السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا محتاج لأن أتحدث عن أمر أمر به، ولا أعرف كيف أخرج منه، وأتمنى أن تساعدني -يا شيخنا- بكلام يريحني، ويجعلني أفهم ما يحدث معي من الناحية الشرعية.
منذ فترة تنتابني حالة تتكرر كل حين، وهذه تقريبا المرة الخامسة أو السادسة؛ فجأة أبدأ في التفكير بشكل عميق جدا في وجودي، وفي الحياة، والموت، والآخرة، وتكبر الأفكار حتى تتحول إلى خوف شديد جدا.
أكثر فكرة ترعبني هي شعوري بأنني محبوس في الوجود، وأنني مسلوب الإرادة، وأنني لم أختر أصلا أن أخلق، وبالتالي أعيش، وأموت، وأبعث بدون أن يكون لي اختيار كامل.
ثم بدأت أفكر في الأبدية، وأخاف من فكرة أن أعيش إلى الأبد، وأقول لنفسي: هل سأكون مجبرا على الوجود للأبد؟ وهل يمكن أن أشعر بالملل، أو أشعر أنني محبوس حتى في الجنة؟
وتأتي أفكار أخرى مرعبة مثل: هل خلقنا الله ليعذبنا؟ أو هل نحن محبوسون في الدنيا ثم سنحبس في الجنة للأبد؟ وأنا لا أحب هذه الأفكار، ولا أريدها، بل على العكس هي تخيفني جدا، مع أنني أحب الحياة جدا، وأريد أن أعيش.
وأحيانا أبحث عن أشخاص مروا بنفس الأفكار، أو أبحث عن إجابات، فأشعر براحة مؤقتة، ثم تعود الأفكار من جديد.
هذا الموضوع عندما ينتابني لا أعرف كيف أنام، ويزداد الأمر، وتستمر الأفكار في دماغي طوال الليل، وعندما يحدث لي ذلك أتناول قرصا اسمه "كويتابكس ٢٥"؛ ليساعدني على النوم، ومع الوقت يهدأ الموضوع، وأعود لطبيعتي.
ولكن ما جد هذه المرة أنني لا أستطيع النوم نهائيا، وعندما أنام أستيقظ أكون خائفا ومرعوبا أكثر، وحاليا أنا لا أعرف ماذا أفعل، ولا أين أهرب؟
الموضوع أصبح شاقا جدا على عقلي وقلبي؛ فأنا خائف جدا.
أنا لا أريد أن أدخل في جدال فلسفي لا ينتهي، ولا أريد أن أظل أبحث كل يوم عن إجابة جديدة، أنا فقط أريد أن أفهم: هل الصورة المرعبة التي يرسمها عقلي عن الوجود، والقدر، والأبدية صحيحة أصلا؟ وهل أنا أفهم هذه الأمور بطريقة خاطئة؟ وهل هذه الأفكار يمكن أن تكون مجرد وساوس وليست حقيقة؟
أتمنى من حضرتك أن تشرح لي الأمر بطريقة بسيطة وواضحة من منظور الإسلام، وتطمئنني، وتريح عقلي من هذا التفكير، وتساعدني لأفهم أنني لست محبوسا كما أشعر، وأن أفكاري الحالية لا تعكس بالضرورة الحقيقة، وأنني أستطيع أن أعود لأعيش حياتي بشكل طبيعي، بدل أن أظل عالقا في الدائرة نفسها.
وجزاكم الله عني خيرا، ونفع الله بعلمكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ معتز حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يدفع عنك كل سوء ومكروه، وأن يرزقك السعادة في دنياك وفي آخرتك.
وبداية نقول -أيها الحبيب-: إن الصورة التي يرسمها لك عقلك من أنك محبوس في الوجود، ومجبر على أبدية، هذه الصورة ليست هي التصور الإسلامي الصحيح للحياة، سواء الحياة الدنيا، أو الحياة الأخروية في الجنة.
وأنت في هذه المرحلة -أيها الحبيب- تنظر إلى الوجود من خلال حالة الخوف، فتتحول أعظم النعم إلى شيء مرعب، وحتى تتضح لك الصورة، ويسهل التصور: لك أن تتصور حالة المريض الذي يكره الطعام؛ فهو يكره الطعام بسبب العلة والمرض الموجود في جسده، وليس لأن الطعام في نفسه مؤذ وضار.
والله -سبحانه وتعالى- لم يخلقنا في هذه الحياة ليعذبنا، أو يوقعنا في سجن، كما تحاول هذه الأفكار أن تصور لك، بل خلقنا -سبحانه وتعالى- لحكمة عالية، وأعطانا عقلا، وإرادة، وقدرة على الاختيار، وكلفنا ببعض التكليفات؛ ليختبر اختياراتنا، ثم رتب على ذلك -سبحانه وتعالى- الجزاء في الدار الآخرة.
فمن اختار طريق الإيمان، والإسلام، والطاعة، والإذعان لله تعالى، أثابه الله تعالى، وجازاه بما يستحقه من الثواب والنعيم، ومن عصى الله تعالى -والعياذ بالله- وعانده، جازاه بمقتضى اختياره هو وعمله.
فخوفك من الأبدية والجنة أيضا مقارنة خاطئة بين تجربة الدنيا الناقصة، وطبيعتها القائمة على الابتلاء والاختبار، وبين دار النعيم التي أعدها الله تعالى للذة والراحة، فقد قال -سبحانه وتعالى- عن الجنة: {لا يمسهم فيها نصب}، وقال: {لهم ما يشاءون}.
فالمقارنة بين دار الدنيا وما فيها من آلام وهموم وأحزان، وبين الجنة، والحكم على أن العيش في الجنة أيضا يكون مثل هذا العيش الذي يعيشه الإنسان في الدنيا، هذا التصور لا شك ولا ريب أنه غير مطابق للحقيقة.
ولهذا نحن ننصحك -أيها الحبيب- بألا تدور في هذه الدائرة نفسها، وألا تستسلم لهذا الخوف الشديد؛ فالبحث المتكرر عن إجابات لهذه الأسئلة قد يورثك ارتياحا قليلا، ثم يعود الخوف من جديد في دائرة وسواسية لا تنتهي.
وواضح من كلامك أن هذه الأفكار تجعلك أيضا تعيش حالة من التناقض؛ فأنت في الوقت نفسه الذي تشعر بأنك محبوس، وأنك تخاف من الأبدية المرعبة، في الوقت نفسه تحب الحياة.
فهذا دليل واضح على أن هذه أفكار وسواسية فقط، والمطلوب منك ألا تتفاعل معها، وإذا أردت أن تريح نفسك من هذه الحال، فالمطلوب منك أن تعرض تمام الإعراض عن هذه الأفكار، وألا تعيرها أي اهتمام، بل المطلوب أن تحقرها، وتنصرف عنها، وتشغل ذهنك بالتفكير في غيرها، وبهذا ستسلم من شرورها، وستتخلص منها عن قريب -بإذن الله تعالى-.
وننصحك بجانب هذا أن تستعين بالأطباء، وترى ما عندهم من الأسباب المادية لإعادة الاعتدال لجسمك، وتصحيح مزاجك، وربما استفدت منهم بعض التمرينات التي تعينك على الانصراف عن هذه الأفكار، والتخلص منها.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.
____________________________________________
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد الفودعي -مستشار الشؤون الأسرية والتربوية-
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون المبيض -استشاري الطب النفسي-.
____________________________________________
نرحب بك -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك ثقتك بموقعنا، وبهذا السؤال، والذي أجابك عليه من الناحية الشرعية بشكل رائع الفاضل الدكتور/ أحمد الفودعي.
أخي الفاضل، لا شك أن ما تعانيه من هذه الأسئلة الفلسفية، حيث تدخل فيها ولا تستطيع أن تخرج منها، إنما هي أفكار وسواسية قهرية؛ بمعنى أنها أفكار تلح عليك، مع أنك -كما ذكرت- لا تحبها ولا تريدها، ولكنها تفرض نفسها عليك، وهذا هو لب تعريف الوسواس القهري.
أخي الفاضل، في كثير من الأحيان قد لا نعلم لماذا حدثت عندك هذه الأفكار الوسواسية القهرية؛ فربما لها علاقة بالتربية، والتنشئة، والظروف الاجتماعية التي تعيشها، بالإضافة إلى الجانب العضوي، حيث يحدث اختلال في بعض النواقل العصبية في الدماغ، وبالتالي ينتج عن هذا مثل هذه الأفكار القهرية.
بعض الناس يعانون ليس فقط من الأفكار، وإنما أيضا الأعمال القهرية، ولكن يبدو أن ما تعاني منه هو هذه الدائرة من الأفكار والأسئلة التي تبدأ ولا تنتهي، ومن الطبيعي ولا غرابة في أنك تبحث -أخي الفاضل- عن الطمأنينة لتريح نفسك من هذا.
بالإضافة إلى النصائح والتوجيهات التي ذكرها لك الفاضل الدكتور/ أحمد الفودعي، فقد أصبح علاج الأفكار الوسواسية القهرية ممكنا في عيادة الطب النفسي.
لاحظت من سؤالك أنك تتناول دواء "الكويتابكس - Kwiktepaks"، وهو من أسرة الكويتيابين (Quitiapine)، وأنت تأخذ (25 ملجم)، أنا لا أعتقد أن هذا سيعالج عندك الأفكار الوسواسية، وأنا أنصحك بأن تستبدل هذا بأحد الأدوية المضادة للوسواس القهري، ومنها دواء "البروزاك - Prozac".
نحن نبدأ عادة بـ (20 ملجم)، ومعظم الناس تكفيهم هذه الجرعة، ولكن في بعض الحالات الصعبة قد نحتاج إلى زيادة الجرعة من (20) إلى (40)، والجرعة الأعلى (60)، ولكن -كما ذكرت لك- كثير من الناس يتحسن جدا على حبة واحدة من "البروزاك"، التي تعيد بعض التوازن في النواقل العصبية في الدماغ.
أيضا هذا "البروزاك" هو معالج للاكتئاب أيضا، فلأن بعض الذين يعانون من الأفكار القهرية يدخلون بحالة من الاكتئاب النفسي. أدعوك ألا تتردد أو تتأخر في زيارة العيادة النفسية لنؤكد التشخيص، ثم تبدأ الخطة العلاجية التي سيصفها لك الطبيب.
أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية.