السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
منذ فترة بدأت تراودني أفكار حول الموت، والعذاب، والآخرة، وأن الدنيا فانية، ومع ملاحظتي لانتشار الفتن، وطغيان العباد، بدأت أشعر بفكرة الخوف من الموت، ثم تلتها رغبات في الانعزال، وما زاد الأمر سوءا هو وفاة زميلة لي في الدراسة؛ مما جعلني أكره الحياة، وأتراجع عن أحلامي؛ بحجة أني لا أضمن أنني سأبقى على قيد الحياة غدا، فماذا أفعل؟ لأن هذا الشعور أحبطني، وقتل حماسي للإنجاز.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ Malak حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
ابنتنا الكريمة: نسأل الله أن يطمئن قلبك، وأن يرحم زميلك، وأن يرزقك الصبر والسكينة والعافية.
وجب التنويه بأن ما تشعرين به بعد وفاة شخص قريب، أو زميل عزيز أمر مفهوم وطبيعي؛ فالفقد يهز الإنسان من داخله، ويجعله يعيد التفكير في الحياة، والموت، والمستقبل، وقد يترك في النفس حزنا، وفراغا، وقلقا يستمر بعض الوقت، وهذا لا يعني ضعف الإيمان، أو قلة الرضا؛ فالإنسان بطبيعته يتأثر بمن يحب ويفقده، وقد بكى النبي -صلى الله عليه وسلم- عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال: "إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا".
ومن رحمة الله أن مشاعر الحزن مهما اشتدت لا تبقى على الدرجة نفسها، وإنما تخف تدريجيا مع مرور الوقت، خاصة عندما يحتسب الإنسان أجر مصيبته عند الله، ويستعين به، ويسأله الصبر والثبات، قال تعالى: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إننا لله وإنا إليه راجعون) (سورة البقرة: 155).
ويبدو أن وفاة زميلتك جاءت فوق أفكار كانت تراودك بالأساس حول الموت، والعذاب، والآخرة، فزاد الفقد من حضور هذه الأفكار وأعطاها قوة أكبر، وما تصفينه من انشغال متكرر بالموت، والخوف منه، والتفكير المستمر في احتمال الموت، ثم الميل إلى العزلة، وفقدان الحماس للحياة والأحلام، يمكن من الناحية النفسية أن يندرج ضمن قلق الموت، أو الخوف من الموت، وهو أمر قد يظهر أو يشتد بعد التعرض لتجربة فقد، أو صدمة مرتبطة بالموت.
والخوف من الموت في حد ذاته شعور طبيعي، وقد يكون نافعا إذا دفع الإنسان إلى الاستعداد للآخرة، والعمل الصالح، لكن عندما تتحول الفكرة إلى انشغال مستمر ومسيطر، بحيث تجعل الإنسان ينظر إلى المستقبل بتشاؤم، ويفقد رغبته في الدراسة، والإنجاز، والاستمتاع بالحياة، فإنها تصبح مصدرا للمعاناة، وتحتاج إلى التعامل معها بصورة صحيحة.
وأنت الآن -ابنتنا الكريمة- في السابعة عشرة من عمرك، وهي مرحلة عمرية تتشكل فيها رؤية الإنسان عن نفسه، وعن الحياة، والمستقبل، وقد تزداد فيها الأسئلة الوجودية، والتفكير في المصير والموت، ولذلك قد تبدو هذه الأفكار أحيانا أكبر من قدرتك على التعامل معها.
لكن المهم ألا تسمحي لفكرة الموت أن تحرمك من حياتك الحالية؛ فكون الإنسان لا يعرف متى ينتهي أجله لا يعني أن يتوقف عن العمل، بل إن المسلم يعيش بين الاستعداد للآخرة، والقيام بواجباته في الدنيا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"، وفي هذا معنى عظيم؛ فحتى مع قرب انتهاء الدنيا لا يتوقف المؤمن عن فعل الخير والإنجاز.
لذلك ننصحك -ابنتنا الكريمة- ألا تدخلي في صراع دائم مع فكرة الموت؛ فإذا جاءت الفكرة فقولي لنفسك بهدوء: الموت حق، وموعده بيد الله، لكنني الآن حية، ولي يوم أعيشه، وواجبات أقوم بها، وأشياء نافعة أستطيع أن أفعلها، ثم انتقلي إلى نشاطك بدل الاستمرار في تحليل الفكرة، والخوف منها؛ فكلما أعطينا الفكرة المقلقة وقتا طويلا من التفكير، والمراجعة، والبحث، والاطمئنان، ازدادت قوتها، بينما يساعد الانشغال بالحياة، والعودة التدريجية إلى النشاط على إضعافها.
ولا تتركي نفسك للعزلة؛ تحدثي مع والدتك، أو والدك، أو شخص من أهلك تثقين به، وتشعرين بالراحة عند الحديث معه، وأخبريه بما تمرين به، بدل أن تحملي هذه المشاعر وحدك، ويمكنك أيضا كتابة ما تشعرين به في ورقة، ثم النظر إلى الأفكار التي تخيفك، ومحاولة التمييز بين الحقيقة والاحتمال؛ فقولك على سبيل المثال: (قد أموت غدا) احتمال لا تعرفينه، لكن تحويل هذا الاحتمال إلى سبب لترك الدراسة، والأحلام هو استنتاج غير صحيح، ونحن جميعا لا نضمن الغد، ومع ذلك ندرس، ونعمل، ونخطط، ونبني العلاقات، ونزرع الخير؛ لأن قيمة الحياة ليست في طولها فقط، وإنما فيما نضعه فيها من خير وأثر.
ومن المفيد -ابنتنا الكريمة- أن تعودي تدريجيا إلى الأشياء التي كنت تحبينها قبل هذه الفترة، وأن تشاركي أسرتك، وأقاربك، وصديقاتك في الأنشطة، والزيارات، والمناسبات، وأن تضعي لنفسك أهدافا صغيرة، قابلة للتحقيق بدل التفكير في المستقبل كله دفعة واحدة.
كما ننصحك أن تهتمي بنومك، وغذائك، وحاولي ممارسة المشي أو الرياضة، وقللي السهر، والاستخدام الطويل للهاتف، وابتعدي قدر الإمكان عن متابعة أخبار الوفيات، والمقاطع التي تزيد خوفك من الموت؛ فالجسم المتعب، والعقل المنهك يجعلان الأفكار المقلقة أكثر إلحاحا.
وعلى الجانب الإيماني: اجعلي قربك من الله مصدرا للطمأنينة والأمل، لا مصدرا للخوف وحده، وحافظي على الصلاة في أوقاتها، واقرئي وردا يوميا من القرآن، وحافظي على أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وأكثري من الدعاء والاستغفار، وحاولي أن يكون تفكيرك في الآخرة متوازنا؛ فتذكري الحساب، ولكن تذكري معه رحمة الله ومغفرته، وحسن الظن به، قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شئ) الأعراف: 156، ولا تجعلي الحديث عن الآخرة مرتبطا في ذهنك بالعذاب، والموت فقط؛ فالآخرة أيضا دار رحمة ورضوان، ونعيم لمن أحسن العمل.
ومن المهم كذلك ألا تظني أن طلب المساعدة النفسية يتعارض مع الإيمان، أو التوكل على الله؛ فإذا استمر هذا الخوف فترة طويلة، أو ازداد الميل إلى العزلة، أو استمر فقدان الشغف والدافعية، أو بدأ يؤثر بوضوح في دراستك، ونومك، وعلاقاتك، فالأفضل أن تخبري أسرتك، وتطلبي المساعدة من أخصائي نفسي مؤهل؛ لأن التعامل المبكر مع القلق والأفكار المرتبطة بالفقد يساعد على منع تطورها، وتحولها إلى مشكلة أشد، وطلب العلاج ليس ضعفا، بل هو من الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها.
وتذكري يا ابنتي: أن وفاة زميلتك قد جعلتك تنظرين إلى الموت بصورة أقرب وأشد من السابق، لكن ليس مطلوبا منك أن تنكري حقيقة الموت، وإنما أن تضعيها في مكانها الصحيح؛ فالموت لا ينبغي أن يقتل حماس الإنسان للحياة، بل ينبغي أن يجعله أكثر حرصا على أن يعيش حياته فيما ينفعه.
فلا تجعلي خوفك من فقد الحياة سببا في فقدانها وهي بين يديك، ولا تسمحي لفكرة الموت أن تأخذ منك أحلامك؛ عيشي يومك، واستعدي لآخرتك، واتركي موعد الغد لمن يملك الغد، ورب الخير لا يأتي إلا بالخير.
أسأل الله أن يرحم موتاكم وموتى المسلمين، وأن يربط على قلبك، ويبدل حزنك سكينة، وخوفك طمأنينة، ويعيد إليك شغفك بالحياة، ويفتح أمامك مستقبلا مشرقا عامرا بالخير والإنجاز.
وبالله التوفيق والسداد.