السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سيدي الكريم، أرجو مشورتكم في مشكلة تؤرقني.
عمري 40 سنة، ومتزوج، ولدي طفلة عمرها 7 سنوات، ونقيم في بلد خليجي منذ 11 عاما.
تزوجت ابنة عمتي بعد استخارة وقناعة، وعشنا أربع سنوات سعيدة، رغم عدة محاولات للإنجاب وحالات إجهاض، ثم ساعدتها أختي في الحصول على عمل في مركز لتحفيظ القرآن، وبدأت المشكلات بينهما، ثم انتقلت إلينا.
لاحقا، حملت زوجتي وأنجبت ابنتنا، التي كانت تعاني من مشكلة في الكلية، ثم أجرت عملية جراحية، وفي تلك الفترة، عانت زوجتي كثيرا من ضغوط علاقتها بعائلتي، ومرض ابنتنا، ومرض والدها بالسرطان ثم وفاته، ومع مرور الوقت، ازداد الخلاف بينها وبين أهلي، ووصل الأمر إلى شتائم متبادلة بينها وبيني.
ثم مرض والدي بالسرطان، وسافرت معه للعلاج، وكنت أتمنى أن تدعمني كما دعمتها في مرض والدها، لكن المشكلات والشتائم تصاعدت، فطلقتها هاتفيا من شدة الغضب، ثم ندمت وأرجعتها؛ لأنني أحبها، ولأجل ابنتنا.
حاولت بعد ذلك إصلاح العلاقة بينها وبين أمي وأختي، لكن الأمر تحول إلى اتهامات ومشكلات، وأصبحت أرى أن زوجتي تعرضت لظلم من أهلي، فواجهت أمي بذلك، وطلبت منها التفكير في الأمر خوفا من سؤال الله، ثم حاولت الصلح مرة أخرى، لكنها رفضت.
لاحقا، حملت زوجتي، وخلال الحمل عادت الشتائم والاتهامات، ثم توقف الحمل، واتهمتني وأهلي بالتسبب في ذلك، وفي إحدى نوبات الغضب، فقدت السيطرة وصفعتها وطلقتها، ثم ندمت وأرجعتها، وتعاهدنا على ألا يتكرر الأمر، خصوصا أن ابنتنا بدأت تتأثر بهذه الخلافات.
ومنذ شهرين، سافرت زوجتي إلى سوريا لزيارة والدتها، وهناك علمنا بحمل جديد، وفرحنا كثيرا، وكان الطبيب يطمئنها إلى أن الحمل جيد، وقبل أيام سألتني عن أمي، ثم بدأت تتهمني، وتسب أهلي، وتهددني بطلب الطلاق، واستمر ذلك أربعة أيام متواصلة، رغم أنني تجنبت الرد عليها؛ خوفا على الحمل.
وفي اليوم الخامس، ذهبت إلى الطبيب، فكان الخبر المؤلم أن نبض الجنين قد توقف، ومنذ ذلك الحين، وهي تتهمني بأنني القاتل والمجرم، وأنني السبب في وفاة الجنين، وهي الآن مصممة على الطلاق.
أنا في حيرة شديدة؛ فأنا أحب زوجتي، ولا أريد هدم بيتي، وأشعر بالذنب تجاه ما بدر مني، لكنني أيضا عانيت كثيرا من الإهانات والاتهامات.
وأريد أن أعرف:
• ما الذي يجب علي فعله شرعا وإنسانيا؟
• هل أستمر في محاولة الإصلاح، أم أقبل بالطلاق؟
• كيف أتعامل مع علاقتها بعائلتي، خاصة أن الصلح بينهم يبدو صعبا؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يجبر مصابكما، ويرحم ضعفكما، ويحفظ ابنتكما، ويكتب لهذا البيت ما فيه الخير والسكينة.
وبعد: فالمشكلة عندكم لم تعد خلافا واحدا يمكن حله باعتذار أو جلسة صلح، وإنما تراكمت فيها جراح متعددة: فقد الأجنة، ومرض الطفلة، ووفاة والد زوجتك، ومرض والدك، والصراع مع أهلك، والشتائم، والطلاق المتكرر، ثم الضرب، وأخيرا فقد الحمل الجديد، وكل جرح منها دخل في الجرح الآخر، حتى صار كل خلاف يستدعي تاريخا من الألم.
