السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا مصاب بوسواس قهري شديد في أمور العقيدة، والطهارة، والصلاة، والفقه، والأمور المالية من ناحية الحلال والحرام، وأخاف أحيانا أن أكون متبعا لهواي في بعض الأمور؛ بحيث أحتار في نفسي، وأقول: هل أنا متبع لهواي وأخدع نفسي، أم أن هذا الأمر من الوسوسة؟
وأحيانا، بعد أن أحسم بعض القضايا العقائدية في نفسي، وأثبت أنني لست كافرا، وأنتهي من هذه الأمور، يعود إلي القلق، وأخاف أن أكون أكذب على نفسي، وأنه يجب علي السؤال عن الأمر؛ فأحيانا ألجأ إلى السؤال، وأحيانا لا أسأل.
فكيف أفرق بين ما هو وسوسة وما هو حقيقة؟ وهل تعرفون متخصصا أو مؤسسة تجمع بين العلم الشرعي والخبرة في هذا الأمر، ويمكنهم مساعدتي، لو تكرمتم؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ بهاء، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويصرف عنك الوساوس، ويرزقك اليقين والسكينة، وبعد:
فالذي يظهر من وصفك أن الإشكال الأكبر عندك ليس في معرفة الأحكام نفسها، وإنما في أنك كلما وصلت إلى جواب في مسألة عاد إليك الشك، فهدم الطمأنينة التي وصلت إليها، ثم طالبك بإعادة النظر والسؤال من جديد، وهذا واضح من انتقال الأمر معك بين العقيدة، والطهارة، والصلاة، والمعاملات المالية، والحلال والحرام.
ولذلك، فإن أهم ما تحتاج إليه هو أن تتعلم متى يكون السؤال مطلوبا، ومتى يكون الواجب عليك أن تعرض عنه ولا تسترسل معه، ودعنا نعرض الأمر في هذه النقاط:
• أولا: الأفكار التي تقتحم عليك ذهنك، وأنت تكرهها وتدافعها، لا تجعلك كافرا، ولا يلزمك كلما وردت عليك أن تثبت لنفسك من جديد أنك مسلم؛ فقد شكا بعض الصحابة للنبي ﷺ ما يجدونه في أنفسهم من خواطر يستعظمون حتى الكلام بها، فقال ﷺ: ذاك صريح الإيمان، وقال ﷺ: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم.
ففرق بين ما يقتحم على الإنسان قلبه، وهو له كاره، وبين ما يعتقده مختارا راضيا به؛ ولهذا لا تضع إيمانك كل يوم على ميزان التفتيش: هل كفرت؟ هل رضيت بالفكرة؟ هل قصدتها؟ هل خدعت نفسي؟ لأن هذا التفتيش نفسه هو الباب الذي تدخل عليك منه الوساوس.
• ثانيا: كيف تفرق بين المسألة الحقيقية والوسوسة؟ هنا لا بد أن تعلم أن السؤال الحقيقي يطلب حكما، فإذا عرف صاحبه الحكم اطمأن إليه، وعمل به، وانتهى، أما الوسواس فلا يريد منك جوابا بقدر ما يريد يقينا جديدا بعد كل يقين؛ فتسأل فتجاب، ثم تقول: لعلي لم أشرح المسألة جيدا، فتعود وتسأل، ثم تقول: ربما لم يفهم المفتي قصدي، فتسأل غيره، ثم تقول: ربما أخذت بهذا الجواب لأنه الأسهل على نفسي، ثم تبدأ بالسؤال: هل أنا متبع لهواي؟ ثم تبحث عن قول أشد حتى تطمئن أنك لم تتبع الهوى، فإذا وجدته انتقل الوسواس إلى سؤال آخر.
ومن هنا تستطيع أن تضع لنفسك علامة مهمة: المسألة التي سبق أن سألت عنها وعرفت حكمها، ثم عادت إليك بالاحتمالات نفسها أو بما يشبهها، لا تفتحها من جديد.
• ثالثا: خوفك من اتباع الهوى قد يتحول هو نفسه إلى وسوسة؛ فاتباع الهوى المذموم أن يتبين للإنسان حكم الله، ثم يعرض عنه رغبة في مخالفته أو طلبا لشهوته، أما أن تسأل عالما موثوقا فيبين لك الحكم فتأخذ به، ثم يأتيك الخوف: لعلي قبلت قوله لأنه أيسر، ولعلي أخدع نفسي، ولعلي لو كنت صادقا لاخترت القول الأشد؛ فهذا ليس ميزانا صحيحا، فالدين لا يقاس دائما بالأشد، والورع ليس أن تجعل كل مباح حراما، وكل صحيح مشكوكا فيه، وكل طهارة منتقضة، وكل صلاة محتاجة إلى إعادة.
ومن القواعد الشرعية العظيمة أن اليقين لا يزول بالشك؛ فمن ثبت إسلامه بيقين لا يخرج منه بالشكوك، ومن ثبتت طهارته فلا يحكم بانتقاضها بالاحتمال، ومن أدى عبادته على الوجه الذي يعلمه فلا يعيدها كلما جاءه شك.
• رابعا: لا تدخل مع الوسواس في مناظرة طويلة؛ فقولك إنك بعد أن "تحل قضايا عقائدية في نفسك وتثبت أنك لست كافرا" يعود إليك القلق، يكشف لك موضعا مهما من المشكلة؛ لأنك كلما ناقشت الوسواس طويلا لتثبت لنفسك إيمانك، علمته بطريقة غير مباشرة أن مجرد إلقائه سؤالا عليك، كاف لأن تتوقف وتبدأ رحلة البحث والإثبات من جديد.
فتثبت اليوم أنك لست كافرا، ثم يعود غدا بسؤال أدق، فتجمع الأدلة مرة أخرى، ثم يعود بعد ذلك ويقول لك: ولكن ربما كنت تخدع نفسك عندما أجبت سابقا. ولهذا جاء التوجيه النبوي حاسما في الوساوس، فقال ﷺ: فليستعذ بالله ولينته.
فتأمل قوله ﷺ: ولينته؛ فلم يأمره بالاسترسال في المناقشة، وإنما بقطعها، فإذا جاءك مثلا: ربما أنت كافر، فلا تبدأ محاكمة داخلية طويلة لنفسك، وإنما استعذ بالله، واعلم أنك مسلم بيقين، ثم امض فيما كنت فيه.
• خامسا: اجعل لك قاعدة ثابتة في السؤال:
- إذا كانت المسألة جديدة فعلا، ولها أثر عملي، ولا تعرف حكمها، فاسأل عالما موثوقا.
- إذا أجابك، فقد انتهت المسألة، فلا تعد السؤال بصياغة أخرى للحصول على مزيد من الاطمئنان.
- لا تنتقل إلى عالم آخر لمجرد أن نفسك ما زالت قلقة.
- لا تفتش بعد ذلك في عشرات الفتاوى بحثا عن مزيد من اليقين.
- لا تجعل بقاء شيء من القلق دليلا على أنك لم تصل إلى الحكم الصحيح؛ فقد تعرف الحكم الصحيح، ويبقى الوسواس يقول لك: تأكد مرة أخرى.
- إذا طالبك الوسواس بالتأكد مرة أخرى، فالصواب ألا تستجيب له؛ لأن استجابتك له هي التي تجعله يعود إليك في كل مسألة.
• سادسا: طبق هذا الأصل على الأبواب التي ذكرتها:
- في العقيدة: أنت مسلم بيقين، فلا تبحث كل يوم عما إذا كنت خرجت من الإسلام بسبب فكرة، أو خاطر، أو احتمال.
- في الطهارة: الأصل بقاء الطهارة حتى تتيقن من ناقضها، فلا تلتفت إلى الشكوك المتكررة.
- في الصلاة: لا تعد الصلاة بسبب الاحتمالات والوساوس، واعمل بما قرره أهل العلم في شأن كثير الشك.
- في الأموال والمعاملات: إذا عرضت لك معاملة لا تعرف حكمها، فاسأل عنها، فإذا بين لك العالم الثقة أنها جائزة، فلا تجعل خوفك من الحرام سببا في تحريمها على نفسك، ولا تعد البحث كلما عاد إليك القلق.
• سابعا: لا تجعل كثرة السؤال علامة على شدة الورع؛ فقد يظن الإنسان أن كثرة السؤال عن كل صغيرة وكبيرة دليل على شدة خوفه من الله، ولكنها إذا تحولت إلى دائرة لا تنتهي، فإنها قد تنقلب إلى عنت ومشقة لم يأمر الله بهما، قال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، وقال سبحانه: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}. فالورع المحمود يقود صاحبه إلى الطاعة والسكينة، أما أن تصبح كل صلاة موضع مراجعة، وكل طهارة محل شك، وكل معاملة موضع خوف، وكل خاطر تهديدا للعقيدة، فهذا ليس هو المقصود من الورع.
• ثامنا: أما سؤالك عن جهة تجمع بين العلم الشرعي والخبرة في التعامل مع هذه الوساوس، فننصحك أولا بألا تتنقل بين جهات كثيرة؛ لأن كثرة المراجع قد تزيد حيرتك، وإنما اختر عالما أو طالب علم راسخا، معروفا بالعلم والاعتدال، وله دراية بأحكام الموسوسين، واجعله مرجعك فيما تحتاج حقيقة إلى السؤال عنه، والتزم جوابه، ولا تعد المسألة بعد ذلك، ثم استشر العلماء أهل العلم والدين والسنة، فهم أدرى الناس بمن يصلح لك.
وأخيرا: اجعل لنفسك قاعدة تسير عليها من اليوم، وكررها لنفسك: لن أعيد فتح مسألة انتهيت منها لمجرد عودة القلق، فلا تجعل كل خاطر قضية، ولا كل شك سؤالا، ولا كل خوف من اتباع الهوى دليلا على أنك متبع لهواك، وخذ دينك عن أهل العلم الثقات، واعمل باليقين، وأعرض عن الشك المتكرر، واستعذ بالله عند ورود الوساوس، ولا تسترسل معها.
ومتى بدأت تفعل ذلك، فستكتشف أن كثيرا من الأسئلة التي كانت تبدو لك مسائل شرعية ملحة لم تكن تحتاج إلى جواب جديد، وإنما كانت تحتاج منك إلى الإعراض وعدم الاستجابة لها.
نسأل الله أن يثبت قلبك على الإيمان، وأن يرزقك فقها بلا تشدد، وورعا بلا وسوسة، ويقينا بلا عنت، وأن يصرف عنك نزغات الشيطان ووساوسه، والله الموفق.
__________________________________________
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد المحمدي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي.
__________________________________________
نرحب بك -أخي الفاضل- مجددا عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.
أضيف -لو سمحت لي- إلى ما ذكره لك الدكتور الفاضل أحمد المحمدي، فقد ذكر لك كلاما طيبا في موضوع وسوسة الأفكار العقائدية والطهارة والصلاة، فبالإضافة إلى ما ذكره لك، أقول: إن الوسواس القهري عبارة عن أفكار قهرية، أي: إنها ليست تحت سيطرتك، وتأتي إليك رغما عنك، وتحاول دفعها، إلا أنها تأتي مصرة عليك.
وهي غالبا تأتي في أعز ما لديك، فكونها تأتيك في أمور الدين من العقيدة والعبادة، فهذا دليل على حسن إيمانك -إن شاء الله تعالى-، وليس دليلا على عكس ذلك من ضعف الإيمان أو الشك في العقيدة، فأقول هذا لأطمئنك أولا.
ثانيا: عندما تحاول أن تدفع هذه الأفكار تأتي إليك بشدة، وهناك رأيان:
• هناك رأي يقول بمقاومة هذه الأفكار.
• وهناك رأي آخر يقول: دع هذه الأفكار الوسواسية تأتي، لا تفعل شيئا، وإنما اسمح لها أن تأتي، ثم ستجدها تذهب من تلقاء نفسها.
ولكن إذا وجدت صعوبة في تنفيذ هذا والتخلص من هذه الأفكار الوسواسية، والتي -على فكرة- هي منتشرة، إلا أن المصابين بها لا يتحدثون عنها لخجلهم وارتباكهم من هذا الموضوع، فأريد أن أقول: إن علاجها أصبح متوفرا، سواء بالأمور السلوكية التي ذكرها لك الدكتور أحمد المحمدي، أو من خلال العلاج الدوائي.
فهناك أدوية فعالة -أخي الفاضل- في علاج الأفكار الوسواسية، وما عليك إلا أن تذهب إلى أحد الأطباء النفسيين، وسواء وجد في مدينتك في ألمانيا طبيب نفسي عربي أم لا، فعلى كل حال يبقى علاج الوسواس نفسه.
فالطبيب الألماني قد لا يفهم بعض الأمور الإسلامية العقائدية والعبادية، إلا أن الدواء الذي سيصفه لك هو نفس الدواء الذي يمكن أن يصفه لك طبيب نفسي عربي مسلم، فأرجو أن تفكر في الموضوع، وخاصة إذا كانت هذه الأفكار الوسواسية قد بدأت تؤثر عليك بشكل كبير.
فهنا لا بد من اتباع التوجيه النبوي، عندما قال ﷺ: تداووا عباد الله، وكما أن هذا ينطبق على الأمراض البدنية، فإنه ينطبق أيضا على الأمراض النفسية كالوسواس القهري.
أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية، وبالله التوفيق والسداد.