أقارن نفسي بأحد أصدقائي المقربين وأفكر في المستقبل بصورة مستمرة!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أقارن نفسي دائما بأحد أصدقائي المقربين، وقد لازمتني هذه المقارنة في مراحل مختلفة من حياتي؛ في الثانوية العامة، والكلية، وحاليا في العمل وتكوين الأسرة، مع اختلاف الشخص الذي أقارن نفسي به من مرحلة إلى أخرى.

أنا حاليا أعزب، وصديقي متزوج ولديه أولاد، وأجد نفسي أقارن حالي بحاله باستمرار، ومع أن لدي القدرة على الزواج، فإنني لا أرغب في تحمل المسؤولية، وأشعر بالخوف، كما أنني أفكر في المستقبل بصورة مستمرة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

أخي الكريم، حرصك على حل هذه المشكلة يدل على أنها ترهقك نفسيا، وتسبب لك قدرا من الإزعاج والمشاعر السلبية؛ فمقارنة الإنسان نفسه بالآخرين من الأمور التي قد تسبب له الحزن والألم المستمر؛ لأن الإنسان كائن مختلف عن غيره، وظروف الناس ليست واحدة، كما أن القدرات والهمم والفرص تصنع تفاوتا طبيعيا بينهم.

وقد يحدث أن يتشابه الإنسان مع غيره في مرحلة معينة من حياته، أو تتقارب ظروفهما في وقت ما، لكن هذا التشابه لا يعني بالضرورة أن يستمر إلى الأبد، أو أن تتطابق حياتهما في كل مرحلة؛ ولذلك فإن الاستمرار في مقارنة النفس بالآخرين من أهم أسباب العجز عن تحقيق الذات، ومن أكثر الأمور التي تضعف الثقة بالنفس.

ولهذا: فإن علاج هذه المشكلة يحتاج إلى اجتهاد وصبر ومثابرة في بناء الذات وتصحيح مسار النفس، وحتى نساعدك في ذلك، نذكر لك بعض الأمور، ونسأل الله أن ينفعك بها:

• أولا: أنت ترى الظاهر، ولا تدرك الحقيقة كاملة:
عندما تقارن نفسك بالآخرين، فإنك في الغالب تقارن نفسك بما تراه منهم؛ فترى نجاحا، أو استقرارا، أو قوة، أو تميزا في جانب معين، ولكنك لا ترى ما يمر به هذا الإنسان من صراعات نفسية، ومخاوف، ومعوقات، وضغوط وصعوبات.

أنت ترى الجانب الظاهر اليسير، ولا ترى الجانب الآخر المرهق الذي ربما استنزف منه سنوات من الاجتهاد والصبر؛ فلا تعتمد على هذه الرؤية الجزئية، ولا تجعلها معيارا للحكم على نفسك أو على نجاح الآخرين؛ لأنك تقارن حياتك كاملة بجانب ظاهر ومحدود من حياة غيرك، وهذه مقارنة غير عادلة.

• ثانيا: احذر النظر إلى الآخرين بصورة مثالية:
أحيانا ننظر إلى بعض الأشخاص الذين نحبهم أو نرتاح إليهم نظرة مثالية، فنرى فيهم صفات جميلة ومميزة، وننشغل بمحاولة تقليدهم، أو الوصول إلى صورتهم التي رسمناها في أذهاننا.

لكن الحقيقة أنك لا تعرف من حياتهم إلا الجزء الذي ظهر لك، بينما ما خفي عنك أكثر بكثير؛ فتذكر دائما أن لكل إنسان حياته الخاصة، وظروفه، وصعوباته، ونقاط ضعفه، والأمور التي يجاهد نفسه فيها، حتى وإن بدا لك من الخارج في غاية النجاح والاستقرار.

• ثالثا: المثالية الزائدة قد تولد الخوف والعجز:
نظرتك المثالية إلى الجوانب الجميلة في حياة الآخرين قد تجعلك تخاف من وجود أي نقص في حياتك، وكأن عليك أن تصل إلى مستوى معين حتى تكون ناجحا أو مستعدا للزواج وتحمل المسؤولية.

وقد يكون هذا أحد أسباب خوفك من الزواج رغم قدرتك عليه؛ لأنك قد لا تخاف من الزواج نفسه بقدر ما تخاف من المسؤولية وما قد يرافقها من تقصير أو نقص، ومع استمرار هذه النظرة، تضعف ثقتك بنفسك، وتبتعد عن المواجهة وبناء ذاتك، وتجد نفسك منشغلا بمراقبة الآخرين ومقارنة نفسك بهم بدلا من تطوير حياتك أنت.

• رابعا: لا تجعل المقارنة دائما بمن هم أعلى منك:
غالبا ما تكون المقارنة بمن هو أكثر نجاحا، أو مالا، أو استقرارا، أو تميزا، بينما نتجاهل النظر إلى من هو أقل منا في بعض النعم والجوانب، وهذا له أثر كبير في النفس؛ فالمقارنة المستمرة بمن هم أعلى قد تولد السخط وعدم الرضا، بينما النظر إلى من هم أقل منك فيما أنعم الله به عليك يدفعك إلى الحمد والشكر، والحرص على المحافظة على الخير الذي عندك وتنميته وزيادته، وقد جاء في الحديث: انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم.

• خامسا: الاختلاف لا يعني النقص:
لقد خلق الله الناس مختلفين ومتفاوتين في القدرات والمهارات والصفات؛ ليكمل بعضهم بعضا، وليتميز كل إنسان في جانب ينتفع به هو وينفع به غيره؛ ولذلك فإن وجود نقص أو تقصير في جانب من جوانب حياتك لا يعني أنك تفتقد التميز في جوانب أخرى.

وكذلك إذا وجدت شخصا متميزا في جانب معين، فهذا لا يعني أنه متميز في كل جوانب حياته، والإيمان بهذه الحقيقة يجعلك تنظر إلى التفاوت بين الناس على أنه نوع من التكامل البشري الذي تقوم عليه الحياة، وليس سباقا يجب أن تكون فيه نسخة من شخص آخر.

وأما ما ذكرته من أنك قادر على الزواج، ولكنك لا ترغب في تحمل المسؤولية وتخاف من المستقبل؛ فلا تجعل زواج صديقك سببا يدفعك إلى الزواج لمجرد اللحاق به؛ فالزواج قرار يخص حياتك أنت، وليس مرحلة يجب أن تدخلها لأن شخصا في مثل عمرك سبقك إليها.

وفي الوقت نفسه، لا تجعل الخوف من المسؤولية سببا للتأجيل المستمر؛ فالمسؤولية لا يتعلمها الإنسان كاملة قبل أن يخوضها، وإنما ينضج في كثير من جوانبها بالتدرج والممارسة.

فحاول أن تحدد حقيقة مخاوفك: هل تخشى المسؤولية المالية، أم الالتزام الأسري، أم الفشل في الحياة الزوجية، أم فقدان حريتك، أم أنك تخشى المستقبل بصورة عامة؟ فتحديد مصدر الخوف يساعدك على التعامل معه، بدلا من أن يبقى الزواج كله في ذهنك أمرا مخيفا ومبهما.

أخي العزيز، اجتهد في بناء ذاتك وتعزيز الجوانب الإيجابية فيها؛ فأنت تمتلك العديد من عناصر القوة والتميز، ولكنك قد لا تراها بوضوح بسبب كثرة النظر إلى الآخرين، فلا تجعل حياتك قائمة على محاولة أن تصبح نسخة من غيرك، بينما يتقدم هو في طريقه، وتبقى أنت تابعا له في نظرتك إلى نفسك.

وتغلب على هذا كله ببناء ثقتك بالله تعالى أولا، والإكثار من الدعاء وذكر الله، والمحافظة على الصلوات، والعمل على إصلاح نفسك وتطويرها؛ فهذه الأمور تعزز في النفس الطمأنينة والثبات، وتدفعك إلى الاجتهاد والعطاء والإنجاز، ومع الوقت ستشعر أن لك شخصية مستقلة، وطريقا خاصا بك، وأهدافا تناسبك أنت، لا أهدافا صنعتها من خلال مقارنة نفسك بالآخرين.

وفقك الله، ويسر أمرك.

مواد ذات صلة

الاستشارات