ولهذا نرى أن القرار الآن لا ينبغي أن يكون: هل تطلقها أو تتمسك بها؟ بل السؤال الأسبق: هل يمكن إعادة بناء هذه الحياة على صورة مختلفة تماما عما كانت عليه؟
لذا دعنا -أخي الكريم- نفصل فيما يجب وينبغي:
أولا: لا تحمل نفسك موت الجنين:
قول زوجتك إنك قاتل الجنين لا يجوز أن يتحول عندك إلى حقيقة تعذب بها نفسك؛ فتوقف نبض الجنين له أسباب طبية يعرفها أهل الاختصاص، ولا يجوز الجزم بأن خلافا أو انفعالا بعينه هو الذي تسبب فيه، بغير بينة طبية معتبرة.
وفي الوقت نفسه، لا تدخل معها الآن في معركة لإثبات براءتك؛ فهي امرأة فقدت جنينها، وقد يكون كلامها خارجا من شدة الصدمة، والحزن، والغضب، فارفق بها، ولكن لا تقبل وصف نفسك بالقاتل.
ثانيا: ما وقع منك يحتاج إلى توبة وإصلاح:
صفعك وضربك لها خطأ، والطلاق في لحظات الغضب كلما اشتد النزاع طريق شديد الخطورة، ولا ينبغي أن يبقى الطلاق سلاحا حاضرا في الخصومات، والله عز وجل قال: {وعاشروهن بالمعروف}.
فتب إلى الله من الاعتداء، واعزم عزما قاطعا ألا يتكرر، مهما استفزتك، وإذا بلغ الغضب بك حدا تخشى معه فقدان السيطرة، فاخرج من المكان، وأوقف الحوار حتى تهدأ.
أما الطلقتان اللتان ذكرت أنهما وقعتا في الغضب، ثم راجعتها بعدهما، فهذه مسألة تحتاج إلى سؤال مفت مختص، مع بيان ألفاظ الطلاق التي قلتها، ودرجة غضبك، ومتى راجعتها؛ لأن عدد الطلقات وحكم وقوعها أمر لا ينبغي أن يبنى على وصف مختصر.
ثالثا: لا تجعل الاعتراف بخطئك إلغاء لأخطائها:
فكما أنك أخطأت بالضرب والطلاق وقت الغضب، فالسب والإهانة المستمرة، واتهامك بالقتل، وسب أهلك، ليست أمورا مشروعة أيضا، قال النبي ﷺ: ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء.
والزواج لا يستقيم إذا صار كل طرف محكمة للآخر، وكل خصومة مناسبة لإخراج ملفات السنوات الماضية، لكن من المهم جدا ألا تدخلوا الآن في حساب: من أخطأ أكثر؟ لأن هذا السؤال غالبا سيهدم ما بقي، والمطلوب أن يعترف كل واحد بخطئه، لا أن يستخدم خطأ الآخر لتبرير خطئه.
رابعا: توقف عن محاولة إصلاح العلاقة بين زوجتك وأهلك:
محاولة إصلاح العلاقة بين زوجتك وأهلك من أهم نقاط الحل عندنا؛ فالذي يظهر أن محاولات جمع زوجتك بأمك وأختك أصبحت نفسها مصدرا متكررا للفتنة، والشرع لا يوجب على زوجتك أن تكون لها علاقة حميمة بأهلك، كما لا يجوز لها أن تسيء إليهم، ولا يجوز لأهلك ظلمها أو التدخل في حياتها.
فلا تجعل نجاح زواجك مشروطا بأن تحب زوجتك أمك وأختك، ولا تجعل برك بأمك مشروطا بأن تحب أمك زوجتك، بر أمك، وصل أختك، وأحسن إليهما، وفي الوقت نفسه، احفظ لزوجتك بيتها، وخصوصيتها، وكرامتها.
وقد يكون الحل الواقعي الآن هو "السلام بلا اختلاط": لا خصومات، ولا شتائم، ولا تصفية حسابات، وفي الوقت نفسه، لا لقاءات مفروضة، ولا محاولات متكررة لصناعة علاقة لم تعد النفوس تحتملها.
خامسا: لا تناقش الطلاق معها الآن:
لا تناقش أمر الطلاق معها الآن؛ خاصة وهي في ذروة مصيبة فقد الجنين قبل أيام، فهذه -إن قررت- ليست اللحظة المناسبة لاتخاذ قرار مصيري، إن أمكن تأجيله، فلا تطاردها بطلب الرجوع، ولا تجادلها في اتهاماتها، ولا تهددها، ولا تستعطفها عشرات المرات.
قل لها بهدوء إنك حزين على الجنين كما هي حزينة، وإنك لا تريد استغلال مصابها في مناقشة مستقبل الزواج، وإنك مستعد للاعتراف بأخطائك وإصلاحها، وإنها إذا هدأت النفوس، يمكن أن تجلسا جلسة واحدة جادة بشأن المستقبل، ثم أعطها مساحة.
سادسا: اجعلوا للإصلاح شروطا واضحة:
إذا هدأت النفوس، فليدخل بينكما حكمان عاقلان، لا شخصان يزيدان النار اشتعالا، امتثالا لقوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما}.
واجعلوا استمرار الزواج مرتبطا بتعهدات عملية: لا ضرب، ولا سب، ولا إهانات، ولا تهديد بالطلاق أثناء الغضب، ولا إدخال للأهل في تفاصيل الحياة الزوجية، ولا إجبار على علاقة بين الزوجة وأهلك، ولا اتهامات بلا دليل، مع الاتفاق على طريقة محددة لإيقاف أي شجار قبل انفجاره.
سابعا: ابنتكما ينبغي أن تصبح جزءا مركزيا من القرار:
ذكرت أن ابنتكما بدأت تتأثر، وهذه إشارة لا ينبغي تجاوزها؛ فالطفل لا يحتاج فقط إلى أب وأم تحت سقف واحد، بل يحتاج إلى بيت آمن.
وقد يكون بقاء الزوجين، مع استمرار الصراخ، والسب، والضرب، والطلاق، والرجعة، أشد إيلاما للطفل من انفصال هادئ يحفظ له أبويه، لذلك لا تقل: سأبقى "من أجل ابنتي" فقط، بل قل: هل نستطيع أن نصنع لابنتنا بيتا آمنا إن بقينا معا؟
ثامنا: هل تتمسك بها أم تقبل الطلاق؟
نرى ألا تتعجل الطلاق الآن، وأن تبذل محاولة أخيرة جادة، ولكن مختلفة تماما عن المحاولات السابقة؛ فإن قبلت زوجتك، بعد هدوء المصيبة، أن تبدأ معك صفحة جديدة، وقبلتما معا وضع حدود واضحة، ووجد منكما استعداد حقيقي لتغيير طريقة الخصام وعلاقة الأهل بحياتكما، فالإصلاح أولى، خاصة مع وجود المحبة، والطفلة، والتاريخ المشترك، والله قال: {والصلح خير}.
أما إن أصبح الزواج دائرة ثابتة من الإهانة، والضرب، والطلاق، والرجعة، والاتهامات، ورفض أحدكما أي إصلاح حقيقي، واستنفدت الوساطة الجادة، فلا تجعل المحافظة على اسم الزواج غاية في ذاتها، فقد شرع الله الفراق حين يتعذر المعروف: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما}.
تاسعا: لا تنظر إلى نفسك على أنك وحدك المذنب، ولا على أنها وحدها المذنبة، أنتما زوجان مجروحان، أخطأ كل منكما في حق الآخر، ثم دخلت العائلتان، والفقد، والمرض، والغربة، في قلب العلاقة حتى أثقلتها.
فإن أردت إنقاذ بيتك، فلا تحاول إعادته إلى ما كان عليه؛ لأن الطريقة التي كانت تسير بها حياتكما هي التي أوصلتكما إلى ما أنتما فيه الآن، فحاول أن تعيد بناء حياتكما الزوجية على أسس جديدة، وفق الضوابط الآتية:
• زوجتك تكون بعيدة عن صراعات أهلك.
• أهلك محفوظ حقهم، دون أن يتحكموا في بيتك.
• الشتيمة ممنوعة من الطرفين.
• اليد لا تمتد أبدا.
• الطلاق لا يدخل في كل خصومة.
• ابنتكما تعيش بعيدة عن ساحات الصراع.
فإن استطعتما بناء هذا البيت الجديد، فتمسكا به، وإن عجزتما بعد بذل أسباب الإصلاح، فليكن الفراق بإحسان، لا بانتقام؛ فالله الذي أمر بالإمساك قال: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}.
أخيرا: نسأل الله أن يصلح ما بينكما، ويؤلف بين قلبيكما، ويجبر مصابكما، ويذهب عنكما الحزن والغضب، ويرزقكما الحكمة، والصبر، وحسن العشرة، وأن يحفظ ابنتكما، ويقر أعينكما بصلاحها، ويقدر لكما الخير حيث كان، وأن يجمع بينكما على المودة والرحمة والسكينة، والله الموفق.