طنين مستمر وتحرشات منامية ونفور من زوجتي...هل بي مس عاشق؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بارك الله لكم في موقعكم، وفي هذا الجهد الطيب.

أنا شاب عانيت كثيرا من تعطل أمور حياتي بسبب السحر، وخاصة تعطل الزواج، وقد تزوجت في ظروف نفسية وصحية غير جيدة، وكان هناك شيء يسيطر على عقلي وشعوري وجسدي، فذهبت إلى الرقية، فقالوا: إن ذلك بسبب القرين، ولكنني قاومت وتزوجت بناء على نصيحة الأهل، مع أنني لم أكن مرتاحا.

واستمر الوضع معي حتى تحول إلى نفور وكراهية، خاصة بسبب الفروق بيني وبين زوجتي في السن والتعليم، ومؤخرا اكتشفت أن بي مسا عاشقا، لا سيما مع الطنين المستمر، والتحرشات التي تحدث لي في المنام، فأنا أتابع مع راق يعالج بالحجامة والقرآن، وقد تحسنت حالتي، ولكنني لم أشف تماما، وعندما اكتشفت المس طلبت من الراقي أن يرقيني منه، فاستفرغت دما، مع أنني لم أكن أستفرغ قبل ذلك.

أرجو الإفادة عن الطريقة الصحيحة للتعامل مع المس، خاصة مع استمرار الطنين في الأذنين، والتحرشات في المنام، إذ تأتيني امرأة وتتحرش بي، وأرى خدوشا وحبوبا في الوجه، وأشعر بآلام في الجسد.

وكذلك أرى إطعامات في المنام، وأشعر بالنفور من زوجتي، حتى وصل الأمر إلى الطلاق، فأرجو الإفادة عن الطريقة الصحيحة للتعامل مع المس العاشق.

وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ إلياس، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول، مستعينا بالله:

لقد قرأت استشارتك بتمعن، وأدركت مقدار ما مررت به من معاناة وخوف، فقد بدأت معك فكرة السحر وتعطيل الزواج، ثم تزوجت وأنت في ظروف نفسية وصحية غير مستقرة، ثم ظهر النفور من زوجتك، وبعد ذلك أصبحت تربط الطنين والأحلام والآلام الجسدية وما حدث أثناء الرقية بما تسميه المس العاشق.

سوف أرد على استشارتك بطريقة، عبر فقرات، تجعلك تتعامل مع الأمر بطريقة تحفظ لك دينك وطمأنينتك، ولا تزيد عليك الخوف والانشغال.

أولا: السحر ثابت شرعا، قال الله تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله}، ونؤمن بما أخبر الله تعالى ورسوله ﷺ به عن الجن، لكن الإيمان بذلك شيء، والجزم بأن شخصا بعينه مصاب بالمس أو بالسحر شيء آخر، فلا يمكن تشخيص المس العاشق من خلال الطنين أو الأحلام أو الآلام أو النفور وحدها، بل قد يكون الأمر سحرا، وقد يكون مرضا عضويا أو نفسيا، ولذلك لا ينبغي حصر الحالة في تفسير واحد.

ثانيا: أنصحك بألا تجعل سؤالك الدائم: هل معي مس عاشق؟ وكيف أعرف أنه خرج؟ وما معنى هذا الحلم؟، فهذه الأسئلة قد تزيد خوفك ومراقبتك لنفسك، بينما المطلوب هو العلاج لا مطاردة التشخيص الغيبي.

ثالثا: بعض الرقاة يتخرصون في تشخيص السحر والمس؛ ولذلك ينبغي الحذر من تحويل كلام الراقي إلى يقين لا دليل عليه.

رابعا: الرقية الشرعية مشروعة، ويمكنك أن ترقي نفسك بنفسك، مع المحافظة على الصلاة والأذكار وقراءة القرآن، قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين}، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك.

خامسا: اقرأ ما تيسر من القرآن، وحافظ على أذكار الصباح والمساء وأذكار النوم، وارق نفسك باعتدال، ولا تجعل الرقية جلسة لاختبار جسدك أو البحث عن علامات المس، ومن الدعاء الثابت عن النبي ﷺ: اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما.

سادسا: لا أنصحك باستنطاق الجن، أو محاولة معرفة اسمه أو جنسه أو سبب تعلقه بك، أو البحث من خلال الراقي عن مكان السحر أو الشخص الذي فعله؛ لأن هذه أمور غيبية لا يصح بناء اليقين فيها على مجرد الدعاوى، وقد تزيد تعلقك بالخوف، واجعل اعتمادك على الله، فالراقي سبب، والشفاء بيد الله تعالى.

سابعا: استفراغ الدم أثناء الرقية لا يصح أن نجزم بأنه خروج للجن أو دليل على المس العاشق، فقد يكون له سبب طبي، ولذلك ينبغي تقييمه طبيا، وخاصة إذا تكرر، أو كان الدم كثيرا، أو صاحبه دوار أو ضعف أو ألم أو شحوب، ولا ينبغي ترك السبب الطبي اعتمادا على تفسير غيبي، وقد أمر الشرع بالأخذ بأسباب العلاج، قال النبي ﷺ: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء.

ثامنا: الطنين المستمر في الأذنين لا يصح جعله علامة على المس، فالواجب فحص الأذن والسمع عند طبيب مختص، ولا تعارض بين ذلك وبين الرقية الشرعية، بل الجمع بين الأسباب المشروعة هو الأسلم.

