السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا منذ سنوات كثيرة عندي إصابة بمس عاشق، تسبب لي في تعطيل كبير في حياتي، ودمرني نفسيا، وقد ذهبت إلى شيوخ كثيرين وأطباء نفسيين، ولكن دون نتيجة.
ولا أقدر على الصلاة والأذكار، وإن استمررت عليها فترة أنقطع فجأة، وقد تعبت، وأنا أعيش في عذاب، الله وحده يعلم به.
فساعدوا أخاكم المسلم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك، ونسأل الله أن يفرج كربك، ويذهب عنك ما تجد، ويعينك على ذكره، وشكره، وحسن عبادته، ويرزقك بعد هذا العناء سكينة وعافية.
فقد لفت نظرنا أنك تقول إنك منذ سنوات تعيش على يقين بأن عندك مسا عاشقا، وأنك ذهبت إلى شيوخ كثيرين ولم تجد النتيجة التي تنتظرها، حتى أصبحت حياتك كلها تدور حول هذه الإصابة. وهنا نريد أن نحررك أولا من أمر مهم؛ نحن نؤمن بالجن والمس من حيث الأصل، ولكن لا نستطيع أن نجزم بأن ما تعانيه سببه مس عاشق لمجرد تعطل بعض أمور حياتك، أو ثقل الصلاة والذكر عليك، كما أن كثرة السنوات لا تجعل هذا التشخيص يقينا.
ولذلك ننصحك حتى تخرج من هذه الدائرة بجملة من الأمور الشرعية والتربوية العملية:
• أولا: توقف عن بناء حياتك على عبارة: أنا مصاب بمس عاشق؛ فإن من أخطر آثار هذا الاعتقاد -إذا استقر بلا بينة- أن يبدأ الإنسان بتفسير كل شيء من خلاله: فإذا تعطلت مصلحة قال المس، تأخر الزواج قال المس، ضاق صدره قال المس، ثقلت الصلاة قال المس. وهكذا يشعر مع الأيام أن مخلوقا خفيا يتحكم في حياته.
وهذا غير صحيح؛ فأنت عبد لله، والجن أنفسهم تحت سلطان الله، ولا يقع في ملكه -سبحانه- شيء إلا بإذنه وقدره، قال تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله}.
• ثانيا: لا تجعل قدرتك على الصلاة والذكر اختبارا لوجود المس؛ فقولك: لا أقدر على الصلاة والأذكار يحتاج إلى مقاومة؛ لأن الصلاة فريضة لا ينبغي تركها بسبب الشعور بالثقل، فلا تنتظر أن تشعر بالنشاط حتى تصلي. بل إذا دخل الوقت فتوضأ وصل ولو كنت مثقلا، ولا تشترط على نفسك خشوعا كاملا، ولا برنامجا طويلا، ابدأ بالفرائض، ثم أذكار يسيرة تستطيع المداومة عليها.
• ثالثا: لا تتنقل بعد اليوم بين الرقاة بحثا عمن يؤكد لك التشخيص أو يعدك بموعد لانتهاء الإصابة، فأرق نفسك بنفسك؛ واقرأ الفاتحة، وآية الكرسي، والإخلاص، والمعوذتين، واقرأ من سورة البقرة بحسب استطاعتك، وحافظ على أذكار الصباح والمساء والنوم، والرقية ليست معركة تحتاج إلى صراخ، وضرب، واستنطاق للجن، وإنما قرآن، ودعاء، وتوكل على الله.
• رابعا: لا تراقب جسدك أثناء الرقية بحثا عن العلامات؛ فقد يشعر الإنسان بتثاؤب، أو ضيق، أو رجفة، أو حرارة، أو تنميل، أو رغبة في البكاء، ولا يجوز أن نجعل كل عرض منها دليلا قاطعا على وجود الجن. فاقرأ القرآن لتتعبد لله، وتستشفي بكلامه، لا لتختبر في كل مرة: هل تحرك شيء في جسمي أم لا؟
• خامسا: احذر أن يحملك طول البلاء على سوء الظن بالله؛ فقولك إنك تعيش في عذاب مفهوم من شدة ما تجد، ولكن لا تجعل الشيطان ينتقل بك من ألمك إلى اليأس من ربك، قال سبحانه: {ولا تيأسوا من روح الله}. وقد تتأخر العافية وتبقى أبواب من الخير مفتوحة لا يراها الإنسان لانشغاله بباب واحد مغلق.
• سادسا: أعد بناء حياتك بعيدا عن قضية المس؛ اخرج من البيت، واعمل إن استطعت، وخالط الصالحين، وصل في المسجد، ومارس حياتك، واسع في الزواج، والرزق، والعمل، ولا تقل: لن أبدأ حياتي حتى أشفى من المس. ابدأ حياتك الآن، وما استطعت إصلاحه فأصلحه؛ فالانشغال بالحياة النافعة والتصدي للطاعة والعمل من أعظم ما يضعف استيلاء هذه الفكرة عليك.
وأخيرا: لا نريد منك برنامجا مرهقا تبدأه بحماس، ثم تنقطع عنه كما ذكرت، ابدأ بالقليل الدائم: الصلوات الخمس في أوقاتها، وآية الكرسي بعد الصلاة وقبل النوم، والمعوذات، وأذكار الصباح والمساء، وورد من القرآن تستطيع الاستمرار عليه، مع الدعاء: اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما.
ولا تجعل همك أن تثبت هل فيك مس عاشق أم لا؛ بل اجعل همك أن تسترد علاقتك بالله وحياتك التي استنزفها هذا الخوف سنوات؛ فإن كان بك أذى فالقرآن والذكر والدعاء من أعظم أسباب دفعه بإذن الله، وإن لم يكن بك ذلك، فقد ربحت العبادة، والسكينة، والقرب من الله في كل حال.
والله الموفق.