أمٌّ لم تقدم الحنان وطموحات لم تتحقق وزوج لا يساند ودعاء لا يستجاب!

0 0

السؤال

أنا امرأة ولدي أربع بنات، كنت طالبة مجتهدة تتطلع إلى المستقبل، لم أكن جميلة مثل أخواتي، لذلك أردت أن أصبح شيئا يمدحني الناس عليه، ويكون إنجازا خاصا بي.

أهلي لم يساندوني قط، وأخواتي يشكين مثلي، لم نر حنانا من أمي، فهي تدافع عن الغريب وتصدقه، وتكذبنا وتحاسبنا، ولا تدافع عنا.

لم أستقر في عملي قط بسبب الظروف، فلم أحقق حلمي، وأحاول مجددا، فإن لم تكن هناك ظروف تعوقني أمرض وأترك العمل، وزوجي شخصيته ضعيفة أيضا، ولم يساندني قط؛ لأنه يريد رضا أهله.

أدعو وأدعو، ولا يستجاب لي، لم أفقد أملي في الله، ولكنني أخرج من مشكلة لتظهر أخرى، والكل يلومني.

وعندما طلب أخي، وهو سكير، من بناتي تقبيل يده على سبيل المزاح، وسب ابنتي التي عمرها 6 سنوات، فردت عليه بقولها: "أنت"، فضربها بنعاله.

فبكيت، لكن أمي لامتني وقالت: "إذا كنت ستفعلين ذلك في كل مرة، فاذهبي ولا تأتينا مجددا"، مع أنني لم آت إلا بسبب عملية ابنتي الكبيرة، فقررت أن لا أدعو مجددا؛ لأن الدعوات لا تجاب، وربما الله يكرهني؛ لأن كل من آذاني نجحوا إلا أنا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ريهام حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يجبر قلبك، ويحفظ بناتك، ويعوضك عن سنوات التعب خيرا، وأن يريك من لطفه ما يبدد عنك هذا الشعور القاسي بأنك متروكة، أو غير محبوبة.

فنحن نتفهم ما اجتمع عليك من شعور قديم بأنك أقل من أخواتك، وحرمان من حنان الأم ومساندتها، وتعثر في تحقيق طموحك، ثم زوج لم تجدي منه السند الذي كنت تنتظرينه، ثم مشكلات متتابعة، وأخ أساء إلى طفلتك، وأم لامتك بدلا من أن تنصفك؛ حتى اختلطت عليك آلام السنين وخرجت منها بنتيجة شديدة الخطورة: ربما الله يكرهني؛ لأن الذين آذوني نجحوا وأنا لم أنجح، وهذه الفكرة هي أول ما ينبغي تصحيحه فانتبهي يرعاك الله:

أولا: لا تقيسي محبة الله بما أعطاك من الدنيا أو منعك منها؛ فلو كان نجاح الإنسان في عمله وماله وراحته دليلا على محبة الله، لكان أكثر الناس دنيا أحبهم إليه، وهذا باطل، قال تعالى: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ۝ وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ۝ كلا﴾. فتأملي كلمة ﴿كلا﴾؛ فهي رد على هذا الميزان كله، ليس العطاء وحده إكراما، ولا التضييق وحده إهانة، وإنما الدنيا دار امتحان.

ثانيا: لا تقارني نفسك بمن آذاك، ثم تري حياته مستقرة فتظنين أنه ربح وأنك خسرت؛ نحن لا نعرف حقيقة حياة الناس، ثم إن إمهال الظالم أو توسعة الدنيا عليه ليست شهادة من الله بصحة فعله، قال سبحانه: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾، وقد يعطى الإنسان شيئا من الدنيا، ويكون ذلك اختبارا له، ويحرم آخر منها ويرفعه الله بصبره درجات لا يعلمها إلا هو.

ثالثا: لا تتوقفي عن الدعاء، فقولك: دعوت ولم يستجب لي يحتاج إلى مراجعة؛ لأن الإجابة ليست معناها دائما أن يعطيك الله الشيء نفسه، وفي الوقت نفسه، وبالصورة نفسها التي طلبتها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي، فلا تجعلي طول الطريق يقطع صلتك بمن بيده آخر الطريق، ادعي وأنت مفتقرة إلى الله، وليس وأنت تختبرين: دعوت كثيرا، فمتى تعطيني؟

رابعا: لا تسمحي لما حدث لك في طفولتك أن يصبح حكمك النهائي على نفسك، فقولك إنك لم تكوني جميلة مثل أخواتك، وإنك كنت تريدين أن تصبحي شيئا يمدحك الناس عليه يكشف جرحا قديما؛ فقد حاولت أن تحصلي بالإنجاز على التقدير الذي افتقدته في البيت، لكن قيمتك ليست في أن تكوني أجمل من أخواتك، ولا في أن يمدحك أهلك، ولا في وظيفة لم تستقر لك.

أنت اليوم أم لأربع بنات، ويمكن أن تحولي ما فقدته أنت إلى عطاء لهن: الحنان الذي افتقدته أعطيهن إياه، والتصديق الذي حرمته امنحيهن إياه، والدفاع الذي كنت تتمنينه كونيه لهن.

خامسا: ما فعله أخوك بابنتك خطأ لا ينبغي السكوت عنه، فطفلة في السادسة لا تضرب بالنعل؛ لأنها ردت على مزاح رجل بالغ، ومن حقك، بل من مسؤوليتك، أن تحمي ابنتك، ولكن بهدوء وحزم دون تحويل الأمر إلى قطيعة عائلية شاملة، ضعي حدودا واضحة: لا تتركي بناتك في موضع يتعرضن فيه للإهانة، أو الضرب، وإذا تكرر منه ذلك، فقللي احتكاكهن به حتى تأمني عليهن، وبر أمك لا يعني أن تسمحي لأحد بإيذاء أطفالك لإرضائها، لكن هذا بهدوء ودون إثارة مشاكل.

سادسا: لا تجعلي حياتك كلها مشروعا لتعويض الماضي، أنت لا تزالين قادرة على التعلم والعمل والإنجاز، ولكن ربما بصورة مختلفة عما تخيلته وأنت طالبة، ابدئي بما يناسب ظروفك الحالية، ولو كان صغيرا أو من المنزل، وتعلمي مهارة أو استعيدي مجالا كنت تحبينه، ولا تنتظري مشروعا ضخما يثبت للجميع أنك نجحت، فأحيانا تبدأ الحياة الجديدة بخطوة متواضعة جدا ولكنها ثابتة.

وأما زوجك، فلا تنتظري أن يتحول فجأة إلى الشخصية التي تمنيت أن تسندك في كل شيء، تحدثي معه بوضوح عما تحتاجينه منه، وخاصة في حماية بناتكم، ووضع الحدود مع الأهل، واطلبي مواقف محددة بدلا من الشكوى العامة من ضعف شخصيته.

وأخيرا: لا تقولي: الله يكرهني فلو أغلق الناس في وجهك أبوابهم فلا تجعلي ذلك سببا لأن تغلقي أنت باب الله، لقد بقيت تدعين رغم كل ما مر بك، وهذا في نفسه خير، فلا تدعي الألم يسرق منك جميل ما بقي لك من الرجاء، قولي كما قال يعقوب عليه السلام: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾، واشكي إليه ما لم يفهمه أهلك، وما لم ينصفك فيه الناس، وما عجز زوجك عن جبره.

وأنت لا تستطيعين تغيير أمك ولا أخاك ولا الماضي، لكنك تستطيعين أن تبدئي من بيتك الصغير: أربع بنات لا تجعليهن يعشن القصة نفسها التي عشتها، كوني لهن الأم التي تمنيت يوما أن تكون لك؛ ولعل هذا يكون بعض المعنى الجميل الذي يخرجه الله من سنوات الألم.

نسأل الله أن يجبرك جبرا يليق بكرمه، ويحفظ بناتك، ويصلح زوجك وأهلك، ويفتح لك بابا من الرزق والإنجاز والسكينة، ويرزقك حسن الظن به والثبات على دعائه، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات