السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حياكم الله، وبارك فيكم، وأعزكم، وجزاكم الله كل خير.
أعاني من الاكتئاب، والقلق، والوسواس القهري، والرهاب الاجتماعي، بالإضافة إلى عدم الثقة بالناس، والعزلة الدائمة، وعدم القدرة على الخروج من المنزل، كما أعاني من تسارع ضربات القلب، والرجفة، والتوتر.
راجعت طبيبا نفسيا، فوصف لي زوليسر (50 ملغ)، وقد بدأت في الأسبوع الأول بجرعة (25 ملغ)، ثم رفعتها إلى (50 ملغ)، كما وصف لي إندرال (10 ملغ) صباحا وعصرا.
في الأسبوع الأول من تناول زوليسر، عانيت من بعض الأعراض، مثل: التعب، والإرهاق، والخمول، والصداع، والتعرق، وفي الأسبوع الثاني، بدأت هذه الأعراض تخف تدريجيا، وأصبحت تظهر يوما وتختفي يوما، ثم خفت بصورة أكبر مع مرور الوقت.
أما بالنسبة إلى إندرال، فقد شعرت بأنه خفف التوتر وتسارع ضربات القلب، لكنني لم أشعر بتحسن واضح في الأعراض النفسية مع زوليسر، ومع ذلك، حدث معي -بين الأسبوعين الثالث والرابع- أمر غريب، فقد استيقظت في أحد الأيام، وشعرت بهدوء، وطمأنينة، وسكينة، وراحة نفسية واضحة، وكأن التوتر قد اختفى، لكن هذه الحالة اختفت في اليوم التالي، ولم تتكرر بالصورة نفسها.
أكملت أربعة أسابيع من العلاج، ثم راجعت الطبيب، وبما أنه لم يحدث تحسن واضح، طلب مني أن أنتظر أسبوعا آخر، فإذا لم يحدث تحسن، أخفض جرعة زوليسر تدريجيا مدة أسبوع، ثم أبدأ في تناول سيبرالكس بجرعة (5 ملغ) مدة أسبوع، وبعد ذلك أرفعها إلى (10 ملغ).
كما أنني أعاني حاليا من الرجفة، وأشعر بأنني تعبت نفسيا جدا، ووصلت إلى مرحلة شديدة من اليأس، وندمت على تناول الدواء.
وأريد أن أسأل:
• هل الأعراض التي عانيت منها في الأسبوع الأول -مثل الخمول، والصداع، والتعرق، والتعب، والإرهاق- تعد من الآثار الجانبية الطبيعية للدواء؟ وهل بدء تراجعها في الأسبوع الثاني أمر مطمئن؟
• هل عدم الشعور بتحسن واضح بعد أربعة أو خمسة أسابيع من تناول زوليسر أمر طبيعي، ولا سيما أنني شعرت براحة وطمأنينة واضحتين مدة يوم واحد، ثم اختفتا؟
• هل الانتقال من زوليسر إلى سيبرالكس بالطريقة التي وصفها الطبيب أمر معتاد؟
• ما سبب الرجفة التي أعاني منها؟ وهل يمكن أن تكون ناتجة عن القلق أو الدواء؟
• هل من الأفضل أن أستمر أسبوعا إضافيا -كما طلب مني الطبيب-، أم أراجع طبيبا نفسيا آخر؟
• والأهم من ذلك: كيف أتعامل مع حالة اليأس الشديدة التي وصلت إليها؟
أرجو توضيح ما إذا كانت هذه الأعراض والتطورات تتماشى مع بداية العلاج، ومتى يفترض -عادة- أن يبدأ التحسن في مثل حالتي؟
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك في استشارات إسلام ويب.
رسالتك واضحة -أخي الكريم-، وهي أنك تعاني من قلق المخاوف والوسواس، وأن الجانب الاجتماعي هو المهيمن أكثر على حالة القلق التي لديك.
وبادئ ذي بدء، لا بد أن تهتم بالعلاج السلوكي والعلاج الاجتماعي، فالعلاج الدوائي سهل جدا، ويسهم بنسبة تتراوح بين (50%) و(60%) من المكونات العلاجية المطلوبة، أما بقية العلاج فتعتمد على الشخص، ومدى تفاعله سلوكيا واجتماعيا بصورة إيجابية.
فيا أخي الكريم، هذه نصيحتي لك، وأقصد بالعلاج السلوكي -أولا- تحقير فكرة المخاوف والوسوسة، وتجنب تحليل الوساوس، وألا تتركها تستحوذ عليك.
وثانيا: يجب أن تحسن إدارة وقتك، فالفراغ الذهني والزمني من أكبر العوامل التي تساعد على استحواذ الوساوس والخوف والقلق، وأنت ذكرت أنك لا تعمل، فنسأل الله تعالى أن يهيئ لك عملا، أو دراسة، أو أي أمر آخر مفيد لك، لكن لا بد أن تحسن إدارة وقتك، وتتجنب النوم النهاري والسهر، وتمارس الرياضة، وتقرأ وتطلع.
واحرص على أداء الصلوات الخمس في المسجد؛ فهذا يساعدك على علاج الرهاب والخوف الاجتماعي؛ لأن المسجد -حقيقة- مكان للاطمئنان.
أخي الكريم، يجب أن تكون الرياضة -كما ذكرت لك- جزءا رئيسيا من حياتك، وكذلك تمارين نسميها تمارين الاسترخاء، وسوف تجدها موضحة بصورة جلية في مقاطع كثيرة على موقع يوتيوب.
أما بالنسبة إلى العلاج الدوائي، فعقار زولوسير "Zolosyr"، الذي يحتوي على سيرترالين "Sertraline"، من أروع الأدوية التي تعالج قلق المخاوف، والوساوس، والرهاب الاجتماعي، وقد أحسن الطبيب في اختيار هذا الدواء.
أما بالنسبة إلى الآثار الجانبية التي ذكرتها -أخي الكريم-، فمن المعروف أن هذا الدواء قد يسبب في بداية تناوله بعض الآثار الجانبية، مثل: الخمول، والصداع، والتعرق، والتعب، والإرهاق، كما يختلف الناس في تفاعلهم مع الأدوية، وقد يزيد القلق ومراقبة الجسد من شدة الإحساس بهذه الأعراض.
وغالبا ما تخف هذه الآثار الجانبية بالتدريج مع استمرار العلاج -كما حدث في حالتك-؛ ولذلك، فإن بدء تراجعها في الأسبوع الثاني يعد أمرا مطمئنا.
أما عدم شعورك بتحسن واضح بعد أربعة أو خمسة أسابيع، فلا يعني بالضرورة أن العلاج قد فشل؛ لأن الاستجابة تختلف من شخص إلى آخر، وقد يحتاج التحسن الواضح إلى مدة أطول، بحسب الجرعة والحالة، أما شعورك بالراحة والطمأنينة يوما واحدا، ثم اختفاء ذلك في اليوم التالي، فلا ينبغي أن يجعلك تراقب حالتك يوما بيوم؛ لأن التحسن في بدايته قد يكون متذبذبا، والعبرة بالتحسن العام المستمر مع مرور الوقت.
والذي يظهر لي أن لديك درجة عالية من اليقظة ومراقبة الذات؛ وهذا ما يجعلك تتحسس كل عرض نفسي أو جسدي، حتى وإن كان بسيطا، وهذا ليس مرضا في حد ذاته، وإنما هو من الظواهر التي نشاهدها كثيرا، ويعالج ذلك بممارسة الرياضة وتمارين الاسترخاء، وعدم الانشغال بمراقبة الأعراض.
أيها الفاضل الكريم، أعتقد أن خطوة تغيير الدواء خطوة جيدة، لأن إسيتالوبرام "Escitalopram"، المعروف تجاريا باسم سيبرالكس "Cipralex"، دواء رائع جدا أيضا لعلاج المخاوف، والقلق، والوساوس، ولا سيما الرهاب الاجتماعي، كما أنه محسن للمزاج.
