عندما لا أصرف الأدوية لمن لا يستحق يغضب، فكيف أتصرف؟

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طبيب بشري أعمل في وحدة طبية، ويقطع المراجعون تذكرة بقيمة خمسة جنيهات، لكن بعضهم يريد الحصول على الأدوية فقط، من دون استحقاق، أو يطلب أدوية إضافية لا يحتاج إليها.

فعلى سبيل المثال: أنا أفحص المريض بضمير، رغم أن بعض من يدخلون إلي لا يريدون الخضوع للفحص، وإنما يريدون مني أن أكتب لهم الأدوية التي يطلبونها من دون مناقشة، لكنني لا أفعل ذلك، بل أفحصهم، وأكتب لكل مريض العلاج المناسب لحالته فقط، وأرفض إضافة أي دواء لا يستحقه.

وهذا يجعلني أدخل يوميا في صراعات مع المراجعين، فقد أصبح كل مريض يجادلني ويفاوضني طويلا؛ مما يستنزفني نفسيا، كما أن بعضهم يسبني بعد خروجه من عندي؛ لأنني أرفض إضافة الأدوية التي يطلبها!

وأصبحت أتعصب يوميا، وأرفع صوتي على الناس بسبب هذه الجدالات، فهل أكون آثما لأنني أستغل موقعي طبيبا، فأرفع صوتي عليهم، رغم أن غضبي ناتج عن رفضي ارتكاب الخطأ؟

وهل من الطبيعي أن أتعرض لهذا الاستنزاف يوميا؟ فأنا أنتهي من العمل في العيادة منهكا نفسيا، ومصابا بالصداع بسبب هذه الجدالات.

وإذا ذهبت إلى الوحدة، وجلست في مكان آخر غير العيادة، واكتفيت بإثبات حضوري في الدفتر من دون أن أفحص المرضى، تجنبا لهذه الصراعات، فهل أكون مخطئا أو آثما؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ إسلام حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يعينك على أداء الأمانة، وأن يرزقك الحكمة والصبر، ويكتب لك أجر ما تبذله في خدمة الناس.

فالمشكلة عندك ليست في رفضك صرف ما لا يستحقه المريض، فهذا من الأمانة التي تحمد عليها، وإنما المشكلة في الطريقة التي تحمي بها هذه الأمانة من أن تستنزفك، أو تدفعك إلى ما لا يليق من الغضب والصياح.

وأنت بين حقين: حق العمل والمال العام، وحق المراجع في المعاملة الحسنة، فلا يصح أن تحفظ أحدهما بإضاعة الآخر، ولذلك: دعنا نجيبك عن أسئلتك من خلال ما يلي:

• أولا: أنت محق في ألا تكتب علاجا لا يحتاج إليه المريض، ولا يجوز أن تتحول التذكرة التي دفع ثمنها إلى حق مفتوح في أخذ ما يشاء من الأدوية؛ لأن ما تحت يدك أمانة ومال عام، ولست مالكا له حتى تجامل به أحدا، قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلىٰ أهلها}، وما دمت تفحص المريض، وتكتب له ما يحتاج إليه بحسب علمك وأمانتك، فقد أديت واجبك، ولا إثم عليك في غضبه بسبب عدم إعطائه ما لا يستحقه.

• ثانيا: كون سبب غضبك صحيحا لا يجعل كل صورة من صور الغضب صحيحة، فمن حقك أن تكون حازما، وليس من حقك أن تهين الناس، أو تسبهم، أو تتعمد الصياح عليهم، وقد قال النبي ﷺ: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه، فإن ارتفع صوتك أحيانا تحت ضغط شديد، من غير سب ولا ظلم، فاستغفر الله، وحاول إصلاح طريقتك، أما أن يصبح الصياح أسلوبا يوميا، فلا ينبغي أن تستسلم له بحجة أنك تدافع عن الحق.

• ثالثا: لا تدخل في مفاوضات طويلة مع كل مريض؛ فهذا أحد أسباب إنهاكك، واجعل لك عبارة ثابتة وهادئة، مثل: أنا ملزم بأن أكتب لك العلاج الذي تحتاج إليه فقط، ولا أستطيع صرف دواء لا تحتاج إليه، فإن كرر طلبه، فلا تدخل معه في عشر جولات لإقناعه، بل كرر موقفك بأدب، وانه الأمر، فليس مطلوبا منك أن يخرج كل مريض مقتنعا بك، وإنما المطلوب أن يخرج وقد أديت حقه، ولم تظلمه.

• رابعا: ما تجده من استنزاف بعد عشرات المجادلات اليومية أمر مفهوم؛ ولهذا، تحتاج إلى تغيير طريقة إدارتك للموقف، لا إلى ترك العمل نفسه، فكلما دخلت مع المراجع في شد وجذب، ثم حاولت إثبات أنك على حق وأنه مخطئ، استهلك ذلك منك جزءا جديدا من طاقتك؛ ولذلك: اختصر النقاش، واخفض صوتك عمدا حين يرفع الآخر صوته، وإذا تجاوز أحد المراجعين حدوده، فاستعن بالنظام والمسؤولين، بدلا من تحويل غرفة الكشف إلى خصومة شخصية.

• خامسا: أما أن تذهب إلى الوحدة، وتثبت حضورك، ثم تجلس في مكان آخر، متعمدا عدم فحص المرضى حتى تتجنب التعامل معهم، فلا يجوز لك ذلك إذا كان عملك في هذا الوقت يوجب عليك استقبالهم؛ لأن الراتب مقابل أداء العمل، لا مجرد إثبات الحضور، ولن يكون من الصواب أن يمنعك حرصك على أمانة الدواء من أداء أمانة الوظيفة نفسها، فإن كان الضغط فوق طاقتك، فاطلب من المسؤولين تنظيما أفضل للعمل، أو توزيعا للمراجعين، أو نقلا إلى موضع آخر إن أمكن، لكن لا تعالج خطأ الناس بالتقصير في حق العمل.

• سادسا: يمكنك -بعد التنسيق مع إدارة الوحدة- أن تضع لافتة واضحة بأسلوب لطيف، تذكر فيها: أيها المراجعون الأفاضل، حرصا على سلامتكم وحسن خدمتكم، توصف الأدوية وفقا للتشخيص الطبي، ومدى حاجة المريض إليها، وما هو متاح منها، مع مراعاة التكلفة المادية قدر الإمكان، ونعتذر عن وصف أي دواء لا تستدعيه الحالة الطبية، فسلامة المريض وأمانة المهنة مسؤوليتنا، فقد تساعد هذه اللافتة على توضيح الأمر مسبقا، وتقليل النقاش والجدال داخل غرفة الفحص.

• سابعا: لا تجعل إساءة بعض المراجعين تغير الطبيب الذي تريد أن تكونه، بل افحص بضمير، واكتب الدواء المستحق، وارفض غير المستحق، لكن افصل بين الحزم والغضب، واعلم أنك لست مطالبا بإرضاء المريض على حساب الأمانة، كما أنك لست محتاجا إلى خوض معركة معه حتى تؤديها.

فلتكن منك كلمة هادئة، وقرار واضح، ونقاش قصير، ثم انتقل إلى المريض التالي، وإذا خرج أحدهم غاضبا لأنك لم تعطه ما لا يستحقه، فليس كل غضب من الناس دليلا على خطأ منك، فقد يكون ثمن الأمانة -أحيانا- ألا يرضى عنك من أراد منك أن تخالفها.

نسأل الله أن ييسر أمرك، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات