السؤال
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هل هناك إنسان قليل الحظ في هذه الدنيا، أم أنه كان محظوظا في فترة طفولته ومراهقته، ثم لم يمض معه شيء على نحو صحيح بعد سن الثامنة عشرة؟
أنا إنسانة شعرت بأن التعسير بدأ في حياتي منذ بلغت الثامنة عشرة؛ فقد درست تخصصا لم أكن أطمح إليه وقلت: "لعله خير"، وبعد التخرج من الجامعة لم أوفق في الحصول على وظيفة وقلت: "لعله خير"، ثم لم أوفق في الزواج رغم أن جميع صديقاتي تزوجن وقلت: "كل تأخيرة وفيها خير"، إلى أن خطبت لشخص يقيم في بلد بعيد، خطبة كلامية دون عقد قران.
وأنا على هذا الحال منذ سنتين والعمر يمضي، وفي النهاية أصابني ألم في عيني، وبعد التحاليل والفحوصات تشخصت بمرض التصلب المتعدد (MS)، رغم أنني لا أشتكي من أي مشاكل جسدية وصحتي -ولله الحمد- ممتازة.
لكن الخبر نزل علي كالصاعقة لأنه جاء فجأة ودون سابق إنذار، فحمدت الله وشكرته وقلت: "لعله خير"، ولكن قلبي يؤلمني كلما تذكرت الأحداث التي مررت بها وتساءلت: لماذا كل هذا التعسير؟
أنا أعترف بأنه مرت أيام من حياتي لم أكن أصلي فيها، خاصة بعد سن الثامنة عشرة لأنني عانيت من الاكتئاب، وعندما كبرت قليلا واستجمعت نفسي وحسنت نفسيتي يحدث معي هذا! لقد كنت أرفض العلاقات المحرمة في الجامعة رغم أنها كانت كثيرة من حولي، وأقول: "من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه"، وأنا على يقين تام بهذا الكلام.
استمرت التعسيرات تترادف علي، فذهبت إلى راقية وعملت عندها حجامة، وكانت تقول لي: "أنت محسودة حسدا شديدا منذ سنوات، وهناك عيون كثيرة في جسدك". كلام من حولي من الناس يؤكد أنني جميلة، وكنت متفوقة أكاديميا، ومميزة في العائلة، فماذا استفدت أنا؟ سوى عين، وحسد، وحزن، واكتئاب، وضيق، وفي النهاية مرض مناعي، مع العلم أننا من كلا الجانبين -الأم والأب- لا نمتلك أمراضا مناعية، حتى إن الأطباء استغربوا من الحالة، فلا توجد أعراض، ولا تاريخ مرضي، والتشخيص هو (MS).
هل يمكن أن يكون هذا بسبب حسد أو سحر والعياذ بالله؟
لقد كنت بعيدة عن الله ولا أقرأ الأذكار، ومغرورة بنفسي قليلا، ولكنني كنت صغيرة وطائشة! وحتى خطيبي وضعه صعب ويحتاج إلى سنة أخرى في الخطوبة وسنة بعد ذلك ليستطيع تجهيز البيت، وأنا لا أستطيع تركه لأنه يحبني حبا جنونيا، وفي الوقت نفسه العمر يمضي، وكان الخطاب يتقدمون لخطبتي، ثم تتفركش الأمور فجأة ودون سبب.
ومع ذلك فإن ظروفه صعبة، حتى إنه متزوج في البلد الذي يقيم فيه من أجل الحصول على الجنسية! لقد تعبت نفسيتي من التفكير، وأرهقني الموقف كثيرا، وأشعر أنني لو تزوجت واستقررت قد تتحسن حياتي؛ لأنني حاليا في حالة ضياع، وقد بلغت التاسعة والعشرين من عمري مؤخرا وسأبدأ في الثلاثين.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ Leena حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يربط على قلبك، ويعوضك عن سنوات الانتظار خيرا، ويجعل ما مر بك بابا إلى حياة أهدأ وأقرب إليه، أما بعد:
فليس في ميزان الإسلام إنسان خلقه الله قليل الحظ، ثم كتب عليه أن تتعثر حياته كلها، كما أن اجتماع عدة أمور مؤلمة في سنوات متقاربة لا يعني أن الله قد أغلق أبواب الخير في وجهك -كما ظننت-.
والمشكلة أن الإنسان حين تتوالى عليه الخيبات، يبدأ -بعد مدة- في جمعها في قصة واحدة، وهذا ما حدث معك: تخصص لم أرده، ووظيفة لم أحصل عليها، وزواج تأخر، ومرض ظهر، إذا كل شيء في حياتي يتعسر، ثم تصبح الأشياء الجميلة التي ما زالت لديه أصغر في عينه من الأشياء التي فقدها، ولكي تنظري إلى حياتك بعين أعدل، انتبهي إلى ما يلي:
• أولا: عبارة لعله خير التي كنت تقولينها ليست وعدا بأن الخير سيظهر فورا في الصورة التي تريدينها، قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}، فقد يكون الخير في شيء حرمت منه، أو شر صرف عنك، أو إيمان نما فيك، أو أمر لن تدركي حكمته إلا بعد سنوات، فلا تحولي عبارة لعله خير إلى معادلة معناها: صبرت اليوم، إذا يجب أن يعوضني الله غدا بما أريد.
