السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالب متخرج من الثانوية العامة، وفي فترة اختيار التخصصات كانت ميولي واضحة بالنسبة لي؛ فأنا أميل إلى الرياضيات، والمواد التي تعتمد على الفهم، وأهرب من المواد التي تعتمد على الحفظ بشكل أساسي، مثل: الأحياء، وعلوم الأرض؛ لأني أجدها صعبة ومملة.
النظام الذي تخرجت منه يفرض على الطالب اختيار مسار في بداية المرحلة الثانوية، مثل: المسار الصحي الذي يتضمن الطب، وطب الأسنان، والتمريض، وغيرها، ومسار آخر يجمع بين الهندسة والتكنولوجيا، وهذا هو المسار الذي كنت أريد دخوله؛ لأنه يناسب ميولي أكثر.
قلت ذلك لأبي، لكنه أصر على دخولي المسار الصحي؛ لأنه يرى أنه أفضل، وأن المسار الهندسي فيه تشبع، وكان يريدني أن أدخل الطب، فرفضت ذلك؛ بسبب طول الطريق، وصعوبة الحفظ بالنسبة لي، ولأن الطب ليس شغفي، كما أنني أرى أن الطب العام في بلدي يعاني من تشبع ومنافسة كبيرة على مقاعد الاختصاص.
دخلت المسار الصحي دون رغبة مني، وبدأت أدرس دون حافز، فكانت دراستي غير منتظمة، ثم في آخر شهر تقريبا قبل الامتحانات درست جيدا، مع الحفاظ على هواياتي، ووقتي الشخصي، وحصلت على معدل عال يتيح لي جميع التخصصات الصحية، مع عدم قدرتي على اختيار المسارات الأخرى، إلا إذا أعدت السنة.
بعد ذلك بدأت نقاشات طويلة مع والدي؛ فهما يريدانني أن أدخل الطب؛ لأنها مهنة شريفة، ويريدانني أن أساعد الناس، ويفخرا بي، لكنني ما زلت أرفضه؛ لأنني أخاف ألا أتحمل الضغط المستمر، والحفظ الكبير، والمسار الطويل في مجال لا أحبه، كما أن مستقبله ضبابي بالنسبة لي؛ بسبب المنافسة الكبيرة على الاختصاص، ولا أظن أنني سأتميز فيه.
والآن أنا في حيرة بين تلبية رغبة والدي، وبين حياتي التي لا أريد أن أقضيها في تخصص لا أحبه، وبدأت أفكر في التمريض، وطب الأسنان فقط؛ لأنهما أخف، وحتى في إعادة السنة، واختيار المسار الهندسي والتكنولوجي، فما رأيكم؟
هل أحاول دخول كلية الطب، وأرى إن كنت أستطيع الاستمرار أم لا؟ وهل فعلا دراسة الطب صعبة إلى هذه الدرجة؟ وهل يجب أن يكون الطب شغفك حتى تستطيع الاستمرار فيه؟ وهل صحيح أن دراسة الطب تتطلب التضحية بجزء كبير من حياتك الشخصية وهواياتك؟ وهل إعادة السنة من أجل اختيار تخصص يناسب ميولي قرار منطقي؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أخي الكريم: تعتبر الموازنة بين رغبات الأهل وبين الرغبات الشخصية في اختيار التخصص الجامعي من المشاكل المتكررة للكثير ممن هم مثلك، ولذلك أسبابه المفسرة، والتي غالبا ما تنشأ بسبب اختلاف الأجيال، والتطلعات، والتجارب.
ورغم عدم وجود حل جذري يجعل الطرفين على رأي واحد في مثل هذه الأمور، إلا أن هناك حلولا توفيقية تخفف من حدة النزاع، وتقلل من آثاره على الطرفين.
ولعلي أشمل النقاط المقترحة لهذه المشكلة من خلال الآتي:
1. احرص على الاستماع جيدا لرغبات الوالدين، وحاول بالفعل أن تفهم مبرراتهم فيما يقترحونه عليك، وكن منصتا جيدا؛ فإن هذا سيخفف من حدة كلا الطرفين؛ فالاستماع الجيد يرسل رسالة للطرف المقابل أن سبب رفضي لرأيك ليس عدم فهمي له، بل سمعت وفهمت بعمق ما تريده مني، ومع ذلك لم أقتنع، فالكثير من العناد والإصرار في الرأي يكون بسبب ظن من أمامنا أننا لم نفهم ما يريده بشكل جيد، والسماع والإنصات الجيد يخفف من هذه الحدة، وهذا الرفض، وفي المقابل، عندما نستمع بشكل جيد وعميق لوجهة النظر الأخرى؛ فإن هذا يساعد في تفهمنا، ويخفف من حدة رفضنا لها، هذا إن لم يؤثر بشكل أكبر في تحول رأينا للرأي المقابل؛ نظرا لكوننا أزلنا حاجز الرفض الابتدائي الذي كنا قد رفعناه بشكل مباشر مع الفكرة المقابلة.
2. في مثل هذه الموضوعات اكون الاستعانة بأطراف خارجية في تخفيف حدة النزاع، وتقريب وجهات النظر مفيدا، وهذه الأطراف قد تكون أخا، أو عما، أو أختا، أو أكاديميا، أو أي شخص مقرب من الطرفين؛ وذلك لأن الآباء عادة ما يحملون نظرة معينة تجاه أبنائهم بأنهم ناقصو الخبرة، وغير مدركين لاحتياجاتهم، وهذا يمثل عامل صد لديهم لقبول ما يرغب به أبناؤهم.
3. إدارة الصراع والخلاف قضية مهمة؛ فالاحتدام في النقاش، أو رفضه من الأساس، والتعلل بأن هذا مستقبلي، وليس لأحد دخل فيه؛ كل ذلك مما يزيد الأمور أزمة، ويدخلها في نفق آخر مظلم.
4. أحيانا يكون لنقص المعلومة أثر في تشكيل قناعة كلا الطرفين، فما تريد إقناع أهلك به حوله من كونه مجرد رغبة شخصية، وميول ذاتي "عاطفي" في نظرهم، إلى كونه خيارا مبنيا على استقراء علمي ومدعم لديك بمعلومات وإحصائيات تدعم هذا الخيار، وتجعله بالفعل هو الأفضل.
5. فكرة التجريب لمدة سنة في التخصص الذي يريده الأهل منك، والذي لا تحبه، ثم إعادة الدراسة في حال عدم القناعة بالاستمرار هي فكرة ذات تبعات كثيرة، وكلفتها الشخصية عالية؛ ولذلك لا أميل لها إلا في حال أن الأمر أصبح متعذرا جدا عند الأهل، وشعرت بأن الموضوع قد يصل إلى مستوى الغضب عليك منهم.
6. سألت في نهاية استشاراتك مجموعة من الأسئلة المتعلقة بطبيعة تخصص الطب، وهي أسئلة من الأفضل أن توجهها لبعض من دخل هذا التخصص، وتخرج منه، فستكون الإجابات أكثر دقة، وستزيد من قدرتك على اتخاذ القرار المناسب، بل وستساعدك في النقاش مع أهلك في حال كانت إجاباتها كما تتوقع، بحيث تقدم لهم كلاما واقعيا من أشخاص أصحاب تجربة، وليس مجرد تخوفات وأوهام منك كما يرون.
ختاما: اختيار التخصص الجامعي هو أحد المحطات المهمة في حياة الإنسان؛ لكونها تصبغ حياته بلون التخصص الذي اختاره لنفسه، وقرار بهذا الحجم يستحق منك أن تخصص له من ليلك ما تناجي به ربك، وتسأله التوفيق للأرشد لك؛ فهو الذي يعلم وأنت لا تعلم، وهو علام الغيوب.