السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا من بلد عربي، في عمر الـ(20 عاما)، وأشعر بأن لدي نقصا ماديا كبيرا، وأضيع كثيرا من وقتي في التفكير في هذا الأمر.
أنا طالب جامعي في السنة الثانية، وأدرس تخصص الأمن السيبراني، لكنني لا أعرف ما الخيار الأفضل بالنسبة لي: هل أقبل فرصة عمل ميكانيكيا في بلد خليجي، أم أكمل دراستي الجامعية رغم ظروفي المادية الحالية؟
أرجو منكم توجيهي إلى الخيار الأنسب، وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عاصم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا، ونسأل الله أن ييسر لك أمرك، ويبارك في وقتك وجهدك، ويرزقك من واسع فضله.
فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تعيش حالة من القلق المادي والتردد في اتخاذ قرار مصيري بين إكمال دراستك الجامعية في تخصص الأمن السيبراني، وأنت في السنة الثانية، وبين قبول فرصة عمل ميكانيكي في بلد خليجي، وهذا التردد يستنزف وقتك وطاقتك في التفكير الزائد دون الوصول إلى قرار، وهو أمر يمر به كثير من الشباب حين يقفون أمام مفترق طرق يتعلق بمستقبلهم ورزقهم.
ومن المهم أن تدرك -أخي الكريم- أن الرزق بيد الله وحده، وأن السعي سبب، يقول الله عز وجل: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39]، فالأخذ بالأسباب مطلوب شرعا، لكن الطمأنينة تأتي من التوكل على الله بعد الأخذ بها، وقد وعد الله من يتقيه بالفرج والرزق من حيث لا يحتسب، فقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2-3]؛ فلا تجعل القلق المادي يطغى على يقينك بأن الله هو الرزاق، مع بذل ما تستطيع من الأسباب.
أما بخصوص القرار نفسه، فيمكن أن ننظر إليه من زاويتين:
الزاوية الأولى تتعلق بالبعد الزمني والاستثماري؛ فأنت قطعت سنة كاملة من دراسة الأمن السيبراني، وهو من التخصصات المطلوبة في سوق العمل، ومع كل سنة تكملها تقترب أكثر من الحصول على مؤهل يفتح لك أبوابا للعمل في هذا المجال، وترك الدراسة في هذه المرحلة قد يعني خسارة جزء من استثمار الوقت والجهد الذي بذلته.
أما الزاوية الثانية، فتتعلق بالحاجة المادية التي تشعر بها الآن؛ فالنقص المادي واقع يدفع الإنسان إلى البحث عن حل سريع، وعملك ميكانيكيا في بلد خليجي قد يوفر لك دخلا يخفف عنك هذا الضغط.
والذي يظهر لنا أن الحل الأمثل ليس بالضرورة الاختيار الحاد بين الأمرين، بل تحري إمكانية الجمع أو التدرج. فاسأل نفسك أولا: هل يمكنك إكمال دراستك عن بعد، أو بنظام جزئي، أثناء العمل في البلد الآخر؟ فإن كانت جامعتك تتيح هذا الخيار، فقد تستطيع الجمع بين تحصيل الدخل والمحافظة على مسارك الدراسي.
وإن لم يكن ذلك متاحا، فانظر في طبيعة فرصة العمل نفسها: هل هي فرصة مستمرة، أم أنها قد تفوتك إذا أجلتها سنة أو سنتين حتى تنهي الدراسة؟ فإن كانت مثل هذه الفرصة يمكن أن تتكرر، فإكمال الدراسة قد يكون أنفع لك على المدى البعيد؛ لأن شهادة الأمن السيبراني قد تفتح لك أبوابا أوسع من حيث طبيعة العمل والمردود والاستقرار مستقبلا.
أما إن كانت فرصة العمل استثنائية، وأنت في ضائقة مالية حقيقية تهدد استقرارك المعيشي أو قدرتك على مواصلة الدراسة، فلا حرج ولا عيب في قبولها؛ فالعمل الشريف كله كرامة، وقد كان الأنبياء -عليهم السلام- يعملون بأيديهم، وفي هذه الحالة يمكنك أن تضع خطة واضحة للعودة إلى الدراسة وإكمالها بعد أن تستقر ماديا، حتى لا يتحول التوقف المؤقت إلى انقطاع دائم.
ومن الأمور العملية التي ستعينك -بإذن الله- على حسم هذا التردد: أن تكتب أمامك على ورقة إيجابيات كل خيار وسلبياته بصراحة تامة؛ فالكتابة تخرج الأفكار من دائرة التفكير المشوش إلى صورة واضحة يسهل النظر فيها والموازنة بينها.
ثم صل صلاة الاستخارة، واسأل الله أن يختار لك ما فيه الخير؛ فالاستخارة استعانة صادقة بالله تعالى ليقدر لك الخير حيث كان.
كما أنصحك بأن تستشير من له خبرة في المجالين: أستاذا جامعيا أو متخصصا في الأمن السيبراني يعطيك صورة واقعية عن الدراسة وسوق العمل، وشخصا موثوقا عمل في ذلك البلد ويعرف ظروف العمل هناك، حتى يكون قرارك مبنيا على معلومات واقعية، لا على القلق وحده.
وحدد لنفسك مهلة زمنية مناسبة لاتخاذ القرار النهائي، حتى لا يبقى التفكير يستنزفك دون نهاية؛ فبعد جمع المعلومات، والاستشارة، والاستخارة، والموازنة بين الخيارات، اتخذ قرارك وامض فيه، ولا تستمر في إعادة الحسابات نفسها كل يوم.
وتذكر -أخي الكريم- أن كل سعي يبذله الإنسان في طلب رزقه أو تحصيل علمه لن يضيع عند الله، فمهما كان قرارك، فاجعله مبنيا على الاستخارة والتوكل والاستشارة، ثم امض فيه بعزيمة، ولا تلتفت خلفك كثيرا؛ فإن الاستغراق في الحيرة قد يكون أشد إنهاكا من اتخاذ القرار نفسه.
نسأل الله أن ييسر أمرك، ويشرح صدرك، ويرزقك من واسع فضله، ويبارك لك في علمك وعملك، ويهديك إلى ما فيه خير دينك ودنياك ومستقبلك.