تاسعا: ما تراه في المنام من امرأة تتحرش بك، أو تشعر بالخدوش أو الاعتداء أو الإطعام، فلا تجعل هذه الأحلام دليلا على وجود مس عاشق، فالشيطان له تدخل في الكثير من الرؤى، وقد قال النبي ﷺ: الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأيت ما تكره، فاستعذ بالله من شره ومن الشيطان، وانفث عن يسارك ثلاثا، وتحول عن جنبك، ولا تنشغل بتفسيره، ولا تبن عليه حكما في حياتك، فقد أرشد النبي ﷺ إلى ذلك في الحديث الصحيح.

عاشرا: أريدك أن تنتبه إلى أمر بالغ الأهمية، فكونك تشعر بالألم أو الطنين أو الخوف لا يعني أن الأعراض غير حقيقية، لكن حقيقة العرض لا تعني صحة تفسيره، فالقلق واضطراب النوم وكثرة التفكير في السحر والجن قد تجعل الإنسان شديد الانتباه إلى أحاسيس جسده وأحلامه، فيفسر كل تغير على أنه علامة جديدة، ثم يزداد خوفه، فيزداد اضطراب نومه وانشغاله بالأعراض، وهذه دائرة ينبغي كسرها، لا تغذيتها.

الحادي عشر: لا تحاول إثبات أنك مصاب أو غير مصاب، وإنما قل لنفسك: أنا لا أعلم سبب كل هذه الأعراض، لكنني أعلم كيف أتعامل معها، أرقي نفسي، وأحافظ على عبادتي، وأفحص ما يحتاج إلى فحص طبي، وأستعين بمختص نفسي إذا احتجت، ولا أراقب جسدي وأحلامي بحثا عن علامات الجن.

الثاني عشر: لا يصح أن تجزم بأن نفورك من زوجتك كان بسبب المس، فأنت ذكرت أنك دخلت الزواج أصلا في ظروف نفسية وصحية صعبة، وأنك لم تكن مرتاحا، وأن هناك فروقا في السن والتعليم، وهذه عوامل حقيقية ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار، ولا يجوز أن نمحوها كلها بتفسير غيبي واحد، وفي الوقت نفسه، لا نستطيع أن نجزم بأنها السبب الوحيد، فالمطلوب هو عدم القطع بسبب لا دليل عليه.

الثالث عشر: النفور الزوجي قد تتعدد أسبابه، والاستمرار بالرقية لا يمنع من البحث عن الأسباب العضوية والنفسية.

الرابع عشر: إذا كان الطلاق قد وقع بالفعل، فلا تجعل ما حدث دليلا على أن المس انتصر، أو أن السحر هو الذي أوقع الطلاق، فهذه عبارات لا تستطيع إثباتها، وإذا أردت معرفة الحكم الشرعي للطلاق، فلا بد من عرض الواقعة كاملة على عالم موثوق؛ لأن الحكم يتوقف على اللفظ الذي صدر منك، وحالتك العقلية والإرادية وقت الطلاق، وهذه مسألة فقهية لا يصح حسمها بمجرد الاستشارة العامة.

الخامس عشر: أوصيك أن تراجع علاقتك بالراقي الذي تتابع معه، فإن كان يرقي بالقرآن والأدعية المشروعة، ولا يدعي علم الغيب، ولا يستنطق الجن، ولا يتهم الناس بالسحر، ولا يجعل كل عرض دليلا على المس، فلا حرج في الانتفاع بالرقية، أما إذا أصبحت كل جلسة تزيد خوفك، وتجعلك تبحث عن أعراض جديدة أو تشخيصات جديدة، فالأولى أن تكتفي بالرقية الذاتية؛ لأن المقصود من الرقية أن تزيدك تعلقا بالله وطمأنينة، لا خوفا واضطرابا.

السادس عشر: أوصيك من الآن فصاعدا أن تلتزم بقاعدة بسيطة، وهي: لا تراقب، ولا تفتش، ولا تفسر كل عرض، ولا تبحث عن علامات خروج المس.

السابع عشر: إذا جاءك حلم مزعج، فاستعذ بالله واتركه، وإذا جاءك طنين، فاعمل على فحصه طبيا، وإذا شعرت بألم، فلا تسارع إلى تفسيره بالجن، وإذا جاءت فكرة ربما عاد المس، فلا تدخل معها في نقاش طويل، استعذ بالله، ثم واصل حياتك.

الثامن عشر: احزم أمرك، وكن متوكلا على الله، فإن الله كافيك، قال الله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}، والتوكل ليس ترك الأسباب، بل اعتماد القلب على الله مع فعل ما أذن به من الأسباب.

التاسع عشر: اجعل برنامجك في هذه المرحلة بسيطا:
• الصلاة في أوقاتها.
• أذكار الصباح والمساء والنوم.
• قراءة القرآن.
• الرقية الشرعية باعتدال.
• الفحص الطبي للطنين واستفراغ الدم.
• الاستعانة بمختص نفسي موثوق إذا استمر القلق أو اضطراب النوم، أو أصبح التفكير في السحر والجن مسيطرا على حياتك.

ولا تجعل معيار الشفاء اختفاء عرض معين أثناء الرقية، بل انظر إلى قدرتك على النوم والعمل والهدوء، وممارسة حياتك دون خوف ومراقبة مستمرة.

أخيرا: أخي الكريم، ما مررت به لا يعني أنك ضعيف الإيمان، ولا يعني أن الجن يملكون حياتك، ولا يعني أن مستقبلك سيبقى أسير هذه التجربة، فأنت الآن بحاجة إلى استعادة الأمان والطمأنينة، لا إلى مزيد من البحث عن تفسير مخيف لكل شيء، فأحسن الظن بالله، وخذ بالأسباب، واترك ما لا تستطيع معرفته لله تعالى.

أسأل الله تعالى أن يشفيك شفاء لا يغادر سقما، وأن يرزقك الطمأنينة والسكينة، ونسعد بتواصلك.

مواد ذات صلة

الاستشارات