• ثانيا: لا نرى مسوغا لأن تجمعي كل ما حدث لك تحت عنوان الحسد أو السحر، نعم العين حق، والسحر حق، والتحصين والرقية مشروعان، لكن لا يستطيع أحد أن يقول لك: إن تأخر الزواج، أو تعطل العمل، أو المرض، سببه عيون كثيرة في جسمك، فهذه أمور غيبية لا تثبت بمثل هذه العبارات، فارقي نفسك بالفاتحة، والمعوذات، وآية الكرسي، والأذكار، لكن لا تعيشي وأنت تفتشين: من حسدني؟ وكم عينا أصابتني؟ وهل كل خاطب ذهب بسبب عين؟ لأنك بذلك قد تجعلين الحسد تفسيرا لحياتك كلها.
• ثالثا: لا تجعلي ما أصابك عقوبة حتمية على فترة ابتعادك عن الصلاة، أو غرورك في سنوات سابقة، نعم، ترك الصلاة ذنب عظيم، والواجب التوبة والمحافظة عليها، لكن ليس لك أن تجزمي قائلة: "مرضت لأنني فعلت كذا"، أو: "تأخر زواجي لأن الله يعاقبني بكذا"، فالأنبياء -وهم أحب الخلق إلى الله- ابتلوا، والصالحون يبتلون، وقد قال النبي ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فعودتك إلى الله ينبغي أن تكون عودة حب، وافتقار، وتوبة، لا علاقة خوف مستمر من أن الله ينتقم منك.
• رابعا: قولك: تركت العلاقات المحرمة لله، وكنت أنتظر أن يعوضني الله، يحتاج إلى تصحيح لطيف، فمن ترك الحرام لله، فقد ربح من اللحظة الأولى، ربح أنه أطاع ربه، وحفظ قلبه وعرضه، والعوض ليس مشروطا بأن يكون زوجا في العمر الذي حددناه، ولا وظيفة بعينها، فلا تنظري إلى من دخلن في علاقات ثم تزوجن، وتقولي: ماذا استفدت أنا؟ لقد استفدت أنك لم تبيعي مبدأك لتحصلي على شيء من الدنيا، وما عند الله لا يضيع.
• خامسا: توقفي قليلا عند خطبتك الحالية، فمرور سنتين في خطبة قائمة على اتفاق شفهي فقط، مع توقع استمرارها سنة أخرى -على الأقل-، ومع كون الرجل متزوجا في البلد الذي يعيش فيه من أجل الحصول على الجنسية، أمور تستحق منك مراجعة جادة جدا، وحتى قولك: إنه يحبني حبا جنونيا، ليس وحده أساسا كافيا لبناء الزواج، فأنت تحتاجين إلى وضوح: متى سيتم العقد؟ وما حقيقة زواجه الحالي؟ وما الآثار المترتبة عليه؟ وهل توجد قدرة واقعية على تأسيس بيت؟ فهذه أمور لا بد أن تحسم، ولا تجعلي خوفك من بلوغ الثلاثين سببا لأن تبقي سنوات أخرى معلقة بوعد مفتوح.
• سادسا: لا تقولي: لو تزوجت واستقررت، فستتحسن حياتي، وكأن الزواج هو الباب الذي تنتظر خلفه حياتك الحقيقية، فالزواج نعمة عظيمة إذا أحسن اختياره، لكنه ليس علاجا لكل أحزان الإنسان، وحياتك قائمة الآن، فاعمريها بالصلاة، والقرب من الله، والعمل النافع، والصحبة الطيبة، والعلاقات الأسرية، والتعلم، وما تستطيعين تحقيقه، ولا تضعي سعادتك كلها رهينة رجل أو موعد زواج.
وأما بلوغك التاسعة والعشرين ودخولك الثلاثين، فليس نهاية الفرص كما يصوره لك الخوف، فأنت لا ترين بقية القصة حتى تحكمي عليها من منتصفها، وكم من إنسان بكى في الثلاثين على شيء تأخر، ثم حمد الله في الخامسة والثلاثين أنه لم يأته في الوقت والصورة اللذين أرادهما.
فلا تسألي بعد اليوم: لماذا حظي قليل؟، بل قولي: ما الذي يريده الله مني الآن؟، وتوبي مما مضى، وحافظي على صلاتك، وتحصني من غير هوس بالحسد والسحر، وراجعي خطبتك بعقل، لا بخوف من العمر، وابني ما تستطيعين بناءه من حياتك اليوم، وما لا تستطيعين تغييره، فسلمي أمره لله، من غير أن تجعليه دليلا على أن مستقبلك كله سيكون نسخة من ماضيك.
نسأل الله أن يشرح صدرك، ويجبر ما انكسر في قلبك، ويجعل لك من كل عسر يسرا، ويرزقك زوجا صالحا وحياة طيبة، ويبارك لك في صحتك وعمرك، ويعوضك عن كل ما فاتك بما تقر به عينك، ويرزقك الرضا به وحسن الظن بتدبيره، والله الموفق.