كيف تصبح رجلاً حازمًا يحسن التفكير واتخاذ القرار؟

0 1

السؤال

السلام عليكم.

أرجو منكم توجيهي إلى كيفية بناء رجولتي، لأن أهلي لم يربوني على ذلك؟ كما أريد أن أعرف كيفية التصرف الصحيح في المواقف المفاجئة؟ لأني أشعر حينها وكأن عقلي يتوقف عن التفكير، ولا أعود أعرف كيف أفكر؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ وليد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تبحث عن طريق تصل به إلى معنى الرجولة الحقيقية، وأنك تشعر أن التربية التي نشأت عليها لم تمنحك الأدوات التي تحتاجها لاتخاذ القرار والتصرف بثبات حين تقع في موقف صعب، فيتجمد عقلك، ولا تعرف كيف تفكر، ولا كيف تتصرف، وهذا شعور مؤلم فعلا، خصوصا حين يقارن الإنسان نفسه بمن حوله ممن يبدون واثقين حازمين، ونود أن نطمئنك أولا أن هذا ليس عيبا في شخصك، ولا نقصا في قدراتك، وإنما هو مهارة لم تتوفر لك فرصة تعلمها في وقتها، والمهارات تكتسب بالتدريب، ولا تولد مع الإنسان جاهزة.

والرجولة في ميزان الإسلام ليست صوتا عاليا، ولا قوة عضلات، ولا جرأة متهورة، وإنما هي مسؤولية، وعقل راجح، وثبات عند الشدة، يقول الله عز وجل: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾؛ فالحكمة عطاء من الله يطلب بالدعاء والتدرب معا، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لوفد عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة" رواه مسلم.

فالتأني في التفكير قبل التصرف خصلة يحبها الله، ويثيب عليها، وليست ضعفا كما قد يظن البعض، بل هي عين الرجولة العاقلة، وحين يصيبك التجمد في المواقف، فتذكر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" رواه مسلم؛ فالقوة هنا قوة إرادة وعزيمة قبل أن تكون قوة بدن، والاستعانة بالله لا تعني ترك السبب، بل الأخذ به مع التوكل عليه.

ولعل من أجمل الأمثلة على أن العقل والحكمة يصنعان بالتدريب والثقة ،لا بالسن وحده؛ فما فعله أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- حين اختار زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، وكان شابا صغيرا، ليتولى مهمة جمع القرآن الكريم، وقد وصفه عمر -رضي الله عنه- بأنه شاب عاقل، لا يتهم، فوثق به القوم؛ لما رأوا فيه من الدقة والتأني، فقام بالمهمة خير قيام، والشاهد أن الثقة، والتدرب، والتكليف التدريجي بالمسؤولية هي التي تصنع الرجل العاقل الحازم، وليس مجرد التمني.

وحتى تبني هذه المهارة في نفسك عمليا:

ابدأ بتدريب نفسك على مواقف صغيرة تتخذ فيها قرارا بنفسك دون أن تستشير أحدا في كل صغيرة وكبيرة؛ كأن تختار مطعما، أو تحدد موعدا، أو تحسم أمرا بسيطا في عملك، ثم تدرج بعدها إلى مواقف أكبر شيئا فشيئا، وحين تقف أمام موقف يربكك، فأعط نفسك دقائق معدودة قبل أن ترد أو تتصرف، وتسأل فيها نفسك ما هي المشكلة بالضبط؟ وما هي الخيارات المتاحة أمامك؟ وما نتيجة كل خيار منها؟ فهذا التمرين البسيط يعيد لعقلك القدرة على الترتيب بدل التجمد.

ومن المهم أيضا أن تستشير من تثق بعقله ودينه من أهل الخبرة قبل القرارات الكبيرة؛ فالاستشارة ليست ضعفا، بل هي هدي نبوي، قال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾، ومع ذلك يبقى القرار النهائي لك وحدك، فلا تجعل الاستشارة بديلا عن تحمل المسؤولية، وأضف إلى ذلك القراءة المنتظمة، ولو لصفحات قليلة يوميا في كتب تنمي التفكير والوعي؛ فالقراءة تراكم في عقلك أدوات التحليل التي تحتاجها وقت الشدة.

ولا تنس نصيبك من الرياضة، وضبط الجسد؛ فإن ضبط الجسد ينعكس على ضبط الإرادة والعزيمة.

وثق -أخي الكريم- أن هذه المهارات لا تأتي دفعة واحدة، وإنما تبنى لبنة لبنة، وكل موقف تمر به، وتحاول أن تتصرف فيه بوعي هو خطوة تقربك من الرجل الذي تتمنى أن تكونه، فلا تحمل نفسك أكثر مما تحتمل، ولا تقارن بدايتك بمنتهى غيرك.

وإن استمر معك هذا التجمد الذهني في أغلب المواقف رغم محاولاتك المتكررة، فلا حرج أن تلتقي أخصائيا نفسيا أو سلوكيا يدربك عمليا على مهارات اتخاذ القرار، والتعامل مع القلق في المواقف الضاغطة؛ فهذا من الأخذ بالأسباب الذي أمرنا به ديننا، وليس علامة ضعف أو نقص كما يظن الكثيرون.

ومما يحسن أن تستحضره في هذا المقام قول المتنبي:

الرأي قبل شجاعة الشجعان ** هو أول وهي المحل الثاني.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات