كيف يصل مريض الوساوس إلى التوسط بلا إفراط ولا تفريط؟

0 3

السؤال

السلام عليكم.

أنا مريضة وسواس قهري منذ سنوات، وقد عافاني الله سبحانه كثيرا، ولكن ما زلت في الطريق، وتحدث انتكاسات، وهكذا.

يدور في ذهني سؤال، وهو: أن الإسلام دين التوسط؛ بمعنى لا إفراط ولا تفريط، صحيح؟ فلماذا يصعب علي كمريضة وسواس أن أكون في الوسط؟ كثيرا ما أجد نفسي تتشدد في أمر ما، وتوسوس، وتتنطع، ثم إذا هداني الله إلى أن أطمئن نفسي، أو هداني إلى الأخذ بالقول الأيسر، هدأت نفسي، ولم تعد توسوس فيه تقريبا، ثم أجدها بعد ذلك -ربما بقليل- تتهاون في هذا الأمر، وتفرط فيه، أو تقترب من ذلك.

أحيانا لا أستوعب حقا وقتها أنني وصلت للتهاون في الأمر، وأجد صوتا يقول لي: إن هذا تهاون، ثم أحاول رده للوسواس، ثم أجد صوتا يقول: إنك هكذا تخدعين نفسك، وتتحججين بالوسواس، فيختلط علي الأمر، وربما شعرت بألم في رأسي بعدها وتجمد.

فكيف أعرف ذلك؟ وهل وصلت للتهاون أم أن هذا وسواس؟ فالأمر كثيرا ما يختلط علي بحق، وكيف أضبط نفسي؟

كما ألاحظ في نفسي -مثلا- أكون في فترة أشعر بعدم المبالاة بالمعاصي والمنكرات، وفترة أخرى أتشدد في هذا وأوسوس.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ زينب حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يتم عليك العافية، ويثبت قلبك على طاعته، ويرزقك البصيرة والاعتدال، ويعينك على ما بقي من هذه المعاناة، وبعد:

فنعم، هذا الدين قائم على العدل والوسط، قال تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: هلك المتنطعون، لكن المشكلة عند من ابتلي بالوسواس، وأن الميزان الداخلي نفسه قد يضطرب؛ فإذا شدد على نفسه شعر أنه ورع، وإذا ترك التشدد خاف أن يكون مفرطا، وإذا أخذ بالرخصة المعتبرة اتهم نفسه باتباع الهوى، وإذا تجاهل هذا الاتهام قال له الوسواس: أنت تستعمل الوسواس ذريعة لتخدع نفسك، وهكذا لا تبقى المشكلة في معرفة الحكم وحده، بل تنتقل إلى الشك في كل موقف يتخذه الإنسان، ولذلك نريد منك أن تبني تعاملك مع هذه المسألة على أصول ثابتة:

أولا: الوسط لا يعرف بالشعور، وإنما يعرف بالشرع، وهذه قاعدة مهمة جدا لك؛ فلا تسألي نفسك كل مرة: هل أشعر أنني متشددة أم متساهلة؟ وإنما اسألي: ما الحكم الذي تعلمته من مصدر موثوق؟ فإذا عرفت أن هذا واجب فافعليه، بلا زيادة يفرضها عليك الخوف.

وإذا عرفت أنه محرم فاتركيه، بلا توسع في التحريم، وإذا كان مباحا فلا تحرميه على نفسك تورعا، وإذا كانت المسألة مما يسوغ فيه الخلاف، وأخذت بقول معتبر يناسب حالك، فلا تعيدي محاكمة نيتك كل يوم، واجعلي المعيار الثابت قول الله: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.

ثانيا: لا تجعلي خوفك من التفريط يعيدك إلى التشدد؛ فقد يحدث أن تنتقلي بعد فترة من التشدد إلى شيء من التراخي، وهذا يحتاج إلى تصحيح -إن وقع فعلا-، لكنه لا يعني أن علاج التشدد كان خطأ؛ فلو كان هناك إنسان يسير بسرعة مفرطة، ثم خفف سرعته أكثر مما ينبغي، لا نقول له: عد إلى السرعة الخطرة، وإنما نعيده إلى المقدار الصحيح، وكذلك أنت: إن ثبت أنك تجاوزت الرخصة إلى ترك واجب أو فعل محرم، فصححي هذا الفعل بعينه، ولا تعودي إلى المنظومة القديمة من التدقيق والتشدد خوفا من التهاون.

ثالثا: فرقي بين التهاون المعلوم، والتهاون المشكوك فيه: فإذا كنت تعلمين أن الصلاة مثلا واجبة، ثم تعمدت إخراجها عن وقتها بلا عذر، فهذا تفريط واضح لا نحتاج إلى تحليل طويل لمعرفة أنه تفريط.

أما أن تفعلي أمرا على وجه أجازه الشرع، ثم يبدأ داخلك: ربما تساهلت، ربما اتبعت هواك، ربما خدعت نفسك، وربما جعلت الوسواس حجة؛ فهذا النوع من الاحتمالات لا ينبغي أن تفتحي معه تحقيقا جديدا كل مرة، ومن القواعد العظيمة التي تعينك: اليقين لا يزول بالشك، فما ثبت عندك لا تنقضيه بمجرد احتمال طارئ.

رابعا: قولك: ربما أنا أخدع نفسي، وأتحجج بالوسواس: قد يكون هو نفسه بابا جديدا للوسواس، وهذه من أدق حيله؛ لأنه إذا عجز عن إلزام الإنسان بالحكم المتشدد، انتقل إلى اتهام نيته بأن يوسس لك: أنت لا تريدين الحق، أنت تتبعين الأسهل، أنت تخدعين نفسك، ولو استجبت لهذا الباب فلن تصلي إلى نهاية؛ لأنك بعد أن تثبتي لنفسك صدق نيتك، سيأتي سؤال آخر: وهل أنت متأكدة أنك صادقة في إثبات صدقك؟!

ولذلك نقول: إذا أخذت بحكم شرعي معتبر على وجه صحيح، فلا تفتشي قلبك بعد ذلك بحثا عن دوافع خفية.

خامسا: الأخذ بالأيسر ليس دائما اتباعا للهوى، كما أن الأخذ بالأشد ليس دائما ورعا؛ فقد يكون الأشد هو الموافق للشرع في مسألة، وقد يكون الأيسر هو الموافق له في أخرى، والمذموم أن يتتبع الإنسان الأقوال لمجرد إسقاط التكاليف عن نفسه، أما من ابتلي بالوسوسة، وأرشده أهل العلم إلى الأخذ بقول معتبر دفعا للحرج، وقطعا للاسترسال، فلا ينبغي أن يحول هذا العلاج نفسه إلى مادة للوسوسة، وقد قال تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾.

سادسا: أما انتقالك بين شدة الحساسية تجاه المعاصي، وبين فترات تشعرين فيها بقلة المبالاة، فلا تجعلي مشاعرك هي مقياس إيمانك؛ فالقلوب تمر بأحوال مختلفة، والمطلوب هو ثبات السلوك على حدود الله قدر الاستطاعة، ولا نريد منك في مرحلة الخوف أن تحرمي على نفسك المباحات، وتراقبي كل صغيرة، ولا في مرحلة الفتور أن تتركي الواجبات، أو تقتحمي المحرمات؛ فالوسط الحقيقي أن تبقى حدود الله ثابتة وإن تغيرت مشاعرك.

سابعا: ضعي لنفسك قاعدة عملية تختصر عليك كثيرا من العناء مفادها: لا أعيد فتح المسألة بعد معرفة حكمها، إلا إذا ظهرت واقعة جديدة مؤثرة في الحكم؛ فإذا سألت عن مسألة، وعرفت جوابها من جهة تثقين بها، فاكتبيه في سطر أو سطرين وانتهي، ولا تبحثي بعدها في عشرات المواقع، ولا تعيدي السؤال بصياغات مختلفة، ولا تختبري نفسك: هل أنا مقتنعة تماما؟ وهل نيتي صحيحة تماما؟ لأن طلب الطمأنينة الكاملة في كل جزئية قد يعيدك إلى الدائرة نفسها.

وننبهك إلى أمر مهم: تجاهل الوسواس لا يعني تجاهل الدين، بل يعني أن تتبعي الدين من مصدره الصحيح بدلا من اتباع الخوف، فإذا كان الشرع يقول: افعلي، فعلت، وإذا قال: اتركي، تركت، وإذا وسع عليك فلا تضيقي على نفسك، وإذا أوجب عليك شيئا فلا تجعلي الوسواس حجة لإسقاطه، وبهذا لا تكونين أسيرة طرفي الإفراط والتفريط، ولا تجعلي هدفك أن تصلي إلى حالة لا يرد فيها عليك أبدا سؤال: هل أنا متشددة أم متساهلة؟، وإنما أن تتعلمي ألا تعطي هذا السؤال سلطة عليك كلما ورد، وليكن ميزانك: حكم معلوم من مصدر موثوق، وعمل بهدوء، وعدم إعادة الفحص بعد ذلك لمجرد الشك، ومع الأيام يصبح الوسط عندك منهجا ثابتا، لا شعورا تحتاجين إلى التأكد منه في كل مرة.

نسأل الله أن يرزقك فقها في دينه، وأن يبصرك بحدوده من غير غلو ولا تفريط، وأن يذهب عنك الحيرة، ويتم عليك نعمته وعافيته، ويجعل عبادتك قائمة على العلم والسكينة واليقين، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات