السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالبة في السنة الرابعة من كلية الطب، وكان من أهم أهدافي عندما التحقت بالكلية أن أخدم عباد الله، وأن أكون سببا في شفائهم، لكن مع مرور الوقت والتقدم في الدراسة، أدركت حجم الوقت الكبير الذي ستأخذه مهنة الطب من حياتي، بما فيها من مناوبات ليلية وساعات عمل طويلة قد تمتد إلى يوم كامل.
لذلك بدأت أخشى أنه إذا تيسر لي الزواج، فقد أقصر في حق زوجي بسبب المناوبات، وفي حق أولادي بسبب العمل نهارا، كما تغيرت نظرتي إلى الأمر، وأصبحت أرى أن من أهم أولويات المرأة رعاية أهلها وزوجها وأولادها، وألا تنشغل بالآخرين على حسابهم.
وفي الوقت نفسه، إذا قررت عدم العمل بعد التخرج، فإن والدي لن يتقبلا ذلك؛ لأنهما يعلقان علي آمالا كبيرة.
فبماذا تنصحونني؟ وكيف أستطيع الموازنة بين الاستمرار في مهنة الطب، والقيام بحقوق أسرتي المستقبلية دون تقصير؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ نور الهدى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.
بداية، من الجميل حرصك الشديد على بناء أسرتك والتفرغ لها، فهذا يدل على أن لديك أولوية واضحة، ومسارا محدد الملامح، وهدفا واضحا، وهذه الأمور من أهم أسباب الإنجاز والاستقرار في الحياة.
أختي الكريمة، يمكن تلخيص المشكلة التي طرحتها في ثلاثة محاور رئيسية:
• الأول: أعباء دراسة الطب والعمل فيه، والخوف من أن تتسبب في تقصيرك في حياتك العائلية والزوجية مستقبلا.
• الثاني: الموازنة بين رغبتك في دراسة الطب لخدمة الناس ونفع عباد الله، وبين خوفك من التقصير في حق الأسرة.
• الثالث: آمال الوالدين المعلقة عليك وعلى دراستك، ورغبتهما في رؤيتك طبيبة، مما يزيد من شعورك بالقلق والتوتر أمام هذه الخيارات.
أختي الفاضلة، بخصوص دراسة الطب، فلا شك أنها من التخصصات المهمة التي يحتاج إليها المجتمع، كما أن الجهد الذي يصاحبها يكون كبيرا في كثير من الأحيان، وقد يؤثر ذلك في بعض الجوانب الأخرى من حياة الإنسان.
ولكن للتغلب على هذه المخاوف، أنصحك بعدة أمور:
• أولا: هذه المخاوف لا تزال في دائرة الهواجس والتوقعات، وليست حقيقة واقعية تعيشينها الآن؛ فأنت تشعرين بخوف من المستقبل، بينما المستقبل بيد الله تعالى، وقد تطرأ فيه متغيرات كثيرة تغير هذه المخاوف من أساسها.
لذلك من الصعب جدا أن نعتبر هذه الاحتمالات حقائق ثابتة، ثم نبني عليها قرارا مصيريا؛ فقد يكون وضعك مستقبلا مختلفا تماما، وقد تـهيأ لك فرص وظيفية أفضل، أو تجدين بيئة عمل أكثر ملاءمة، أو يكون زوجك متفهما ومتعاونا مع طبيعة عملك؛ ولذلك فإن اتخاذ قرار نهائي بناء على هذه المخاوف وحدها ليس من الحكمة.
• ثانيا: من المفيد أن توسعي دائرة معرفتك، وتطلعي على تجارب طبيبات استطعن أن يحققن قدرا جيدا من التوازن بين الحياة الأسرية والعمل في الطب، ليس لمجرد تقليدهن، وإنما لفهم طبيعة هذا التوازن، ومعرفة الوسائل التي ساعدتهن على الوصول إليه، والصعوبات التي واجهنها، وكيف تعاملن معها.
• ثالثا: من المهم مستقبلا أن يكون هناك حوار واضح وجاد مع زوج المستقبل قبل الزواج، وأن تحرصي على أن يكون شخصا متفهما ومتعاونا، وقادرا على المشاركة معك في بناء الأسرة وتحمل مسؤولياتها؛ فالحياة الزوجية ليست مسؤولية طرف واحد، وإنما تقوم على التعاون والتفاهم، وقد كان من هدي النبي ﷺ خدمة أهله والمشاركة في شؤون البيت.
• رابعا: الاستعداد المبكر يساعد كثيرا، فابدئي من الآن في بناء شخصية متوازنة، وتعلمي تنظيم الوقت، وترتيب الأولويات، وكيفية التعامل مع تعدد المسؤوليات؛ فالتوفيق بين العمل والأسرة لا يعتمد فقط على عدد الساعات، وإنما يعتمد كذلك على حسن التنظيم، والمرونة، والقدرة على معرفة ما الذي يقدم عند تزاحم المسؤوليات.
• خامسا: لا تضعي نفسك أمام خيارين لا ثالث لهما؛ لأن هذه الطريقة تضيق مساحة التفكير، وتجعلك ترين أن الحل إما ترك الطب أو التضحية بالأسرة، بينما توجد خيارات أخرى كثيرة يمكن أن تظهر مع الوقت، مثل: اختيار جهة عمل أقل ضغطا، أو تخصص أكثر ملاءمة، أو تقليل ساعات العمل في بعض المراحل، أو فتح عيادة خاصة، أو غير ذلك من الحلول التي قد تساعدك على تحقيق قدر من التوازن بين عملك طبيبة ودورك داخل أسرتك.
• سادسا: اعتبار الطب سببا حتميا في فشل الحياة الزوجية والأسرية ليس حقيقة، وإنما هو تخوف من احتمال معين، والاستسلام المستمر لهذا التخوف قد يعطلك عن الاجتهاد والمثابرة لتحقيق هدفك في دراسة الطب، وربما يقتل في داخلك الشغف بهذه المهنة النافعة التي يحتاج إليها الناس.
فلا تجعلي المشكلة في كونك طبيبة، وإنما اجعلي تركيزك على كيفية إيجاد التوازن، وبناء حياة أسرية تقوم على التعاون والتفاهم مع الزوج مستقبلا.
أما آمال والديك في رؤيتك طبيبة، فلا شك أنها نابعة من محبتهما لك، ورغبتهما في رؤيتك ناجحة، وهذا أمر ينبغي أن تقدريه وتحافظي عليه، ولا يصح أن تتجاهلي هذه الآمال. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول رغبات الوالدين إلى سبب يدفعك إلى طريق لا ترغبين فيه، أو تشعرين أنه سيدمر حياتك أو يفقدك شغفك؛ فبر الوالدين وطاعتهما يكونان في المعروف، وليس في أمر يترتب عليه ضرر محقق أو فساد في حياة الإنسان.
سابعا: أختي الفاضلة، دراسة الطب أمر مهم، ووجود أطباء وطبيبات مسلمين صالحين يسهم في سد حاجة المجتمع والأمة، كما أن نجاح المرأة في الجمع بين كونها طبيبة وكونها زوجة وأما ومربية يبين أن أدوار الحياة ليست بالضرورة متعارضة. لكن الناس خلقهم الله بقدرات وطاقات ومهارات متفاوتة؛ فإن وجدت في نفسك القدرة على تحقيق قدر معقول من التوازن بين دراسة الطب، وخدمة الناس، وبناء أسرة مستقرة وسعيدة، فهذا خيار جيد، واستمرارك فيه أمر حسن؛ لما فيه من تحقيق مصالح متعددة، وإرضاء والديك أيضا.
أما إذا كنت ترين من نفسك عجزا حقيقيا عن تحقيق هذا التوازن، وكان ذلك مبنيا على تجارب واضحة ومؤشرات واقعية، وليس مجرد خوف وتوقع؛ فهنا يمكنك أن تدخلي في حوار صريح مع والديك، وتشرحي لهما هذه العوائق والأسباب بهدوء، ثم تنظرين في تغيير التخصص إلى مجال آخر تجدين فيه شغفك وقدرتك على خدمة الناس، ونفع المجتمع، وإرضاء الله، مع إعطاء الأسرة في المستقبل المساحة والاهتمام اللذين ترغبين فيهما.
ختاما: لا تنسي الاستخارة، والإكثار من الدعاء والتضرع إلى الله أن يختار لك الخير، ولا تتجاهلي رسالتك الدعوية في هذا المجال أو غيره، سواء بدعوتك الفعلية، أو التزامك الديني والأخلاقي بالحجاب والاستقامة؛ لتكوني داعية في كل مكان وموقع، بالفعل والقول والقدوة الحسنة.
وفقك الله، ويسر أمرك، وكتب لك الخير حيث كان.