السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عمري 29 عاما، أنا طالب جامعي، وقد من الله علي بالسفر والالتحاق بالجامعة قبل أربع سنوات، ويفترض بي أن أتخرج هذا الشهر.
رغم إيماني بقضاء الله وقدره، وأن الخيرة فيما اختاره الله، ولو خيرت لاخترت ما اختاره الله لي، إلا أنني دائما ما أقارن نفسي بغيري؛ فأنا أبذل أقصى وسعي في دراستي، وآخذ بالأسباب، ومع ذلك أخفق، وغالبا ما يكون ذلك بسبب الظلم والتعسير، في حين أن غيري ممن لجأ إلى الغش أو الواسطات نجح وتخرج.
لست أتمنى لهم السوء، وكثيرا ما أدعو لهم؛ لأدفع عن قلبي أي شعور بالحسد.
ولكن بسبب سوء إدارة الجامعة، وبعض أساتذتها، وانعدام الأمانة، فمهما بذلت من أسباب قد لا ينجح الطالب في بعض المواد إلا بالغش، أو بشراء الأسئلة المسربة؛ ولأنني لم أسع خلف ذلك، سبقني الكثير، وبقيت وحدي أعيد بعض المواد أكثر من مرة -رغم إتقاني لها- بسبب التعسير عمدا؛ مما تسبب بتأخري كثيرا، فأصابني الإحباط واليأس، وقد حاولت أكثر من مرة تغيير الجامعة، بل وحتى الدولة، ولكن التكاليف الدراسية، وصعوبة معادلة المواد حالتا دون ذلك.
ما يحزنني أكثر هو أنني أكبر إخوتي، ووالدي يتحمل مشقة توفير مصاريف دراستي، وقد أرهقه ذلك، حتى اضطروا إلى حرمان أنفسهم الكثير من أجلي، ومن المفترض أن أكون سندا وعونا لهم، لا عالة وثقلا عليهم، ومن الصعب جدا العمل هنا بجانب الدراسة.
أعلم أن الرزق بيد الله، ولكن لا أدري: هل إصراري على إتمام الدراسة هنا يعد ظلما لهم، وتكليفا بما لا طاقة لهم به؟ خصوصا وأنني أنا من أصررت على ذلك، وضغطت عليهم لأدرس؛ فهل هذا عقاب لي وإن كانوا راضين؟
أظل أفكر: كيف ومتى سأتخرج؟ وإلى متى سأصمد وأتحمل في ظل هذا الظلم المتكرر، وثقل المصاريف التي أرهقت والدي؟ وأنا مع ذلك لا أحب الغش، ولا نية لي فيه.
وقد قرأت فتاوى تفيد بأن من غش ثم أدى عمله بأمانة تكفيه التوبة، وماله حلال، وأظل أفكر: هل أنا مفرط في حق نفسي لأني لم أغش، بينما غيري ممن غش تيسرت أموره؟ ولا اعتراض على شرع الله.
أشعر بالتوهان والضياع لدرجة أن القلق سبب لي ثعلبة بالذقن، ونقصانا في الوزن، وكلما حاولت البدء مجددا والتقدم، يتكرر الأمر، فيلاحقني شبح المقارنة، والتفكير بعائلتي، وسوء الجامعة التي مهما بذلت فيها من جهد قد يكون الرسوب فيها هو خيارها الأول.
أرجو أن تتقبلوا استشارة ابنكم، وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.
أخي الكريم: نشعر بمرارة الالتزام بالقيم والمبادئ في واقع مليء بالانحرافات والأخطاء، ولكن من المهم ألا تجعل نتائج هذا الالتزام بالقيم تتحول إلى تأنيب للضمير، أساسه الحزن على أنك لم تكن مع المقصرين، أو السيئين، فلا تجعل تيسير طريق الحرام لبعض الناس دليلا على أنك أخطأت حين اخترت الحلال.
أخي الفاضل: أنت الآن تنظر إلى شيء مؤلم جدا من زاوية أنك درست، وأخذت بالأسباب، وامتنعت عن الغش، ومع ذلك تأخرت، بينما رأيت غيرك يغش، أو يستعمل الواسطة، ثم يتخرج قبلك، وهذا من أكثر الأمور التي تتعب نفسية الإنسان؛ لأنه يشعر وكأنه يعاقب على التزامه، ويكافأ غيره على مخالفته.
لكن تذكر -أخي- أنك ترى النتيجة الظاهرة فقط، ولا ترى الحقيقة كاملة، ترى أن فلانا غش فتخرج، وأنك لم تغش فتأخرت، لكن لا تستطيع أن تجعل هذه المقارنة حكما على قيمة الطريقين عند الله أولا، ولا حكما على مستقبلك أنت ثانيا؛ لأن الدنيا ليست دائما مكانا تظهر فيه عدالة النتائج بصورة فورية.
أنت الآن تعيش ألم الموقف، وتشعر بحسرة بسبب النتائج السريعة التي تراها أمامك، لكن يخفى عليك جانب الجزاء عند الله، ويخفى عليك المستقبل، كما يخفى عليك أثر الاستقامة في راحة الضمير، والشعور بأنك تصل إلى ما تريد بجدارة، واستحقاق، وثقة، دون أن تحمل في نفسك تبعة الغش، أو الخداع، أو الظلم.
أخي العزيز: لا أريد منك أن تنكر الظلم الذي وقع عليك، ولا أن تتظاهر بأن الأمور جيدة، ولكن كن إيجابيا في التعامل مع الشدة قدر استطاعتك؛ فإن كنت تستطيع المطالبة بحقك بالطرق النظامية فافعل، وإن كانت هناك جهة يمكن رفع الشكوى إليها فاستعملها، وإن كان هناك خيار مشروع لتغيير المسار فلا تتردد فيه، لمجرد أنك بدأت منذ سنوات.
حاول أن تبحث عن حلول تقلل من أثر هذا الخلل في واقعك الجامعي قدر استطاعتك، ولا تستسلم للحسرة، أو الألم، أو الندم بصورة دائمة.
أخي الفاضل: قولك: هل أنا مفرط في حقي لأني لم أغش؟
أنت لم تفرط في حقك لمجرد أنك رفضت الحرام، أنت اخترت أن تصل إلى ما تريد بطريق مشروع، وهذا في نفسه ليس خطأ، لذلك أنت الآن مطالب بأن تأخذ بكل سبب مباح يدفع عنك أي ضرر تستطيع إليه سبيلا.
أما أن تجعل الغش هو السبب الذي كان ينقصك حتى تصل إلى النتيجة، فهذا غير صحيح، وربما كان هذا الشعور ناتجا في جزء منه عن حالة الإحباط التي تعيشها، والقلق من المستقبل، وكثرة التفكير فيما مضى، وما سيأتي، وليس دليلا على أنك أخطأت حين تمسكت بما تراه صحيحا.
أما الذين غشوا ثم سبقوك، فلا تجعلهم معيارا لنفسك؛ فقد يسبقك شخص بطريق محرم، وهذا لا يعني أن عليك أن تلحق به بالطريق نفسه.
بالنسبة إلى والديك: فلا أرى أن مجرد استمرارك في الدراسة مع رضاهما يجعلك عاقا، أو ظالما لهما، فإذا كانا قادرين على الإنفاق، ويرضيان بذلك، ولا يؤدي الأمر إلى إضاعة ضروراتهما، أو تحميلهما ما لا يطيقان، فلا تعاقب نفسك بالشعور بأنك أصبحت عبئا لمجرد أنك طالب؛ فالوالدان قد ينفقان على ابنهما سنوات، وهذا ليس في نفسه ظلما، ولا عقوقا.
لكن إذا وصلت الحال إلى أن الدراسة أصبحت تستنزفهما استنزافا شديدا، أو تدخل الأسرة في ضيق لا تحتمله، فهنا الأفضل أن تجلس معهما جلسة صريحة، وتضع أمامهما جميع الخيارات، وما الحد الذي تستطيع الأسرة تحمله، وما المدة التي يمكن الاستمرار فيها، وماذا يمكن فعله إذا لم تتحسن الأمور؛ فهذا الوضوح يساعدك على الاستقرار النفسي، ويخرجك من دوامة التفكير غير المنتهي.
أخي الكريم: في واقعك الحالي حاول أن تفكر بطريقة واقعية، وأن تضع خطة واضحة؛ ففي ظل هذه الظروف اسأل نفسك مثلا:
ما المواد الباقية؟ ما الذي يمكن إنهاؤه الآن؟ ما الذي يمكن الاعتراض عليه؟ ما البدائل المشروعة الموجودة؟ ما هو أسوأ احتمال يمكن أن أصل إليه؟ وما أقرب خطوة أستطيع القيام بها الآن؟ فالإنسان حين تتضح أمامه الخيارات يخف عنه كثير من القلق، حتى لو كانت بعض الخيارات صعبة.
أخي الفاضل: ما تشعر به من التوهان واليأس قد يكون سببه في جانب منه ضبابية الطريق، وعدم وضوح الرؤية أمامك، مع وجود هذه العقبات والصعوبات، كذلك من أسبابه التفكير الدائم في النتائج، والقلق من العواقب، لذلك حاول أن تخرج من بؤرة التفكير السلبي، وأن تبني نفسك إيمانيا ونفسيا، فلا تجعل هذه العوائق سببا في التوقف قبل أن تبذل كل ما تستطيع من جهد، وحاول أن تستعين بأصحاب الخبرة والتجارب ممن مروا بظروف مشابهة؛ فقد تجد عندهم حلولا عملية لا تخطر لك الآن.
وابحث كذلك عن الوسائل التي تخفف شيئا من العبء عن والديك؛ كعمل مناسب عبر الإنترنت، أو عمل جزئي إلى جانب الدراسة، أو أي وسيلة مشروعة توفر لك ولو قدرا يسيرا من الدخل، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى إضاعة الدراسة، أو زيادة الضرر عليك.
أخي العزيز: اجتهد ألا تقارن نفسك بالآخرين؛ فلكل إنسان ظروفه، وقدراته، وطريقه، وما يصلح لغيرك قد لا يصلح لك، ولذلك فهذه المقارنة في ظروفك ليست مقارنة عادلة؛ لأنك تقارن بين نتائج أشخاص لم يعيشوا نفس ظروفك، ولم يتحملوا نفس الأعباء، وربما لم يسلكوا الطريق نفسه الذي اخترته.
أخيرا -أخي العزيز-: احرص على الطاعات، وأداء الصلوات في أوقاتها، والإكثار من الدعاء والتضرع إلى الله أن ييسر أمرك، ويفتح لك أبواب الخير، ويعينك على دراستك، ويصرف عنك أسباب الضيق والهم؛ فالعبادة ليست بديلا عن الأخذ بالأسباب، لكنها تمنح الإنسان قوة، وطمأنينة، تعينه على مواجهة صعاب الحياة، والظروف القاسية؛ قال تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
وفقك الله، ويسر أمرك، وأعانك على الخير.