هل وفاة الزوج يمكن أن تكون عقوبة من الله بسبب ذنوب الخلوات؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أرملة تسأل: منذ وفاة زوجها، وهي تقول إن الله عاقبها بوفاة زوجها؛ لأنها كانت خلال حياتها الزوجية ترتكب ذنوب الخلوات، وهي تشعر بقنوط شديد، خاصة أن لديها أطفالا صغارا؛ فهي تخشى عليهم، وتلوم نفسها كثيرا، كما تخشى مما قد يحدث لها في المستقبل.

علما أنها كانت مطيعة لزوجها، وتعاشره بالمعروف، إلا أنها ابتليت بهذه الذنوب منذ مراهقتها؛ فكانت تتوقف عنها مدة ثم تعود إليها، واستمر ذلك حتى بعد زواجها.

وهي تحب الله ورسوله ﷺ، وحريصة على أسرتها، لكن وفاة زوجها فتحت لديها جراحا وأزمات نفسية، ووساوس مخيفة جدا، وأصبحت تربط وفاة زوجها بتلك الذنوب، وتخشى أن تكون وفاته عقوبة لها بسببها، علما أنها لم تخبر زوجها في حياته عن تلك الذنوب.

فكيف تتخلص من هذا القنوط ولوم النفس؟ وهل يصح أن تعتقد أن وفاة زوجها كانت عقوبة لها بسبب ذنوبها؟ وكيف تتعامل مع هذه الوساوس والمخاوف؟

أرشدونا، بارك الله فيكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ أم عبد الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا -أختنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله:

لقد قرأت استشارتك بتمعن، وأسأل الله تعالى أن يجزيك خيرا على حرصك على نصح هذه الأخت، وأن يفرج عنا وعنك وعنها، ويوفقنا جميعا للتوبة النصوح والاستقامة على دينه.

وأما الأخت المذكورة فأقول لها:

أختي الكريمة، أول ما أرجو أن يطمئن قلبك إليه أنه لا يجوز لك أن تجزمي بأن وفاة زوجك كانت عقوبة لك بسبب ذنوب الخلوات؛ فهذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ولا يستطيع أحد أن يجزم بأن مصيبة معينة كانت بسبب ذنب معين إلا بدليل، قال الله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة: 155-157].

صحيح أن بعض ما يصيب الإنسان قد يكون بسبب الذنوب، كما قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30]، ويقول عليه الصلاة والسلام: إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه.

وما وقع منك من ذنوب أمر ينبغي أن تخافي منه، وتبادري بالتوبة النصوح، لكن الخوف من الذنب ينبغي أن يدفع إلى التوبة، لا إلى القنوط، قال الله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53]، فالقنوط من رحمة الله مذموم، والعلاج يكون بحسن الظن بالله، ومدافعة الوساوس، وعدم الاسترسال معها.

فإن كنت قد تبت إلى الله تعالى توبة صادقة، فأقلعت عن الذنب، وندمت عليه، وعزمت على ألا تعودي إليه؛ فعليك أن تحسني الظن بربك، وأن تبدئي صفحة جديدة، ولا تجعلي ذنوب الماضي تحطم حاضرا ومستقبل أطفالك، قال الله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} [الفرقان: 68-70]، وثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: لله أشد فرحا بتوبة عبده.

وإن كنت قد تبت ثم ضعفت نفسك، فعدت إلى الذنب، فلا تستسلمي لليأس، بل جددي توبتك، وجاهدي نفسك مع قطع الأسباب التي تجرك إلى المعصية؛ قال الله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور: 31]، والأحاديث التي تدل على سعة مغفرة الله لمن أذنب ثم تاب ورجع إليه كثيرة جدا.

وننصحك أن تأخذي بأسباب الثبات؛ فتبتعدي عن الوسائل، والأماكن، والأوقات التي كانت سببا في وقوعك في الذنوب، وتشغلي أوقات فراغك بكل مفيد، وتحافظي على الصلاة، وتكثري من تلاوة القرآن والذكر، وتصاحبي الصالحات، ولا تستسلمي للخلوة التي تضعف فيها نفسك؛ فإن فعلت ذلك فسوف يوفقك الله ويهديك سبله، قال الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت: 69].

وإن عدم إخبارك زوجك في حياته بما كنت تقعين فيه هو عين الصواب، ومع هذا فلا ينبغي أن تجعلي هذا الأمر سببا لتعذيب نفسك بعد وفاته، ما لم يتعلق الأمر بحق له أو بحق لآدمي يحتاج إلى رد؛ فستر الإنسان لنفسه كما ستره الله له أصل معتبر، وقد قال النبي ﷺ: كل أمتي معافى إلا المجاهرين.

كما أن خوفك على أطفالك ومستقبلهم أمر حسن، فينبغي أن تجتهدي في حسن تربيتهم وتوجيههم، ولا تجعلي ذنبك سببا لتوقع المصائب عليهم؛ فالله تعالى قال: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164]، وعليك بدلا من ذلك، كما سبق، أن تقومي بما أوجب الله عليك من رعايتهم وتربيتهم، وأن تستعيني بالله في ذلك؛ قال سبحانه: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 3].

والذي يظهر أن وفاة زوجك، مع ما صاحبها من حزن شديد، وندم، جعلتك تربطين بين أمور لا دليل على ارتباطها؛ فتسألين نفسك: "هل مات زوجي بسببي؟ وهل سيعاقبني الله في أولادي؟ وهل هذه المصيبة عقوبة؟".

وبناء على ذلك، اعلمي أن هذه الأسئلة لا تستطيعين أن تعرفي جوابها، فلا ينبغي أن تسترسلي مع هذه الوساوس؛ لأن مثل هذه الابتلاءات مكتوبة على الإنسان ومقدرة، قال الله تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [التوبة: 51].

نوصيك بعد التوبة النصوح أن تكثري من العمل الصالح، وأن تجاهدي نفسك، وتحسني الظن بربك، ولا تسترسلي مع الوساوس، وأن تقومي بحق أولادك، ولا تيأسي من الخير بإذن الله.

وإذا استمرت الوساوس والحالة النفسية، واشتدت حتى أثرت في نومك، أو عبادتك، أو قدرتك على رعاية أطفالك؛ فلتستعيني بطبيب مختص بالأمراض النفسية، شريطة أن يكون موثوقا؛ فالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وقد صح في الحديث: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء.

وأخيرا أختنا الكريمة، لا تجعلي وفاة زوجك نهاية علاقتك بالله، بل اجعليها بداية صفحة جديدة من التوبة، والإصلاح، والقرب من الله، وأكثري من الاستغفار والدعاء، وادعي لزوجك بالرحمة، واعتني بأطفالك، واحتسبي ما تقومين به من رعايتهم عند الله، واصبري؛ فإن الله مع الصابرين؛ قال تعالى: {إن الله مع الصابرين} [البقرة: 153].

نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ولك الذنوب كلها، دقها وجلها، صغيرها وكبيرها، علانيتها وسرها، ما علمنا منها وما لم نعلم، كما نسأله سبحانه أن يتقبل توبتنا، ويغسل حوبتنا أجمعين، ورحم الله زوجك رحمة واسعة، وجبر كسرك، وحفظ أطفالك، وأعانك على تربيتهم، وأبدل حزنك سكينة، وخوفك أمنا، وندمك توبة صادقة، وأن يفتح لك أبواب رحمته وفضله، آمين، ونسعد بتواصلك.

والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات