السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا لا أعلم هل وصل أحد إلى مثل وضعي؟! عندما كنت صغيرا، حدثونا عن عذاب القبر لمن لا يستبرئ من البول، وكنت -وأنا صغير- أستنجي من البول زيادة عن اللزوم.
وبعد أن كبرت قليلا، حدثونا عن الاغتسال، وكنت دائما أوسوس: هل وصل الماء إلى كل جسدي أثناء الاغتسال أم لا؟ حتى إنني كنت -بعد الاغتسال وقبل خروجي من الخلاء- أراجع بيني وبين نفسي ما غسلته من جسدي، كما كنت أوسوس في النية، وأرددها دائما بصوت عال.
ومن شدة الوسواس لم أكن أذاكر، وتركت الصلاة تقريبا عندما كان عمري (16 عاما)، ثم دخلت الجامعة، وكنت أقول في نفسي: سأبدأ بالصلاة في السنة الثانية من الجامعة، لكنني كنت أقول إن الحافلة ووسائل المواصلات قد تنجست بسبب استخدامي لها.
وفي السنة الثالثة، أذكر أنني كنت أقول عن بيتنا: إنه بيت لا تصح الصلاة فيه، وكنت أرى كل شيء فيه نجسا.
وفي هذه السنة عزمت على أن أصلي، لكنني قمت بأشياء كثيرة لتنظيف ما أريد استخدامه؛ فكنت أنتظر أهل البيت حتى يناموا لكي أغسل الكنب، فغسلته، وغسلت كراسي السيارة، وغسلت ملابس كثيرة لي، ثم وضعتها في مكان معين، وإذا وجدت هذه الملابس في مكان آخر، فإنني أنسى هل غسلتها أم لا!
كما أنني لا أستطيع التمييز هل قدماي ويداي طاهرتان أم لا، ولا أستطيع تمييز الأشياء من حولي: هل هي طاهرة أم لا؟
وأسجل على ورقة ما حصل معي: "هل تنجست هذه الأشياء فعلا أم لا؟ وماذا حصل معي خلال هذا اليوم؟ وهل أصابتني نجاسة، أو نقلت بنفسي نجاسة إلى شيء آخر؟" وقد ذكرت من قبل محاورة هذه الفكرة.
ذهبت إلى الطبيب، ووصف لي دواء فافرين "Faverin" (100 ملغ): نصف حبة لمدة ثلاثة أيام، ثم حبة كاملة لبقية الأسبوع، وبعد الأسبوع الأول حبتين يوميا لبقية الشهر، ثم أراجعه بعد ذلك، وأنا الآن في اليوم الثامن أو التاسع من تناول الدواء.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أرحب بك في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله تعالى لك العافية والشفاء.
هذه وساوس قهرية، وهي وساوس أفعال، وهي منتشرة -أيها الفاضل الكريم-، وأنا أبشرك بأنه يمكن علاجها، وعلاجها بصورة ممتازة جدا.
الدواء هو جزء من العملية العلاجية، ولكنه ليس الوحيد، ويجب أن تطبق بعض ما نسميه بالتمارين السلوكية، وأنا متأكد أن الطبيب النفسي مقتدر على أن يدربك على هذه التمارين.
هذه التمارين -باختصار- تقوم على المبادئ الآتية:
• التحقير والتجاهل: أن تفكر في الوسواس، مثلا: تستجلب أي فكرة عن الوساوس التي تمر بها، ثم فجأة تخاطب هذا الوسواس محقرا له، وتتجاهله، فتقول للوسواس: أنت وسواس حقير، أنا أتجاهلك تماما، أنت تحت قدمي.
• صرف الانتباه: قل لنفسك مثلا: بدلا من أن أقوم بغسل نفسي عدة مرات، فأنا لن أقوم بذلك أبدا، وسوف آخذ نفسا عميقا مرتين حين ينتابني هذا الوسواس.
• التنفير: فكر في هذا الفكر المتكرر، وأنت تقف أمام الطاولة، وقم بالضرب على يدك بقوة وشدة حتى تحس بالألم، بمعنى أن تربط فكرة الوسواس وفعله بإيقاع الألم على نفسك، وهذا يسمى بالتنفير، وتكرر هذا التمرين عشرين مرة متتالية.
كرر هذه التمارين، واجعل لها وقتا، وخصص لها وقتا في الصباح وأنت في المنزل، فالتمارين تأخذ منك تقريبا عشرين دقيقة، ويمكن أن تكتب وساوسك هذه، وتجعلها في شكل مجموعات، مثلا: تبدأ بالمجموعات الضعيفة، وتنتهي بالمجموعات الشديدة، وتطبق عليها هذه التمارين الثلاثة: التحقير والتجاهل، وصرف الانتباه، والتنفير، وهي مفيدة جدا.
ويا أخي الكريم، هنالك تطبيقات عملية أريدك أن تطبقها، وأرجوك أن تحرص عليها، ويمكن أن تستعين بأحد إخوتك أو أصدقائك إذا وجدت أن هذا التمرين شاقا.
• المس أسفل حذائك بيدك، ومرر يدك على أسفل الحذاء، وتمسح عليه بقوة، ثم تضع يدك هذه على يدك الأخرى، وتلامس بينهما؛ لينتشر الوسخ من اليد الأولى إلى اليد الثانية، وهذا تمرين ممتاز جدا.
• طبعا ستصاب بخوف شديد، ثم بعد دقيقتين خذ كوبا واحدا من الماء، وتغسل ثلاث غسلات، ولا تزد عليها أبدا: غسلة أولى بالماء، وغسلة ثانية بالصابون، وغسلة ثالثة بالماء، ولا يستغرق هذا الغسل دقيقتين أبدا، ثم تكرر هذا التمرين مرة بعد مرة.
• ثم بعد ذلك تقوم، مثلا، بلمس مقبض الباب؛ لأن الناس يلمسونه، وكثير من الذين لديهم وساوس النظافة والنجاسة يتأففون من ذلك، فقم بلمس مقبض باب عام في البيت أو في أي مكان، ولا تقم بغسل يدك أبدا، وقاوم ذلك.
وهكذا، فهذا يسمى بالتعريض ومنع الاستجابة، وهذه تمارين رائعة، وإذا طبقتها ستستفيد منها كثيرا -أيها الفاضل الكريم-، وأهم شيء هو تحقير الوسواس، وعدم تحليله، وعدم الاستجابة له.
لا بد أيضا أن تتخلص من الفراغ، وأن تستفيد من وقتك بصورة صحيحة؛ لأن الوساوس تهيمن على الناس، وتسيطر عليهم من خلال الفراغ؛ الفراغ الزمني والفراغ الذهني، فإذا نظم وقتك واستثمره بصورة صحيحة.
وعليك بممارسة الرياضة، وكذلك تمارين الاسترخاء، خاصة تمارين التنفس المتدرجة، وستجدها على اليوتيوب.
بالنسبة لدواء فافرين "Faverin": فهو دواء ممتاز، والجرعة الآن اجعلها (100 ملغ) ليلا، وليس هنالك داع لتقسيم الجرعة؛ فالفافرين دواء يظل في الدم لفترة لا تقل عن ثلاثين ساعة، وجرعة واحدة تكفي.
وبعد أسبوعين، اجعل الجرعة (200 ملغ) ليلا، كما ذكر لك الطبيب، ثم أنا أفضل أن تجعلها (300 ملغ) يوميا؛ فتتناول (100 ملغ) صباحا، و(200 ملغ) ليلا لمدة شهر، ثم تخفضها إلى (200 ملغ) ليلا لمدة شهرين، ثم تجعلها (100 ملغ) ليلا لمدة ستة أشهر، ثم تجعلها (50 ملغ) ليلا لمدة شهر، ثم (50 ملغ) يوما بعد يوم لمدة أسبوعين، ثم تتوقف عن تناول الفافرين.
وأرجو أن تدعمه بدواء آخر يعرف باسم أريبيبرازول "Aripiprazole"، تتناوله بجرعة (5 ملغ) يوميا في الصباح لمدة ثلاثة أشهر.
هذا هو الخط الأول -أو هكذا نسميه- بالنسبة للعلاج الدوائي، وتوجد أدوية كثيرة أخرى، لكنني أتفق مع طبيبك في أن الفافرين من الأدوية الجيدة، ويجب أن تلتزم باستعماله بالطريقة التي ذكرتها لك.
ولا بد أن تلجأ إلى التطبيقات السلوكية والاجتماعية العامة التي كلمتك عنها، ويجب أن يكون قرارك ألا تجعل الوساوس جزءا من حياتك، ولا تناقشها، ولا تحللها، وإنما تحقرها وتتجاهلها.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.
---------------------------------------------
انتهت إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
---------------------------------------------
مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يعجل لك بالعافية والشفاء، وأن يصرف عنك شر هذه الوساوس.
وقد أفادك الدكتور الفاضل/ محمد عبد العليم بنصائح قيمة، وتوجيهات طبية مفيدة، ونرجو الله تعالى أن ينفعك بها، وأن يعينك على تنفيذها، والدوام عليها، والثبات عليها.
وهذه التوجيهات -أيها الحبيب- متوافقة تماما مع التوجيهات الشرعية في كيفية التعامل مع الوسوسة في الطهارة والصلاة وغيرهما من أبواب الدين؛ فإن الشرع الحكيم جاء تخفيفا عن العباد، ورفعا للحرج عنهم.
ومن أوجه التخفيف على الناس ودفع المشقة عنهم: أن الرسول ﷺ أمرنا بعدم الاستجابة للشكوك، وهو ما عبر عنه الدكتور محمد بمسألة تحقير هذه الوساوس.
فالنبي ﷺ أرشد من أصيب بالوسوسة إلى قوله: فليستعذ بالله ولينته، والانتهاء معناه: عدم التفاعل مع هذه الوساوس، وعدم التفاعل يعني أن يراها الإنسان أفكارا حقيرة تافهة لا تستحق أن يعتني بها، وأن يستجيب لما تمليه عليه.
وقد سئل النبي ﷺ عن الرجل يكون في الصلاة، فيجد في بطنه شيئا، يعني يحس في بطنه قرقرة ونحوها، مما يوهم أنه قد انتقضت طهارته، فقال ﷺ: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا، يعني لا يعمل بمجرد هذا الشك، ولا يترك صلاته إلا حين يتيقن يقينا جازما أن طهارته قد انتقضت.
والعلماء يقررون في كتب القواعد الفقهية أن من القواعد الكبيرة في الفقه الإسلامي: أن اليقين لا يزول بالشك، وأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
فهذا هو التوجيه الشرعي للتعامل مع الشكوك والوسوسة؛ فإذا صبرت على سلوك هذا المنهج، فأنت ترضي ربك أولا، وتلتزم تعاليم الشرع الإسلامي الحنيف، وثانيا: تخفف عن نفسك، وتيسر لها ما يسره الله تعالى من هذا الدين.
فجاهد نفسك على العمل بهذه التوجيهات، واعلم أن الأصل في كل شيء الطهارة؛ فلا تحكم على شيء بأنه تنجس بمجرد ورود هذه الوساوس عليك، واعلم أن الله -سبحانه وتعالى- لا يحتاج إلى صلاتنا وعباداتنا، وإنما هو يمتحن طاعتنا له: هل نطيعه فيما يأمر أم لا؟ وقد أمرنا بشرعه الحكيم ألا نستجيب للوساوس والشكوك.
فالطاعة الحقيقية هي أن تمتثل هذه التوجيهات؛ فلا تحكم على شيء بالنجاسة، ولا تحكم على طهارتك بالزوال بمجرد ورود هذه الوساوس عليك، وبذلك تكون قد أرضيت ربك، واتبعت الشرع، وخففت عن نفسك.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.
وبالله التوفيق والسداد.