وكثير من الأشخاص الذين لا يتحملون زولوسير يتحملون سيبرالكس، وطريقة الانتقال من الدواء الأول إلى الثاني -بالصورة التدريجية التي وصفها طبيبك- طريقة معتادة، لكن يجب أن تتم تحت إشرافه، ومن دون زيادة الجرعات أو خفضها بصورة ذاتية.
وما ذكره لك الطبيب صحيح، وأنا أؤيده، وقد يرى طبيبك بعد مدة أنك تحتاج إلى رفع جرعة سيبرالكس إلى (20 ملغ)، وتناولها مدة معينة، ثم خفضها إلى (10 ملغ)، لكنني أترك تحديد الجرعة والمدة لطبيبك، فمن الواضح أنه طبيب مقتدر، ولا أرى -في الوقت الحالي- ما يستدعي الانتقال إلى طبيب آخر، ما دمت تتابع معه، وتستطيع إخباره بما يطرأ عليك من أعراض.
أما الرجفة -أخي الكريم-، فقد تكون ناتجة عن القلق وزيادة إفراز الأدرينالين، وقد ترتبط أحيانا بالدواء أو بكثرة تناول الكافيين، وعقار إندرال "Inderal"، الذي يحتوي على بروبرانولول "Propranolol" (10 ملغ)، من العلاجات المستخدمة لتخفيف هذه الأعراض، إلى جانب ممارسة الرياضة وتمارين الاسترخاء، وتقليل كمية الكافيين التي تتناولها، بمعنى أن تقلل من شرب الشاي والقهوة.
وسيكون من الجيد أيضا أن تجري بعض الفحوصات التي تشمل وظائف الغدة الدرقية؛ لأن زيادة إفراز هرمونات الغدة الدرقية قد تؤدي -في بعض الأحيان- إلى رجفة اليدين والقلق.
وهذا الإجراء إنما هو من باب التحوط الطبي، ومن الأفضل أن تقوم به دون أن يسبب لك أي قلق أو انشغال، وبذلك أكون قد أجبت عن معظم أسئلتك المتعلقة بالدواء، والاستمرار عليه، وأسباب القلق والرجفة.
أما سؤالك: كيف أتعامل مع حالة اليأس الشديد؟
فيمكنك أن تتعامل مع اليأس من خلال إدراك أن حياة الإنسان -من الناحية السلوكية- تقوم على الأفكار والمشاعر والأفعال، وأن لكل شعور ما يقابله، فاليأس يقابله الرجاء والأمل، والأمل -ولله الحمد- له أبواب كثيرة في حياتنا، وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدعو الإنسان إلى الرجاء وحسن الظن بالله.
ويمكنك أيضا أن تتعامل مع اليأس بأن تتذكر دائما إيجابياتك -أيها الفاضل الكريم-، فأنت في عمر جميل، وفي بداية الشباب، وقد وهبك الله تعالى كثيرا من القدرات والمهارات، فلا تجعل اليأس يستحوذ عليك.
كذلك، يحارب اليأس بالفاعلية والإنجاز، بأن تكون إنسانا نافعا لنفسك ولغيرك، وهذا ما ركزنا عليه كثيرا في هذه الاستشارة، فأرجو أن تنتهج هذا المنهج، وأن تنظم حياتك بصورة إيجابية، وتستثمر وقتك فيما يعود عليك بالنفع.
ومع تناول الدواء، والالتزام بالإرشادات العلاجية، والتواصل المنتظم مع طبيبك، سوف يساعدك ذلك كثيرا -بإذن الله تعالى- على تجاوز هذه المشاعر، أما إذا تحول اليأس إلى أفكار عن إيذاء النفس أو تمني الموت، فيجب أن تخبر طبيبك وأحد أفراد أسرتك فورا، وأن تطلب المساعدة الطبية العاجلة.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.