السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أريد حلا للتعامل مع أمي؛ فهي متسلطة، ومسيطرة، وأنانية، وظالمة، وغير عادلة، وتفرق في معاملتها بين أبنائها، كما أن التعامل معها صعب جدا إلى أبعد الحدود، وقد ألحقت بي أذى نفسيا كبيرا، وأثرت في صحتي وحياتي، حتى أصبحت حياتي منغصة بسبب ذلك.
ولا أشعر بأنها كانت أما طبيعية في حياتي، فهي إنسانة مادية، تحب نفسها فقط، وأشعر بأنني لولا وجودها في حياتي لكنت في خير ونعمة، وأرى أن وجودها في حياتي من أكبر وأصعب الابتلاءات، وقد احترت في كيفية التعامل معها؛ فالتعامل معها متعب إلى درجة لا توصف.
فهل إذا تعاملت معها بحدود معينة أكون آثمة؟ لأنني مهما فعلت لا يرضيها شيء، ولا أستطيع إرضاءها في جميع الأحوال، فهي تريدني أن أتصرف وفق رغبتها ومزاجها، كما أنها كثيرة المشكلات، والغيبة، والنميمة، والكذب، وغير ذلك، ومع هذا تتحدث باسم الدين، مع أن الدين بريء من هذه التصرفات.
فأرجو منكم إرشادي إلى الحل الذي يريحني من هذا الأذى، وفي الوقت نفسه أريد أن يكون الله تعالى راضيا عني، وألا أكون من العاقين لوالديهم، فكيف أتعامل معها؟ وما الحدود التي يجوز لي وضعها في علاقتي بها دون أن أقع في عقوق الوالدين؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا وثقتك بموقعنا، ونسأل الله تعالى أن يفرج همك، ويشرح صدرك، ويعينك على بر والدتك والإحسان إليها، وأن يصلح ما بينكما، ويرزقك الحكمة والصبر وحسن التصرف، ويجعل لك من كل ضيق فرجا، ومن كل هم مخرجا.
فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تعانين منذ سنوات طويلة من علاقة مضطربة مع والدتك، تتسم بالسيطرة والتمييز والظلم وكثرة الافتراء، وأنك وصلت إلى درجة من الإرهاق النفسي والجسدي يصعب وصفها.
إن ما تشعرين به من ألم أمر مفهوم تماما؛ فالعلاقة التي يفترض أن تكون مصدرا للحنان والأمان تحولت عندك إلى مصدر إنهاك دائم، وهذا من أثقل أنواع الابتلاء؛ لأنه يمس أقرب الناس إليك؛ ولأن الشرع نفسه يأمرك بالبر تجاه من تؤذيك، فتجدين نفسك حائرة بين حقك في الراحة وواجبك الديني.
وهذه المسألة يمكن أن ننظر إليها من زاويتين لا تتعارضان، بل تكمل إحداهما الأخرى.
الزاوية الأولى: أن بر الوالدين حق واجب لا يسقط بظلم الوالد أو تقصيره، فقد أمر الله عز وجل به حتى مع من يخالفنا في العقيدة، قال تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان:15].
ومن أجمل ما يروى في هذا الباب حديث أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- حين جاءتها أمها المشركة، وهي راغبة عنها، فسألت النبي ﷺ هل تصل أمها؟ فقال لها: نعم، صلي أمك (رواه البخاري ومسلم).
فانظري كيف أن البر مطلوب حتى مع الاختلاف في أصل الدين، فما بالك ببر أم مسلمة مهما كانت أخطاؤها؟!
والزاوية الثانية، وهي التي يغفل عنها كثيرون: أن البر لا يعني الطاعة العمياء، ولا القبول بالظلم، ولا الانصياع لكل مزاج ورغبة؛ فالطاعة في الإسلام مقيدة بالمعروف، وقد قال النبي ﷺ: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف (متفق عليه).
فإذا كانت والدتك تطلب منك ما فيه ظلم لك أو لغيرك، أو كانت تشترط عليك رضاها بشروط تعجيزية لا تنتهي، فليس من العقوق أن ترفضي هذا الظلم، وإنما العقوق هو قطيعة الرحم الكاملة، والإساءة إليها، والتنكر لحقها في أصل البر، لا رفض الانصياع لمطالب غير عادلة.
ومن الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- في هذا الطريق الصعب:
• أولا: حافظي على الحد الأدنى من صلة الرحم، من سلام، وسؤال، وإحسان في القول؛ فهذا يبقيك بعيدة عن العقوق مهما بلغ الأذى، لكن هذا لا يعني أن تكوني تحت تصرفها في كل شأن من شؤون حياتك، فلك أن تضعي حدودا واضحة تحمي نفسك دون أن تفارقي أصل البر.
• ثانيا: لا تنجرفي خلف ما يصدر منها من غيبة، أو نميمة، أو افتراء؛ فالرد على الإساءة بمثلها يستنزفك أكثر، ويزيد الأمر تعقيدا، ودافعي عن نفسك بالحق دون خوض في المهاترات؛ فالله سبحانه هو الحسيب العدل الذي يعلم حقيقة ما تعانينه، قال تعالى: {وكفى بربك هاديا ونصيرا} [الفرقان:31].
• ثالثا: لا تحملي نفسك مسؤولية إرضائها في كل شيء؛ فمن طبيعة الشخصية المسيطرة أنها لا ترضى مهما فعل من حولها، وإدراكك لهذه الحقيقة يخفف عنك كثيرا من الشعور بالذنب غير المبرر.
• رابعا: أكثري من الدعاء والاستعانة بالله في أوقات الإجابة، ومن ذلك دعاء المضطر الذي وعد الله بإجابته، قال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء} [النمل: 62]، فأنت في موضع المضطر حقا، والله أقرب إليك من أن يتركك في هذا الكرب.
• خامسا: من المهم أن تدركي أن ما تصفينه من صفات السيطرة والأنانية الشديدة قد يكون له بعد نفسي حقيقي يحتاج إلى تقييم مختص، ولسنا هنا في موضع من يشخص عن بعد، لكن للأمانة والموضوعية ننصحك بزيارة أخصائي نفسي، ليس فقط لفهم طبيعة ما تعانينه في هذه العلاقة، بل خصوصا للحصول على دعم يعينك على حماية صحتك النفسية؛ فطلب المساعدة المتخصصة ليس ضعفا، بل هو أخذ بالأسباب.
ومن المهم أيضا أن تتدربي على مهارات ضبط الانفعال في لحظة المواجهة نفسها؛ فحين تشعرين بأن الغضب أو الانفعال يتصاعد بداخلك اعملي بوصية النبي ﷺ في قوله: إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع رواه أبو داود؛ فتغيير وضعك الجسدي وحده يمنحك لحظة تهدئة تمنعك من رد فعل تندمين عليه لاحقا.
وأضيفي إلى ذلك الوضوء، أو تهدئة نفسك بأنفاس عميقة بطيئة قبل الرد على أي كلمة جارحة؛ فالتنفس الهادئ يخفف من حدة الانفعال الجسدي قبل أن يترجم إلى كلام أو دموع. وتذكري دائما قول النبي ﷺ: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب (متفق عليه)؛ فالقوة الحقيقية هنا هي في ضبط ردة فعلك، لا في الانتصار في الجدال.
سادسا: لا تردي على الاستفزاز في لحظته، بل امنحي نفسك وقتا قبل الرد؛ فالتأخر في الجواب ليس ضعفا، بل هو حكمة، وكثير من الكلام الذي يقال في لحظة الغضب يزيد الفجوة ولا يحلها.
حاولي أن يكون ردك مختصرا، هادئا، بلا انفعال ظاهر؛ بحيث لا تمنحينها وقودا إضافيا لإطالة النقاش أو الخلاف.
سابعا: افصلي بين ما تقوله والدتك عنك وبين حقيقتك أنت؛ فكثير من الاتهامات والانتقادات لا تعكس واقعك بقدر ما تعكس طبيعة شخصيتها هي، فلا تدعي كلامها يشكل نظرتك إلى ذاتك أو يهز ثقتك بنفسك، وذكري نفسك دائما بأن الله هو من يعلم حقيقتك وما تحملينه من جهد وصبر.
ثامنا: اجعلي لنفسك متنفسا تفرغين فيه ما بداخلك بعيدا عنها، سواء بالكتابة الحرة عما تشعرين به، أو بالحديث مع شخص تثقين به؛ فكبت المشاعر باستمرار يزيد العبء النفسي، بينما التعبير عنها بطريقة آمنة يخفف الضغط تدريجيا.
تاسعا: حاولي أن تصلي إلى مقام قبول هذا الابتلاء بقلب راض، لا استسلاما للظلم، بل إيمانا بأن الله سبحانه قدر لك هذا الموقف، وأن لك في الصبر عليه أجرا عظيما.
وحاولي أيضا أن تنظري إلى والدتك بعين أخرى؛ فبعض من يبدون في صورة المتسلط الظالم قد يفتقرون في الحقيقة إلى مهارات التواصل السليم والتعبير الصحي عن مشاعرهم، فتجدينهم يسيطرون بدل أن يحاوروا، وينتقدون بدل أن يشجعوا؛ لأن هذه هي الطريقة التي اعتادوا التعامل بها مع من حولهم.
وهذا الفهم لا يبرر الأذى الذي يقع عليك، لكنه قد يخفف من وطأته في قلبك حين تدركين أنه قد يكون صادرا عن قصور في طريقة التعامل، وليس بالضرورة عن قصد خالص للإيذاء.
وقد يجعل الله سبحانه هذه الأم المتعبة سببا من أسباب دخولك الجنة؛ فصبرك على أخلاقها وبرك بها رغم ما تلقينه منها من أذى من أبواب الأجر، وقد قال النبي ﷺ: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له (رواه مسلم)، وقبل ذلك قال الله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر:10].
فاجعلي كل موقف صعب معها فرصة تتقربين فيها إلى الله، وسترين -بإذن الله- أن هذا الصبر يثقل ميزان حسناتك يوم لا ينفع مال ولا بنون.
عاشرا: إن كان لديك تفصيل دقيق حول حدود العقوق فيما تنوين فعله من تقليل التواصل أو غيره، فمن الحكمة أن تسألي أهل العلم بالفتوى عن حالتك تحديدا؛ فلكل واقعة ظروفها التي قد تستدعي تفصيلا لا يتسع له مقام الإرشاد العام هنا.
أختي الكريمة، تذكري أن الابتلاء بالوالدين من أشد أنواع الابتلاء؛ لأنه يمس القلب من أقرب أبوابه، يقول الإمام الشافعي رحمه الله في بيتين مشهورين يصف فيهما ضيق الكرب وقرب الفرج:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى *** ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لا تفرج
فلا تيأسي؛ فالذي قدر لك هذا الابتلاء قادر على أن يفرج عنك، ويهون عليك ما تجدين، وصبرك واحتسابك لا يضيعان عند الله، وقد يكون في هذا الابتلاء رفعة لدرجاتك لا تعلمينها.
نسأل الله تعالى أن ييسر أمرك، ويشرح صدرك، ويربط على قلبك، ويصلح والدتك، ويعينك على برها من غير ظلم لنفسك، ويرزقك الحكمة والسكينة، ويهديك سواء السبيل.