تقدم لخطبتي طبيب خلوق وثري لكن تدينه عادي.. فهل أقبل به؟

0 2

السؤال

السلام عليكم.

أنا فتاة، تقدم لخطبتي كثيرون، وأبحث عن شخص يخاف الله، ومتدين، وصالح، ولا تهمني المواصفات المادية، كما أنني أعمل على أن أكون صالحة وقريبة من الله، وبالتأكيد لدي بعض الذنوب والأخطاء.

لقد تمت خطبتي سابقا لفترة قصيرة على شخص ذي خلق ودين، ويبدو عليه الصلاح، ولكن لم نتفق، فكان قراره أن ننفصل، وتزوج فتاة أصلح مني.

وسبب الانفصال؛ لأنه كان كاذبا وخدعني بصورته الصالحة والمتدينة، وعندما واجهته تركني، فتأذيت نفسيا، واحتسبت، ووكلت أمري لله، وصبرت، وأنا موقنة أن الخيرة فيما اختاره الله، وأنه ابتلاء كي أعود وأتوب إلى الله، وأحسن اختياري، وكنت أدعو بكثرة مؤخرا بالهداية والتوبة، وبالزوج الصالح الذي يوجهني، ويأخذ بيدي إلى الصلاح والتقوى.

حاليا تقدم لخطبتي شاب مواصفاته الاجتماعية ممتازة؛ طبيب خارج البلاد، وثري جدا، ووجهه حسن، وعائلته راقية ومعروفة، وهو محترم، وخلوق، ومسؤول، ولكنه كأي إنسان عادي من ناحية الدين؛ يصلي ويصوم، ولا يأكل حراما، ولا يؤذي أحدا، أي إنه يؤدي الفرائض وخلوق، ولكنه من غير مرجع ديني تقريبا، ولا يجد وقتا لحفظ القرآن، وتعلم العلوم الشرعية، وبصراحة، أحسست بالقبول والراحة حتى بعد الاستخارة، وقلبي مال إليه.

لست متأكدة من الزواج به؛ لأني أشعر بأن الله سيحاسبني إذا وافقت لأنه ليس متدينا، أو أن الله يختبر مدى إيماني ويقيني، خصوصا أنني سأسافر خارج البلاد، فكيف سآمن على نفسي وديني معه؟ وما هي الأشياء الأساسية التي يجب أن تكون في الشخص حتى أعرف أنه يخاف الله، وأنه خير لي في ديني وآخرتي؟

أنا لست متدينة كثيرا بدوري، ولكني أحاول، ومقتنعة بأن الزوج الصالح الذي سأرتاح معه يجب أن يكون متدينا، ومع أنه تقدم لخطبتي شيوخ، ولكنني لم أشعر بأي قبول، ولم يتيسر الأمر، وأجد صعوبة بتصديق الشبان كافة؛ بسبب ما مررت به من كذب وخداع، وكذلك أشعر بأن خاطبي السابق كان صالحا، والله صرفه عني لأني لست صالحة، وتزوج من تشبهه.

أشعر بأني أكذب على نفسي بأني أريد ملتزما، وفي النهاية أنظر للصفات المادية، خصوصا مع وسواس الشيطان بأني لو لم أتزوج فلانا فسيفوتني كذا وكذا، وإذا تزوجته سأصبح كذا وكذا، وكلها أمور دنيوية، أحاول ألا أهتم لها، ولكني فعلا معجبة بالطبيب، فماذا أفعل؟ هل نصيبي سيكون مثلي، وأني لا أستحق شخصا بهذه المواصفات؟ أم أنه من غير المنطقي أن أطلب شخصا صالحا وأنا لست كذلك؟ علما أن الشبان الصالحين والعاملين بدينهم نادرون جدا في مجتمعي، كما أريد أن أقدم على هذه الخطوة، ولكني لا أستطيع تحمل انفصال وألم آخر.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سمر حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله:

لقد قرأت استشارتك بتمعن، وتفهمت سبب ترددك؛ فلقد مررت بتجربة سابقة اكتشفت فيها أن صورة التدين التي ظهرت لك لم تكن مطابقة للحقيقة، ولذلك أصبحت تخافين من تكرار الخطأ، وتبحثين هذه المرة عن ضمان يطمئنك إلى أن اختيارك صحيح.

اعلمي أن المستقبل بيد الله تعالى، ولا يمكن للإنسان أن يعرفه، ولكن عليه أن يبذل الأسباب، ويستخير الله، ثم يتوكل عليه، قال تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، وقال: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾.

الزواج رزق من الله مقدر؛ فمن كان من رزقك فلن يفوت مهما كانت الصعاب، ولا يستطيع الإنسان أن يحصل على ما يريد ما لم يكن الله قد قدر ذلك له، والإنسان قد يحب شيئا وهو شر له، وقد يكره شيئا ويكون خيرا له، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، وصح عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "واعلم أنه ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

كلنا ذوو خطأ، وما منا إلا وله ذنوب، ولكن لا تجعلي ذنوبك الماضية سببا لاعتقاد أنك لا تستحقين الزوج الصالح؛ فكل إنسان محتاج إلى رحمة الله وتوفيقه، والعبرة بالتوبة، والإصلاح، والاستمرار في مجاهدة النفس، قال تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾، وقال سبحانه: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾، فلا تقولي: أنا لست صالحة، ولذلك لا أستحق رجلا صالحا، بل قولي: أنا أجاهد نفسي، وأسأل الله أن يصلحني ويرزقني من يعينني على الخير.

احذري من التشاؤم؛ فلا تجزمي بأن خطيبك السابق كان أفضل منك، وأن الله صرفه عنك لأنك لست صالحة؛ فهذا من أمور الغيب التي لا نعلمها، قد يكون انفصالكما خيرا لك، وقد تكون فيه حكمة لا تعرفينها، قال تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، فلا تحولي التجربة الماضية إلى حكم على قيمتك، أو على مستقبلك.

المعيار الأساس في اختيار الزوج هو الدين والخلق، وليس المقصود بالدين أن يكون الرجل شيخا، أو طالب علم، أو حافظا للقرآن، وإنما أن يكون مستقيما في الفرائض، معظما لأوامر الله، مجتنبا للمحرمات، حسن الخلق، أمينا، مسؤولا.؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه" (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الترمذي وصححه الألباني)، فهذا هو المعيار الذي وضعه نبينا -صلى الله عليه وسلم- لاختيار الزوج.

وبناء على ما ذكرت من صفات الطبيب الذي جاء لخطبتك، فلا يصح أن تحكمي عليه بأنه غير صالح لمجرد أنه لا يحفظ القرآن، أو لا يتفرغ لدراسة العلوم الشرعية؛ فهذه أمور فاضلة، لكنها ليست هي المعيار الوحيد لصلاح الزوج، وفي المقابل، لا يكفي أن يكون مصليا ومهذبا في الظاهر؛ بل ينبغي أن تتأكدي من حقيقة دينه وخلقه؛ لأن المقصود في الحديث هو الدين والخلق الحقيقيان، لا مجرد الصورة الظاهرة، فالأهم أن تقوموا بالسؤال عنه لدى من يخالطه ويعاشره؛ لتتيقنوا من أنه صاحب دين وخلق، ولا يكفي سؤال أهله؛ فإنهم لن يذكروا عيوبه إن وجدت.

سلوا أصدقاءه عن صلاته، وأمانته، وصدقه، وطريقة تعامله عند الغضب، وعلاقته بوالديه، وتعامله مع المال، وعلاقاته بالنساء، وهل يقف عند حدود الله عندما تتعارض مصلحته مع الشرع، وكيف ينظر إلى دين زوجته، وحجابها، وعبادتها، وكيف يريد تربية أبنائه، وقد نبه أهل العلم إلى عدم الاغترار بما يظهره الخاطب أو يقوله عن نفسه، وأن يسأل عنه من عاشره وعرف أحواله.

لا تلومي نفسك لأنك أعجبت بماله، وجماله، وعمله، ومكانته؛ فهذه أمور طبيعية ومباحة في أصلها، وليست مناقضة لرغبتك في الزوج الصالح، لكن الخطأ أن تجعلي المال أو الجمال مقدما على الدين والخلق؛ لأن الزواج صحبة طويلة، وأعظم ما يعين على استقرارها صلاح الزوج، وحسن خلقه، وقد قرر أهل العلم أن الدين والخلق هما الأصل، وهما صمام أمان الحياة الزوجية المستقرة، مع اعتبار الصفات الأخرى التي يحصل بها التوافق والقبول.

عليك أن تسألي نفسك عن أمر مهم، وهو: هل الطبيب متساهل في دينه، أم أنه رجل مسلم مستقيم في الفرائض، لكنه ليس طالب علم؟ الفرق بين الأمرين كبير؛ فإن كان محافظا على صلاته، مجتنبا للمحرمات، حسن الخلق، أمينا، مسؤولا، ويحترم الدين، ويريد أن تكون أسرته قائمة على الطاعة، فعدم كونه طالب علم لا يجعله غير صالح.

أما إذا ظهر أنه لا يبالي بالدين، أو يستهين بالفرائض، أو لا يريد لزوجته وأبنائه حياة دينية، فهنا يكون الأمر مختلفا؛ لأن المطلوب زوج مرضي الدين والخلق، لا مجرد رجل حسن المظهر والمعاملة.

بما أنك ستعيشين معه خارج البلاد -كما ذكرت في استشارتك-، فمن الحكمة أن تتحققي قبل الزواج من الأمور التي تمس دينك وحياتك مباشرة:
كقدرتك على المحافظة على الصلاة والحجاب، وطبيعة البيئة التي ستعيشان فيها، وموقفه من عبادتك وتعلمك لدينك، وطريقة تربية الأبناء، ومدى تواصلك مع أهلك، وما يتوقعه منك، وما تتوقعينه منه؛ فالزواج مهمة جليلة، وتحمل لمسؤولية سيسأل عنها الزوجان يوم القيامة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته" (رواه البخاري ومسلم)، فهذه المسؤولية تستدعي التفاهم قبل الزواج على القضايا الكبرى التي ستؤثر في الأسرة.

لا تجعلي الاستخارة اختبارا لمشاعرك، ولا تنتظري رؤيا أو علامة غيبية؛ فالاستخارة دعاء لله أن يختار لك الخير، وهي مشروعة في أمور الزواج وغيرها من الأمور المباحة، ثم يأتي بعدها الأخذ بالأسباب، والاستشارة، والتحقق من حال الخاطب، ولذلك فشعورك بالراحة والقبول بعد الاستخارة أمر طيب، لكنه ليس وحده دليلا قاطعا على أن الزواج خير، كما أن الخوف وحده ليس دليلا على أنه شر.

خوفك الشديد من أن تخطئي مرة أخرى، فأغلب الظن أن هناك تأثر بما مررت به سابقا؛ ولذلك لا تحاولي الوصول إلى يقين كامل قبل الزواج، فهذا غير ممكن.

المطلوب أن يكون عندك تثبت بلا وسوسة، وحذر بلا سوء ظن، واستشارة بلا تردد لا ينتهي، فإذا بذلت الأسباب، وسألت عنه، واستشرت من تثقين بدينه وخبرته، ثم ظهر لك أنه مناسب، فلا تعودي كل مرة إلى نقطة الصفر بسبب فكرة جديدة، بل أعلني موافقتك، فإن أتى إلى أهلك، وتم التفاهم، وسارت الأمور بشكل سلس؛ فهذا دليل على أن الله قد اختاره ليكون زوجا لك، وإن لم يتفقوا لسبب من الأسباب وانصرف، فهذا دليل على أن الله صرفه عنك.

والخلاصة -أختي الكريمة-:
لا أرى أن ترفضي هذا الطبيب لمجرد أنه ليس من طلبة العلم، كما لا أرى أن توافقي عليه لمجرد أنه طبيب، وثري، وجميل، بل استمري بواسطة وليك في التعرف عليه، وعلى صفاته، وتحققي من دينه وخلقه، وبقية الصفات التي ذكرتها لك سابقا، وانظري في مدى التوافق بينكما، ثم استخيري الله، واستشيري وليك وأهل الخبرة؛ فإن ظهر أنه مرضي الدين والخلق، ووجدت القبول، ولم يظهر مانع معتبر، فلا تجعلي عدم كونه شيخا أو طالب علم سببا لرفضه؛ فقد يكون هذا الزواج خيرا لك.

وفي الوقت نفسه، لا تتغاضي عن خلل حقيقي يظهر لك في دينه، أو خلقه، بسبب إعجابك به، أو خوفك من فوات الفرصة.

اعلمي أن الزواج ليس بين رجل كامل وامرأة كاملة، وإنما بين اثنين من بني آدم، يجتهد كل منهما في طاعة الله وإصلاح نفسه، فلا تنتظري زوجا يصنع منك إنسانة صالحة، بل كوني أنت حريصة على الصلاح، واختاري رجلا يعينك عليه.

أسأل الله أن يرزقك زوجا صالحا يكون لك سكنا، وتكونين له سكنا، وأن يجعل بينكما المودة والرحمة، وأن يختار لك ما فيه خير دينك ودنياك، ونسعد بتواصلك.

مواد ذات صلة

الاستشارات