوك الشيطان ووسوسته.
• التفاؤل والأمل، وإحسان الظن بالله تعالى في تفريج الكربات.
• الإكثار من الذكر والدعاء، ومن قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلعل الله تعالى أن يغير أحوالك من شدة وعسر إلى يسر وانفراج، ومن خوف إلى طمأنينة.
ثالثا: بالنسبة لولدك وخوفك عليه، أنصحك بأن تعوذيه بهذا الدعاء الذي كان رسول الله ﷺ يعوذ به الحسن والحسين، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: إن أباكما إبراهيم كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة [رواه البخاري].
وأنصحك أيضا بهذا الدعاء الذي فيه الاستعاذة بالله من زوال النعم، فقد قال ﷺ: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك [رواه مسلم].
رابعا: اعلمي أن حسن الظن بالله، وصدق التوكل عليه، وتحقيق الرضا بقضائه؛ كفيل بأن يخفف عنك هذه المخاوف، فالله تعالى هو العليم الحكيم، وهو أرحم بك من نفسك، ومن والدتك التي ولدتك.
فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم على النبي ﷺ سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي ﷺ: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟، قلنا: لا، وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها [متفق عليه].
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة [متفق عليه].
فأقبلي على الله بطاعته، وأحسني الظن به، وكوني لله كما يريد، يكن لك كما تريدين.
ثم إنني أنصحك بعدم تتبع قصص الابتلاءات؛ لأنها أصبحت بابا تتسع من خلاله مخاوفك ووساوسك. وإذا وقفت على شيء من ذلك، فتذكري نعمة الله عليك، واحمديه على ما أنعم به من العافية، ولا تجعلي ابتلاءات الآخرين سببا لتوقع المصائب في حياتك.
وإياك أن يستدرجك الشيطان مع هذا الوسواس؛ فينغص عليك حياتك دون داع، فاستعيذي بالله من شر نفسك ومن شر الشيطان وشركه، كما أمر النبي ﷺ أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يقول إذا أصبح وإذا أمسى: اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه [رواه الترمذي وقال: حسن صحيح].
خامسا: ومما سبق تفصيله يتبين لك وجه الموازنة بين الخوف وحسن الظن بالله تعالى؛ فالخوف المحمود يدفع إلى الطاعة والعمل الصالح، ولا يتحول إلى وسواس وتوقع دائم للمصائب، وحسن الظن بالله يملأ القلب رجاء وطمأنينة وثقة برحمته وحكمته، فاعملي بهذه النصائح تفلحي بإذن الله تعالى.
وختاما: أسأل الله تعالى أن يلطف بك، ويعافيك من هذه الوساوس، ويسعدك في الدنيا والآخرة، ويحفظ لك ولدك، ويزيل عنك مخاوفك، آمين.