تعرضت في طفولتي للتنمر مما أثر على تقبلي لشكل جسدي ووجهي!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منذ قرابة سبع سنوات وأنا في دوامة من عدم تقبل شكل جسدي ووجهي، بل أحيانا كرههما، وأعلم أن هذا لا يجوز، لكنني لا أستطيع تقبل نفسي، خاصة أنني تعرضت في طفولتي للتنمر من بعض أصدقائي بسبب شكل جسدي.

وكلما حاولت تجاوز هذا الشعور؛ أجد عقلي يقارنني بغيري، ويخبرني بأنني لست جيدة، وهذا يجعلني أخشى أن يؤثر الأمر مستقبلا في علاقتي الزوجية.

لقد حاولت مرارا أن أتقبل نفسي، لكنني لم أستطع، فكيف أتخلص من هذه المشاعر والمقارنات، وأتعلم تقبل شكلي وجسدي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ فاطمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

نشكر لك -ابنتنا الكريمة- طلب الاستشارة من موقع إسلام ويب، وبارك الله فيك، وشرح صدرك، وأعانك على أن تنظري إلى نفسك بعين الرحمة والرضا.

ومن المهم معرفة أن ما تشعرين به ليس أمرا تافها، ولا يعني أنك ضعيفة أو سطحية؛ فصورة الإنسان عن جسده ووجهه ترتبط بصورة أوسع عن ذاته وقيمته، وقد تتأثر كثيرا بما يسمعه من الآخرين، خصوصا في سنوات الطفولة والمراهقة.

فالحب أو النفور من صورة الجسد قد تكون له أسبابه المبررة أحيانا، وقد يكون في أحيان أخرى مبنيا على أفكار ومقارنات غير منطقية.

كما أن مقاييس الجمال نسبية، وما يراه شخص عيبا قد يراه آخر جميلا ومميزا، وليس هناك نموذج واحد يجعل الإنسان جديرا بالقبول والمحبة.

ومن المهم كذلك إدراك أن الجمال ليس المعيار الوحيد لقبول الإنسان لدى الآخرين؛ فالإنسان يحب ويحترم لأخلاقه، وشخصيته، وعقله، وإنجازاته، وطريقة تعامله، وروحه، وحضوره، وليس لملامحه أو شكل جسده وحدهما.

ولعل ما تعرضت له من التنمر في طفولتك كان له أثر أكبر في الوضع الحالي؛ فأنت تقولين إن هذه الدوامة بدأت منذ نحو سبع سنوات، أي منذ بداية البلوغ والدخول في مرحلة المراهقة، وهي مرحلة شديدة الحساسية، تتغير فيها ملامح الجسم والوجه بسرعة، ويصبح الإنسان أكثر وعيا بمظهره، وأكثر ميلا إلى مقارنة نفسه بأقرانه، كما تزداد حاجته إلى القبول والانتماء.

فإذا اجتمعت هذه التغيرات مع كلمات جارحة أو سخرية من الآخرين، فقد تتكون في داخل الإنسان صورة سلبية عن نفسه تستمر حتى بعد انتهاء التنمر.

وقد يكون ما تعانينه حاليا قريبا من اضطراب صورة الجسد وتدني تقدير الذات، مع انشغال زائد بالمظهر والمقارنة الاجتماعية، لكن لا يمكن تشخيص اضطراب نفسي محدد من خلال رسالة قصيرة.

وإذا كان انشغالك بشكلك يأخذ وقتا طويلا، أو يدفعك إلى تفقد المرآة بصورة متكررة أو تجنبها، أو تجنب التصوير والمناسبات والعلاقات، أو يجعلك تعتقدين أن عيبا معينا في شكلك واضح جدا للآخرين رغم عدم ملاحظتهم له؛ فهنا يصبح من المهم عرض الأمر على أخصائية نفسية؛ لأن بعض الحالات قد تندرج ضمن اضطراب تشوه صورة الجسم، وهو اضطراب قابل للعلاج، وليس عيبا في الشخصية.

أما ما يفعله عقلك عندما يقارنك بغيرك ويقول لك: أنت لست جيدة، فحاولي ألا تتعاملي مع هذه الجملة على أنها حقيقة، وإنما هي فكرة تعلمها العقل نتيجة سنوات من المقارنة والتنمر، وليست حكما موضوعيا على قيمتك.

وكلما جاءت الفكرة، اسألي نفسك: هل لدي دليل حقيقي على أنني أقل قيمة، أم أنني أقارن نفسي بصورة مثالية لشخص آخر، وأحكم على نفسي من خلالها؟

فالمقارنة غالبا غير عادلة؛ لأنك تقارنين تفاصيلك اليومية وعيوبك التي تعرفينها جيدا بصورة شخص آخر ترين منه الجانب الذي يظهر أمامك فقط.

وكذلك فإن تخوفك من أن تؤثر هذه المقارنات مستقبلا في زواجك هو -في الوقت الحالي- احتمال وافتراض، وليس حقيقة واقعة، فلا تبني حكما على زواج لم يحدث بعد، ولا تسمحي للخوف من المستقبل بأن يفسد عليك حاضرك.

بل إن الاستمرار في مراقبة شكلك والتفكير فيه بصورة مفرطة قد يزيد المشكلة، ويؤخر وصولك إلى تقبل ذاتك، وربما يجعلك أكثر حساسية تجاه نظرات الآخرين وتعليقاتهم.

فالمطلوب ليس أن تقنعي نفسك بأنك الأجمل، وإنما أن تصلي إلى مرحلة تقولين فيها: هذا شكلي الذي خلقني الله عليه، وفيه ما أحبه وما قد لا يعجبني، لكنه لا يحدد قيمتي، ولا يستحق أن يشغل حياتي كلها.

ومن الناحية الإيمانية، تذكري أن الله تعالى لم يجعل قيمة الإنسان في ملامحه، أو لون بشرته، أو شكل جسده، وإنما قال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات:13]، وقال النبي ﷺ: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

وهذا لا يعني أن الإنسان لا يهتم بمظهره؛ فالنظافة، وحسن الهيئة، والعناية بالجسد أمور مشروعة ومحبوبة، لكن الفرق كبير بين أن تعتني بمظهرك، وبين أن تجعلي قيمتك كلها معلقة على مظهرك.

واعلمي -ابنتنا الفاضلة- أن القبول الاجتماعي لا يقوم على الجمال وحده؛ فكم من أشخاص لا تنطبق عليهم مقاييس الجمال المتداولة، ومع ذلك يتمتعون بحضور محبوب وشخصية جذابة بسبب علمهم، وإنجازاتهم، وتفوقهم في دراستهم أو عملهم، وحسن أخلاقهم، وتدينهم، وعلاقتهم بالله، وروحهم المرحة، وقدرتهم على التواصل، وحبهم للحياة، وتفاؤلهم، وطموحهم.

وهذه الصفات كلها تبني شخصية إيجابية محبوبة، وقد تكون أكثر تأثيرا في العلاقات الإنسانية من الشكل الخارجي.

ولذلك ابدئي بتغيير السؤال الذي تسألينه لنفسك، فبدلا من أن يكون: هل أنا جميلة بما يكفي؟، اجعليه: هل أنا أعيش بطريقة تجعلني راضية عن نفسي؟ هل أتعلم؟ هل أنجح؟ هل أعتني بصحتي؟ هل أطور أخلاقي وشخصيتي؟ هل لدي أهداف؟ هل أنا إنسانة نافعة؟.

وكلما اتسعت صورتك عن نفسك، صغر حجم الشكل في تقييمك لذاتك.

وحاولي أيضا أن تتعاملي مع المرآة بصورة طبيعية؛ فلا تقفي أمامها طويلا للبحث عن العيوب، ولا تكرري العودة إليها للتأكد من مظهرك، وفي الوقت نفسه لا تهربي منها وكأن وجهك شيء يجب تجنبه، وانظري إلى نفسك بصورة عادية كما تنظرين إلى أي جزء طبيعي من حياتك، ثم انتقلي إلى ما تقومين به.

وننصحك أيضا -ابنتنا الفاضلة- بأن تهتمي بصحتك من أجل نفسك، لا من أجل الوصول إلى صورة معينة، ومارسي الرياضة التي تحبينها، ونظمي نومك وغذاءك، واهتمي بنظافتك ومظهرك بما يجعلك تشعرين بالراحة، ثم اتركي مساحة أكبر للعلم، والهوايات، والإنجاز، والعلاقات.

وكلما حققت إنجازا في دراستك، أو تعلمت مهارة، أو شاركت في نشاط اجتماعي، أو ساعدت شخصا؛ فسجلي ذلك لنفسك؛ لأن بناء الثقة بالنفس لا يحدث بمجرد تكرار عبارات إيجابية، وإنما ينمو عندما يرى الإنسان نفسه قادرا على الفعل، والإنجاز، والتعامل مع الحياة.

ولا تجعلي تجربة التنمر القديمة تحدد علاقتك بالناس الآن، وشاركي تدريجيا في الأنشطة الاجتماعية، واقتربي من الأشخاص الذين تشعرين معهم بالأمان والاحترام، وتعلمي أن تقولي: لا عندما يتجاوز أحد حدودك؛ فأنت الآن أكبر وأكثر وعيا وقدرة على اختيار علاقاتك مما كنت عليه في طفولتك، ولذلك لا يلزم أن تعيشي اليوم بالصورة نفسها التي فرضها عليك بعض أصدقائك في الماضي.

ومن الناحية الروحية، حافظي على الصلاة في أوقاتها، وتلاوة القرآن، وأذكار الصباح والمساء، وأكثري من الدعاء بأن يرزقك الله الرضا والطمأنينة وحسن النظر إلى نعمه الكثيرة.

وحين تشعرين بعدم الرضا عن نفسك، لا تدخلي في معركة مع ذاتك، بل تذكري نعم الله عليك، واشكريه على صحتك، وقدراتك، وعقلك، وأهلك، وعلمك، وما تستطيعين فعله. والرضا لا يعني أن تحبي كل تفصيل في شكلك، وإنما يعني ألا يتحول ما لا يعجبك إلى سبب لاحتقار نفسك أو تعطيل حياتك.

وإذا وجدت أن الأفكار المتعلقة بشكلك أصبحت مسيطرة على يومك، أو أنك تقضين وقتا طويلا في المقارنة والتفتيش عن العيوب، أو أن الأمر يؤثر في خروجك، وعلاقاتك، ودراستك، أو يجعلك تتجنبين الزواج مستقبلا؛ فلا تترددي في الاستعانة بأخصائية نفسية مؤهلة؛ فالعلاج المعرفي السلوكي من الأساليب التي يمكن أن تساعد في التعامل مع الأفكار السلبية عن المظهر، والمقارنات، وتدني تقدير الذات، ويمكن أن يكون مفيدا جدا عندما تكون المشكلة مستمرة منذ سنوات.

ومن المهم التذكير -في النهاية- بأن الفتاة التي تعرضت للتنمر في طفولتها ليست مطالبة بأن تظل أسيرة لكلمات قيلت لها وهي صغيرة؛ لقد كبرت، وتغيرت، وأصبحت لديك فرصة لأن تعيدي تعريف نفسك بنفسك؛ فأنت لست جسدا ووجها فقط، ولست حكم الآخرين عليك، ولست المقارنة التي يعقدها عقلك بينك وبين فتاة أخرى، وإنما أنت إنسانة لها عقل، وقلب، ودين، وأخلاق، وقدرات، وأحلام، ومستقبل.

وخلاصة القول: يمكنك البدء بالاهتمام بصحتك، وتطوير علمك وشخصيتك، وأن تكوني اجتماعية بقدر مناسب، وتمارسي الرياضة، وتبتعدي عن المقارنات التي تستنزفك، وتحافظي على عبادتك وصلتك بالله، وتطلبي المساعدة المتخصصة إذا بقي الانشغال شديدا.

ومع الوقت ستتعلمين أن تحبي نفسك، لا لأنك بلغت صورة مثالية من الجمال، وإنما لأنك أدركت أن لك قيمة لا تختصرها صورة في المرآة.

أسأل الله أن يرزقك الرضا والسكينة، وأن يوفقك في مستقبلك، ويعينك على تحقيق ما تطمحين إليه، ويكتب لك الخير والتوفيق في كل خطواتك.

مواد ذات صلة

الاستشارات