السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
علمت مؤخرا أن ابنتي، البالغة من العمر 21 عاما، كانت تأخذ أموالا من محفظتي، أو تسحب من بطاقتي البنكية دون استئذاني، مع العلم أن مصروفها كان معقولا.
وكنا نرفض إعطاءها أموالا لطلب الطعام الجاهز، أو لاستخدام سيارات "أوبر"؛ لأنني ووالدها نرى أن هذه من رفاهيات العصر الحديث، وقد تكون مفسدة للشباب؛ فكنا نطالبها بعدم طلب الطعام الجاهز ما دام الطعام متوفرا في المنزل، وباستخدام وسائل المواصلات للذهاب إلى الكلية، وكان ذلك لا يعجبها.
وقد علمت مؤخرا أنها كانت تسحب مني أموالا دون علمي، ولم أنتبه إلى ذلك من قبل، وأعتقد أن هذا الأمر مستمر منذ سنتين على الأقل.
وقد تخرجت هذا العام، وكنت أنوي أن أشتري لها هدية من الذهب بمناسبة تخرجها، لكن اكتشافي لهذا الأمر أحزنني كثيرا، كما أنني لم أخبر والدها حتى الآن.
وسؤالي: كيف أتعامل مع ابنتي بعد اكتشافي لهذا الأمر؟ وهل أواجهها بما فعلت، وأخبر والدها، أم أتعامل معها بطريقة أخرى تحفظ علاقتنا وتساعدها على إدراك خطئها وتصحيحه؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ تغريد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، ونسأل الله أن يصلح ابنتك، ويهديها إلى الصواب، وأن يؤلف بين قلوبكم، ويرزقكم الحكمة وحسن التصرف، ويجعل ما حدث سببا للإصلاح والتقارب بينكم.
فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أن ما اكتشفته من أخذ ابنتك للمال دون علمك قد ترك في نفسك حزنا وحيرة، خاصة أن هذا جاء في وقت كنت تتهيئين فيه لمكافأتها على تخرجها، فامتزج الفرح المرتقب بالأسى غير المتوقع، وهذا شعور طبيعي جدا، لا لوم عليك فيه؛ فالأمانة بين الوالدين والأبناء من أعظم ما يبنى عليه بيت المسلم، وجرحها يوجع القلب قبل العقل.
وهذه المسألة يمكن أن ننظر إليها من زاويتين متكاملتين لا منفصلتين:
الزاوية الأولى: تتعلق بفعل ابنتك نفسه؛ فأخذ المال من غير إذن أمانة مخذولة، يجب ألا تمر دون معالجة، ولو كان بنية الحصول على أشياء تراها هي حقا لها؛ فالغاية، مهما بدت مبررة في نظرها، لا تسوغ الوسيلة، وقد جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ: أدوا الأمانة إلى من ائتمنكم، وهذا أصل عظيم في التعامل المالي، حتى بين أقرب الناس.
أما الزاوية الثانية: فتتعلق بالسياق الذي دفعها إلى ذلك؛ فحين يشعر الشاب أو الشابة أن رغباته التي يراها بسيطة ترفض باستمرار، ولو كانت في نظركما من كماليات العصر ومفسداته، فقد يلجأ أحيانا إلى طرق ملتوية بدل المواجهة الصريحة، لا لأن ذلك صواب، بل لأن باب الحوار بدا له مغلقا أو متعبا، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن:15]، وهذه الفتنة تكون تارة في المال نفسه، وتارة في طريقة إدارة العلاقة حوله.
ومن الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- أن تبدئي الحديث مع ابنتك بهدوء تام، بعيدا عن لحظة الغضب أو المفاجأة، فتخبريها أنك علمت بما حدث، دون تجريح أو تعيير، بل بأسلوب من يبحث عن الفهم قبل أن يبحث عن العقاب.
واسأليها بصدق عن السبب الحقيقي وراء ما فعلته؛ فربما كشف لك ذلك جانبا في نفسها لم تكوني تعرفينه، من ضغط اجتماعي بين صديقاتها، أو إحساس بالحرمان مقارنة بمن حولها، أو حتى رغبة في الاستقلالية بطريقة خاطئة.
ومهما كان الجواب، فحاولي أن تفتحي معها بابا للحوار حول المصروف ذاته؛ فليس عيبا أن يعاد النظر في بعض القيود، إذا كانت تضيق عليها الأمور أكثر من اللازم؛ فالوسطية خير من التشديد الذي قد يولد الالتفاف عليه.
كما أنها ليست دعوة للتفريط، أو للانسياق وراء كل رغبة عابرة، بل توازن بين تأديب الأبناء على القناعة، وبين إشعارهم بأن أصواتهم مسموعة.
أما بخصوص عدم إخبارك زوجك حتى الآن؛ فهذه نقطة تستحق تأملا صادقا؛ فالوالد شريك أصيل في تربية ابنته، وإخفاء أمر بهذا الحجم عنه، ولو بنية حسن التصرف، قد يضعك في موقع الوسيط المتوتر بين الطرفين، وقد يفاجأ لاحقا بطريقة تزيد الأمر تعقيدا.
فالأفضل أن تخبريه بأسلوب هادئ ومتزن، لا يصور ابنتك كمجرمة، ولا يهون من خطورة ما حدث، بل يعرض الموقف كما هو؛ مشكلة تحتاج إلى معالجة مشتركة، بحكمة الأب وحنان الأم معا، فوحدة الموقف بينكما أهم من التفاصيل الدقيقة لطريقة العرض.
وتذكري -أختي الكريمة- أن كل يوم هو فرصة جديدة للإصلاح، وأن الخطأ الذي وقعت فيه ابنتك لا يلغي ما بنيتماه معها من قيم طوال سنوات عمرها؛ فقد قال أبو تمام:
وما من شدة إلا سيأتي ... لها من بعد شدتها رخاء
وهذا ما نرجوه لك في هذا الموقف؛ أن يتحول الألم اليوم إلى فرصة تقارب حقيقي غدا.
أما مسألة هدية التخرج، فلا تجعليها رهينة لهذا الموقف، بل افصلي بينهما؛ فتكريمها على تخرجها حق مستقل، ومعالجة قضية الأمانة حق آخر، ولكل مقامه.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.