الاستقالة من العمل أم الاستمرار .. كيف أتخذ القرار؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أنا امرأة متزوجة، وأم لولدين؛ أحدهما في المرحلة الجامعية، والثاني في المرحلة الثانوية.

منذ سنوات وأنا أفكر في ترك عملي؛ لأنني لا أشعر بأنني في مكاني الصحيح، رغم أنني أقوم به على أكمل وجه، ولا أشعر بالراحة إلا في بيتي.

زوجي -أطال الله في عمره، ووسع له في رزقه- ميسور الحال -ولله الحمد-، ولم يقصر يوما في نفقات البيت، ولكنه أكبر مني سنا، ويعمل لحسابه الخاص؛ ولذلك لن يكون لديه راتب تقاعدي؛ وهذا ما يمنعني من الاستقالة؛ إذ أخاف تقلبات الدهر، وشماتة من ينصحونني بعدم ترك العمل.

أعلم أن الرزق بيد الله وحده، ولكنني أخاف أن تكون فكرة الاستقالة من العمل -التي أصبحت ملحة في رأسي الآن- من وسوسة الشيطان، أو من بطر النعمة.

ورغم أنني أذهب كل يوم إلى العمل وأنا حزينة، فإنني -على الأقل- أعمل براتب كبير قد لا يحلم به كثير من الناس، ولكنني -مع ذلك- لست مرتاحة، وأخشى أن يكون هذا استدراجا من الشيطان، وألا ينفعني الندم بعد ذلك.

لقد استخرت الله، ولكن يقال: إنه لا يعتد بالأحلام ولا بالإحساس، وإنما بتيسير الأمر أو تعسره، وأنا أعلم تمام العلم أن مدير المؤسسة سيرفض استقالتي؛ لأنه لا يوجد من يحل محلي في مصلحة متعبة يتجنبها جميع الموظفين، فهل رفضه يعد جوابا عن استخارتي؟

أفكر في هذا الموضوع طوال اليوم، وفكرة انتهاء العطلة والعودة إلى العمل تشعرني بالحزن وانقباض القلب، فهل أنا مجرد امرأة كسولة؟

أحب الأيام الهادئة التي يمكنني فيها أن أصلي، وأجلس في مكاني للتسبيح وقراءة ما تيسر من كتاب الله؛ فهل تركي لوظيفة حكومية يحلم بها غيري يعد بطرا بنعمة الله، وسيعاقبني ربي عليه بحرماني من الخير الذي أنعم به؟

أفيدوني، جزاكم الله خير الجزاء، وربما تلحظون في أسلوب كتابتي مقدار الاضطراب الذي أعاني منه.

وللإشارة، فإن زوجي يشجعني على هذا القرار، وكذلك أبنائي، ولكن المشكلة أن زوجي لا يبخل على إخوته أبدا؛ فمنذ سنوات، وهو يقرضهم مبالغ كبيرة جدا يصعب عليهم إرجاعها، إلا إذا تمكنوا من بيع بعض الممتلكات التي ورثوها، ولم يقم بتوثيق هذه الديون كتابة؛ لثقته بهم.

وكلما تمكن من جمع مبلغ كبير من المال، وكان أحد إخوته أو أخواته في حاجة، أقرضه إياه، مع العلم أن ابني الكبير يدرس في جامعة خاصة مرتفعة التكاليف جدا، وكذلك ابني الذي في المرحلة الثانوية يدرس في مدرسة مرتفعة التكاليف.

وفي بعض الأحيان، يجد زوجي صعوبة في توفير مصاريف دراستهما، ولكنه -مع ذلك- لا يطالب إخوته بإرجاع المال؛ لعلمه بعدم قدرتهم على ذلك.

فهل أتوكل على الله وأستقيل من عملي، أم أستمر فيه؛ حفاظا على الاستقرار المادي لأسرتي، ولا سيما مع هذه الالتزامات المالية؟ وكيف أتخذ القرار الصحيح دون أن أظل أسيرة للخوف والتردد؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ وفاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختنا الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك ثقتك بنا، ونسأل الله تعالى أن يبارك لك في زوجك وأبنائك، وأن يوسع عليكم من فضله، وأن يشرح صدرك، ويذهب عنك الحيرة والاضطراب، ويلهمك الرشد والصواب، ويقدر لك من أمرك ما فيه راحتك وخيرك في دينك ودنياك.

الأستاذة الفاضلة، نحن نخسر كثيرا عندما نحاول أن نجمع بين المتناقضات، أو عندما نحرص على تحقيق جميع المكاسب جملة واحدة، دون أن نخسر شيئا منها، والحياة لم يخلقها الله على هذا المبدأ؛ فهناك ضريبة لا بد أن ندفعها مقابل كل مكسب نريد تحقيقه.

وفيما يتعلق برسالتك -التي قرأتها أكثر من مرة- أود أن ألخص إجابتي عنها من خلال النقاط الآتية:

• الوظيفة وسيلة لا غاية، فهي -غالبا- وسيلة لجلب المال وتحقيق السعة، وعندما تتحول هذه الوسيلة إلى مصدر للانزعاج والضغط النفسي، مع إمكانية الاستغناء عنها؛ نظرا لوجود من يعول الأسرة ويقوم عليها؛ فإن البقاء فيها يصبح نوعا من تحميل النفس فوق طاقتها، وتغليب الوسائل على الغايات!

• هل من مهمة الزوجة أن تكتسب المال، وتنفق على نفسها والبيت؟ أعلم أنه سؤال صادم، ولكن من المفيد أن نراجع قناعاتنا، حتى وإن بدت لنا بديهية وراسخة.

فإن قلت: إنك لا تنفقين على البيت، وإن هذا المال هو من أجل المزيد من السعة والراحة لك، قلت لك: إن وجود المال بين يديك، مع ما وصفته من شعور دائم -منذ سنوات- بعدم الراحة والانزعاج، يعني أن فائدة المال أصبحت أقل من ضريبته، وأن استمرارك في العمل استنزاف لك ولصحتك!

• من نعم الله عليك أن لديك زوجا قائما بمسؤولياته وميسور الحال، مما يجعل استغناءك عن الوظيفة أيسر وأسهل، دون ضريبة كبيرة تعود عليك، كما أن قناعته بتركك للوظيفة عامل آخر يجعل الأمور أكثر وضوحا.

• لديك أبناء كبار -حفظهم الله-، وهذا يعني أن قدرتهم على الاستغناء بمصاريفهم، بل ودعم البيت لاحقا أيضا قائمة؛ فهم على وشك الانتقال من مرحلة الأخذ إلى العطاء.

• كون وظيفتك مرموقة، وراتبك عاليا، لا يعني أن تبقي فيها أبد الدهر؛ فسنة الحياة تقوم على تغير الأحوال وتبدل المناصب، ثم إنك إن لم تتركي وظيفتك الآن، فستتركينها لاحقا، ولكن بعد أن تكوني قد استنزفت تماما نفسيا، وربما صحيا -لا قدر الله-، فاجعلي قرار الترك قرارك أنت، لا قرار جهة العمل أو نظام التقاعد الذي أنت فيه.

• الخوف من المستقبل، ومن الفقر، ومن فقدان زوجك لعمله بسبب كبر سنه أو غير ذلك؛ كل هذا من فطرة الإنسان، ولكن المبالغة فيه قد تتنافى مع كمال التوكل على الله، وخاصة عندما نكون قد أخذنا بالأسباب، ثم حصل لنا بعد ذلك من تبدل الأحوال ما حصل.

فزوجك يعمل في وظيفة جيدة، وهو يد عليا تعطي ولا تأخذ، وتبذل لكل من حولها، وأولادك على وشك الانتقال إلى مرحلة الإنتاج بعد بضع سنين -بحوله تعالى-، وليس مطلوبا منك أن تعيشي هاجس الفقر وهاجس المستقبل؛ فإن هذا باب من الهم والغم، إذا فتحته لا تكادين تشعرين بالاستقرار والهدوء، ولو جمعت مال الدنيا، وكما قال ﷺ: من باتت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له.

• أكثري من استخارة الخالق سبحانه، واتركي عنك ما يقوله الخلق وما سيقولونه؛ فإن حياتك ملكك أنت، فلا تجعليها ملكا لغيرك، وراحتك مسؤوليتك، فلا تضيعيها من أجل كلام فلان وفلان؛ فإن أي قرار ستتخذينه -بالبقاء أو الترك- ستجدين من ينتقدك عليه ويخالفك فيه.

فافعلي ما تعتقدين أنه الصواب، بناء على ما تعلمينه من تفاصيل دقيقة لا يعلمها غيرك، واستلهمي السداد من الله بالدعاء، واجعلي زوجك وأبناءك سندك في قرارك، كما هم سندك في حياتك.

وفقك الله لما هو أرشد لك وأريح لبالك، والله يحفظك ويرعاك.

مواد ذات صلة

الاستشارات