السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أولا: أحب أن أشكركم على هذا الموقع الجميل، وبارك الله فيكم، وجعله في ميزان حسناتكم جميعا يا رب العالمين.
ثانيا: بالنسبة إلى حالتي، فإنني بين الحين والآخر أكتشف، من خلال استشاراتكم، تفسيرا لبعض الأعراض التي أعاني منها، وقد تحدثتم عن أحلام اليقظة، وأنا بالفعل أعاني منها، وأسترسل فيها كثيرا، فيحدث لي شيء من انشراح الصدر، فأكثر من الضحك والكلام والمزاح.
وأنا متضايق من هذا الأمر، خاصة من كثرة الكلام والثرثرة؛ فعندما بحثت في موقعكم، وجدت أن ذلك قد يكون مرتبطا بأحلام اليقظة؛ لأنني أسترسل معها منذ صغري، وهذه نقطة قد تفيدكم في تقييم حالتي، فمنذ صغري وأنا غارق في أحلام اليقظة، وكنت أتحدث مع نفسي كثيرا بصوت مسموع، حتى إن الناس كانوا يظنون أنني مجنون، كما كانت شفتاي تتحركان باستمرار بالكلام الذي أفكر فيه وأقوله لنفسي.
استمر الأمر حتى ذهبت إلى طبيب نفسي، وتناولت دواء "باروكستين"، والحمد لله، لم أعد الآن أتحدث مع نفسي بصوت مسموع، ولكن ما زالت أحلام اليقظة موجودة؛ إذ أتخيل في ذهني أنني أتحدث مع أشخاص، وأجلس معهم، وأضحك وأمزح معهم، وينعكس ذلك علي في الواقع، فأشعر بالانبساط وانشراح الصدر.
كما أنني أكثر من الكلام والمزاح مع أي شخص، حتى لو كان غريبا، وهذا الأمر يضايقني ويتعبني نفسيا؛ لأن بعض الناس يقولون لي إن كثرة الكلام والمزاح لا تليق، وقد تقلل من هيبة الإنسان ومكانته.
وهناك أمر آخر أعاني منه منذ صغري، وهو أن كل ما لا أستطيع تحقيقه أو فعله في الواقع أتخيله في ذهني؛ فمثلا: أتخيل أنني أمتلك مشروعا، أو أتحدث مع أشخاص وأضحك وأمزح معهم، وبصفة عامة، فإن أي شيء أشعر بأنه ينقصني في الواقع أتخيله في ذهني، ثم أسترسل طويلا مع هذه الأفكار والتخيلات.
كلما قررت أن أقلل من المزاح والضحك وكثرة الكلام، أستطيع ذلك مدة قصيرة، ثم أعود مرة أخرى، ولا أتمكن من السيطرة على نفسي، فأكثر من الكلام والمزاح دون حاجة.
إلى جانب ذلك، تأتيني أحيانا بعض الأفكار السلبية المزعجة، ثم تزول، كما أنني أعاني من القلق.
وأسئلتي هي:
• هل أحلام اليقظة والاسترسال فيها هي السبب فيما أعانيه من كثرة الكلام والضحك والمزاح؟
• هل هذه الأعراض مرتبطة بالوسواس؟
• هل يفيد دواء "باروكستين" في علاج حالتي؟ وما الجرعة المناسبة له؟
• هل يوجد ما يساعدني على زيادة التركيز وتقليل الاسترسال في أحلام اليقظة؟
• كيف أستطيع التحكم في كثرة الكلام والمزاح، وأن أصبح أكثر هدوءا واتزانا ورزانة؟
وأعتذر لكم عن الإطالة؛ لأنني ألاحظ أن بعض الأعراض تختفي من وقت إلى آخر، ثم تظهر أعراض أخرى.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حسين، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أخي الكريم، تقييمك لنفسك أمر نعطيه اعتبارا كبيرا، لكن من المهم أيضا أن تستفيد من تقييم الآخرين لك، خاصة ممن يعرفونك جيدا ويتصفون بالمصداقية والموضوعية، فتقييم الإنسان لنفسه يعد أحد الجوانب المهمة التي نعتد بها في الطب النفسي والصحة النفسية، لكنه لا يكفي وحده؛ إذ قد يرى الآخرون في سلوكك أو شخصيتك جوانب لا تنتبه إليها أنت.
ولذلك لا بأس أن تستشير شخصا تثق بحكمته ومعرفته بك، كإمام مسجدك، أو جار تثق به، أو شخص قريب منك، وتسأله مثلا: "كيف ترى شخصيتي وتصرفاتي؟ وهل تلاحظ علي سلوكيات أحتاج إلى تعديلها؟" ومثل هذا التقييم قد يكون مفيدا لك من ناحيتين: فهو أولا: يساعدك على تكوين صورة أكثر توازنا عن نفسك، وثانيا: ينبهك إلى بعض السلوكيات التي قد تحتاج إلى تعديل، فتعمل على تطوير جوانب القوة، ومعالجة جوانب الضعف. وهذا في حد ذاته منهج جيد في معرفة النفس وتطويرها.
