السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالب أبلغ من العمر (19) عاما، وقد تخرجت في المرحلة الثانوية، ولما ظهرت نتائجي عرفت أنني قد لا أتمكن من الالتحاق بالتخصص الذي أتمناه، وأصبحت أشعر بالضياع، ولا أعرف لماذا لا أوفق فيما أسعى إليه.
لقد اجتهدت في المرحلة الثانوية، ولا سيما في الصف الثالث الثانوي، وتهيأت لأكثر من ثلاث سنوات حتى أصل إلى التخصص الذي أتمناه، ومع ذلك قد لا أتمكن من الوصول إليه، كما أن النظام لا يسمح لي بإعادة المحاولة.
وحين كنت أركز على ممارسة الرياضة، تعرضت لأكثر من إصابة أجبرتني على تركها، وحتى في جانب الصداقة، ليس لدي صديق يقف إلى جانبي عندما أحتاج إليه، كما أقف أنا إلى جانب الجميع عند حاجتهم إلي.
وحين فكرت في الخطبة لم أوفق أيضا، وتعرضت في ذلك الوقت لضرر نفسي بالغ، وهكذا الحال مع كثير مما أتمناه.
الحمد لله على كل حال، لكنني لا أذكر مرة واحدة اجتهدت فيها في أمر وبذلت فيه جهدا كبيرا ثم وفقت فيه، أو وصلت إلى ما أتمناه.
فهل يمكن أن أعرف ما الذنوب التي قد تكون سببا في حرمان الإنسان من التوفيق من الله تعالى؟ وهل عدم التوفيق يكون بسبب الذنوب فقط، أم قد تكون له أسباب أخرى؟
جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ انزور حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويكتب لك التوفيق فيما تسعى إليه، ويختار لك من أمور دينك ودنياك ما فيه الخير، ويرضيك بما قسم وقدر، ويفتح لك من أبواب الخير ما تتمنى.
أخي الكريم، فهمنا من رسالتك أنك تمر بمرحلة شعور بالإحباط المتراكم؛ فأنت ترى نفسك تبذل جهدا حقيقيا في أكثر من جانب من جوانب حياتك: الدراسة، والرياضة، والعلاقات الاجتماعية، وحتى محاولة الزواج، ثم تجد النتيجة مغايرة لما كنت تتمناه، وهذا شعور مرهق فعلا.
وحين يتكرر عدم بلوغ الهدف، رغم بذل الجهد، يبدأ الإنسان يشكك في نفسه وفي توفيق الله له، وهذا أمر طبيعي أن يخطر على القلب، لكنه يحتاج إلى تصحيح في زاوية النظر أكثر من حاجته إلى جلد الذات.
سؤالك عن علاقة الذنوب بانعدام التوفيق سؤال دقيق ومهم، ويمكن أن ننظر إليه من زاويتين:
الزاوية الأولى: الذنوب فعلا قد تكون سببا من أسباب حرمان التوفيق؛ فقد قال بعض السلف: إنه ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، والمعصية تورث القلب ظلمة، وتبعد صاحبها عن نور التسديد، ومن الحكمة أن يراجع الإنسان نفسه دوما، ويكثر من الاستغفار، ويتفقد علاقته بربه في الصلاة وقراءة القرآن؛ فهذا سبب لا ينكره أحد.
الزاوية الثانية: وهي المهمة جدا لحالتك، أن عدم تحقق ما نريد ليس دائما عقوبة على ذنب؛ فقد يكون ابتلاء يرفع الله به درجة العبد، أو صرفا عن أمر فيه شر مستور لا يعلمه إلا الله، يقول الله عز وجل: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216].
فربما كان عدم دخولك الفرع الذي تريده، أو تلك الإصابة التي أبعدتك عن رياضتك، أو حتى تلك الخطبة التي لم تتم، كل ذلك تدبيرا إلهيا لطريق آخر لم تره بعد، وقصة موسى والخضر -عليهما السلام- في سورة الكهف خير مثال؛ حين كان موسى يعترض على أفعال ظاهرها الضرر، وكانت في حقيقتها رحمة ومصلحة له ولغيره، ونذكرك بأمر مهم، أن النبي ﷺ قال: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له.
فأنت في الحالتين رابح إن أحسنت التعامل مع ما يقدره الله، والحمد الذي بدأت به رسالتك، رغم كل ما مررت به، هو بحد ذاته دليل على إيمان راسخ يستحق أن تبني عليه.
من الأمور التي سوف تعينك بإذن الله:
• أولها: أن تفرق بين المحاسبة الصادقة للنفس وبين جلد الذات؛ فراجع نفسك في أمر الطاعات والذنوب بصدق واستغفار، لكن لا تحمل كل نازلة تمر بك معنى العقوبة؛ فهذا يقودك إلى يأس لا مبرر له.
• وثانيها: أن تكثر من الدعاء، خاصة في أوقات الإجابة، كالثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، فتطلب من الله التوفيق والتيسير بلسان صادق.
• وثالثها: أن تستمر في الأخذ بالأسباب، دون أن تربط قيمتك بنتيجة بعينها؛ فتقدم لفرع آخر إن تعذر الأول، وتبحث عن رياضة أو نشاط بديل لا يشكل خطرا على جسدك.
• ورابعها: في موضوع الأصدقاء، لا تنتظر أن يأتيك الصديق الوفي، بل ابحث بنفسك عن مجالس الخير، وحلقات العلم، والأنشطة التي يجتمع فيها أهل الصلاح؛ فالصحبة الصالحة غالبا تطلب ولا تأتي مصادفة.
وأحب أن أذكرك بما قاله الإمام الشافعي -رحمه الله-:
ولرب نازلة يضيق لها الفتى ذرعا *** وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لا تفرج
فكل ما يضيق به صدرك اليوم، له عند الله فرج قد لا تراه الآن.
أخي الفاضل، لا نريد أن نسقط في فخ الإسقاطات التشخيصية، لكن مما نلاحظه في رسالتك تراكما لخيبات متتالية أثرت على نفسيتك، وأنت نفسك ذكرت أن إحدى هذه التجارب سببت لك ضررا نفسيا بالغا في حينه، وتذكر أن التسعة عشر عاما التي عشتها ليست نهاية المطاف، بل بداية طريق طويل أمامك، فيه فرص كثيرة لم تفتح بعد، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.