الأمر الثاني: أنت الآن في مرحلة عمرية ينتظر فيها قدر أكبر من النضج على مستوى التفكير، والوجدان، وتحمل المسؤولية؛ ولذلك من المهم أن تراجع طريقة استثمارك لوقتك وطاقتك، وأن تسأل نفسك: "لماذا أسترسل في أحلام اليقظة التي لا فائدة منها ولا طائل وراءها؟ ولماذا لا أوجه هذه الطاقة إلى العمل، والتواصل الاجتماعي، والعبادة، وممارسة الرياضة، وتحقيق أهداف واقعية؟" اجعل هذا النوع من التفكير حاضرا في ذهنك؛ لأنه يساعدك على الانتقال من الاسترسال في الخيال إلى التفاعل الإيجابي مع الحياة.
وأريدك أيضا أن تقرأ عن علم يسمى بـ "الذكاء العاطفي" أو "الذكاء الوجداني"، وهو من المفاهيم المهمة في مجال تطوير الذات وفهم المشاعر والسلوك؛ فمن خلال فهم مبادئه يستطيع الإنسان أن يتعرف بصورة أفضل على نفسه، ومشاعره، وطريقة تعامله مع المواقف المختلفة.
كما يساعد الذكاء الوجداني الإنسان على التعرف إلى جوانب القوة والضعف في شخصيته، فيسعى إلى تعزيز ما هو إيجابي، وتعديل ما هو سلبي، وفي الوقت نفسه يصبح أكثر قدرة على فهم الآخرين والتعامل معهم بصورة متوازنة وإيجابية، وتوجد كتب وموضوعات كثيرة عن الذكاء العاطفي؛ فأرجو أن تقرأ في هذا المجال، وأن تحاول تطبيق ما يناسبك من مبادئه بصورة عملية في حياتك اليومية.
أخي الكريم، اجعل لحياتك أهدافا واضحة ومحددة؛ فأنت -والحمد لله- تعمل، فاحرص على تطوير نفسك في مجال عملك، وحدد لنفسك أهدافا تستطيع قياسها وتحقيقها. فمثلا: يمكنك أن تضع برنامجا لحفظ أربعة أو خمسة أجزاء من القرآن الكريم خلال الأشهر الستة القادمة، وهذا هدف طيب وممتاز جدا.
ويمكنك كذلك أن تعمل على تطوير قدراتك المعرفية واللغوية من خلال القراءة، والاطلاع، والاستماع إلى البرامج النافعة، وكن صاحب مبادرات إيجابية في حياتك الاجتماعية؛ فمثلا: خصص يوما في الأسبوع لصلة أرحامك، أو على الأقل للتواصل معهم هاتفيا والاطمئنان عليهم.
كما أن ممارسة الرياضة مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيا سوف تساعدك على توجيه طاقاتك بصورة إيجابية، وتخفيف التوتر، وتعينك على الانتقال من دائرة أحلام اليقظة إلى دائرة الأهداف الواقعية والعمل على تحقيقها.
أما بالنسبة للعلاج الدوائي: فدواء "سيروكسات - Seroxat" دواء ممتاز، فاستمر عليه بجرعة (20 ملغ)، أي حبة واحدة يوميا، لمدة ستة أشهر على الأقل، ثم يمكنك بعد ذلك خفض الجرعة إلى (10 ملغ) يوميا لمدة شهر، ثم (10 ملغ) يوما بعد يوم لمدة شهر آخر، ثم التوقف عن تناوله.
ويوجد أيضا دواء ممتاز يسمى "موتيفال - Motival"، وهو متوفر في مصر، ويستخدم لعلاج القلق والتوتر، كما أنه يساعد على تخفيف عسر المزاج؛ فتناول منه حبة واحدة ليلا لمدة ثلاثة أشهر، ثم توقف عن تناوله.
هذه أدوية بسيطة ونافعة أخي الكريم، وأسأل الله أن ينفعك بها.
كما أنه لا بد من أن تحسن إدارة وقتك، وأهم الخطوات في إدارة الوقت هي أن تتجنب السهر، وأن تتجنب النوم النهاري، فالتركيز يتحسن من خلال النوم الليلي المبكر، ومن خلال الغذاء الصحي، ومن خلال مزاولة الرياضة، ومن خلال قراءة القرآن وتدبره، فهذا كله يحسن التركيز أيها الفاضل الكريم.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالتوفيق والسداد.