السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بعد زواجي بفترة وإنجاب الأطفال، حدثت مشاكل بيني وبين زوجي بسبب المال، وترك صلاته، واتباع أصدقاء السوء، وبقينا بين مد وجزر إلى أن كبر طفلاي وأصبحا يستطيعان الاعتماد على نفسيهما قليلا، وصارا في عمر المدارس.
ثم درست التجويد، وبدأت بحفظ القرآن مع أطفالي، وبعدها أكرمني الله ووجدت وظيفة جزئية معلمة قرآن، لم يكن الدخل كبيرا، لكن كان مباركا، استطعت أن أكمل دراستي، وأجد دخلا يسندني، وشعرت أخيرا بالاستقرار، ثم فجأة انقلب الحال تماما؛ حصل ظرف قاهر جعلني أتوقف عن مركز القرآن، وبعدها اكتشفت حملي، وبسبب مضاعفات الحمل أصبحت حبيسة المنزل.
فقدت عملي، رغم محاولاتهم لاستمراري، لكن بسبب أن الحمل حرج أصبحت ممنوعة من الحركة الكثيرة، اشتقت لتدريسي ولحلقاتي، وأشعر أني رجعت من الصفر، وأشعر أني خسرت كل حياتي!
لا أستطيع الالتزام بالحفظ بعد انقطاعي الأول عن حلقة الحفظ، ورجعت مشاكل المال مع زوجي، قلبي ينفطر؛ هل بسبب ذنوبي طردت من حلقات القرآن؟ هذا أعظم ما يؤلمني، ربما الشيء الوحيد الذي انصلح في هذه الفترة هو رجوع زوجي للصلاة ومحاولة الالتزام بها!
هل من سبيل للعودة؟ وما نصيحتكم بوقت الفراغ في الفراش والبيت؟ لقد فقدت دافعي للحفظ؛ حاولت كثيرا، وكلما التزمت أترك وأتكاسل.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم يوسف حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.
بداية: هذا الألم الذي تجدينه في نفسك دليل على خير في قلبك؛ فالمؤمن يتألم من تراجعه، ويشعر بالحزن على تقصيره، وهذا من أثر النفس اللوامة التي تدفع صاحبها إلى الخير وتجعله يحاسب نفسه على التقصير، قال تعالى: (ولا أقسم بالنفس اللوامة).
أختي الكريمة، لا ينبغي أن تبالغي في جلد الذات ولوم النفس، فأنت قلت بنفسك إن توقفك كان بسبب "ظرف قاهر"، والله تعالى رحيم بعباده، لا يكلفهم فوق طاقتهم، قال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ۚ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ۗ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ۚ ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ۚ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ۖ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ۚ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين).
أختي الكريمة، انقطاعك عن تدريس وتحفيظ القرآن لم يكن تكاسلا منك أو زهدا في هذا الخير العظيم، وإنما بسبب ظروف مؤقتة تمرين بها، وهي الحمل، والذي يستلزم منك تقليل الحركة حتى لا يتسبب ذلك في ضرر عليك أو على الجنين؛ ولذلك فتيقني أن هذا الانقطاع لم يكن تهاونا أو تقصيرا، وإنما هو ظرف قاهر، وستعودين -بإذن الله- إلى القرآن بنشاط ودافعية أكبر.
أختي الفاضلة، هناك أمور لا بد أن تكوني على وعي تام بها في هذه المرحلة؛ حتى تستطيعي تجاوز ما تمرين به بسلام، وتعودي إلى نشاطك وطاقتك كما كنت، بل وأفضل -بإذن الله-.
أولا: اعتبري الظروف التي تمرين بها ظروفا مؤقتة وليست نهائية، فالحمل له مدة محددة، وما يصاحبه من ضعف وتوقف هو أمر مؤقت وليس دائما، وهذا الشعور يجعلك تستعدين بنفس مشتاقه لانتهاء هذه الظروف، حتى تبدئي من جديد بقوة أفضل وأكثر اتزانا.
ثانيا: ما تمرين به ليس دليلا على أنه ذنب أو عقوبة، بل قد يكون نوعا من الابتلاء الذي يحتاج المؤمن فيه إلى التسليم لله والصبر والاحتساب والرضا، فقد يكون هذا الانقطاع لخير يريده الله تعالى، فسلمي الأمر لله، ما دام هذا الانقطاع ليس تساهلا أو عجزا أو تقصيرا منك.
ثالثا: خلال فترة التوقف، لا تستسلمي للحزن واليأس والأفكار التي تضعف همتك وتقول لك: إن هذا بسبب الذنوب أو التقصير، ولكن تأملي في سبب التوقف؛ فأنت مجبرة، وتمرين بظروف قاهرة لا يد لك فيها، وهذا الأمر ينبغي أن يدفعك إلى الاستعداد للعودة بقوة أكبر وهمة أعلى، فالشيطان يريد أن يشعرك بالحزن واليأس حتى تتوقفي عن الخير، قال تعالى: (إنما ذٰلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين).
رابعا: قومي بترتيب وقتك خلال هذه الفترة بشكل يتناسب مع وضعك الصحي الطارئ؛ فالتوقف التام عن التزود بما يرقق القلب ويصلح النفس يضعف عزيمة القلب، ويجعله يستثقل الطاعات، ويجعل الشيطان أقرب إليه، وقد جعل الله تعالى من العبادات القلبية ما له أثر عميق في النفس ولا يحتاج إلى جهد أو تعب بدني، ومن أبرزها ذكر الله تعالى، وسماع القرآن الكريم وتلاوته، كما أن في زماننا يمكن استثمار وسائل التعليم والدعوة عبر الإنترنت، فيمكن تعليم القرآن وتدارسه عبر الإنترنت دون جهد يذكر، وكذلك متابعة الطالبات والتواصل معهن عن بعد، المهم -أختي- ألا تستسلمي للقعود، فالنفس إن لم تنشغل بالخير انشغلت بما يضرها.
خامسا: تنظيم علاقتك المالية بزوجك أمر مهم جدا في تحقيق استقرارك النفسي، وأهم سبب في توسع هذه المشكلة وتأثيرها الكبير عليك هو بقاء هذا الملف مفتوحا دون حدود أو ضوابط أو اتفاق واضح، وعلاجه يسير جدا، ويحتاج فقط، في وقت من الهدوء والتوافق بينك وبين زوجك، إلى أن يتم الدخول في حوار هادئ لتحديد جوانب هذا الأمر المادي والنفقة، ووضع ميزانية محددة، واتفاق واضح يتم الاتفاق عليه بشكل نهائي، مع وضع خطة للطوارئ والظروف القاهرة التي لا بد أن يكون فيها قدر من المرونة، حتى يمكن تجاوزها دون أن يتحول الأمر إلى مصدر مستمر للقلق والخلاف.
أخيرا -أختي الكريمة-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا)، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، وأن الله سبحانه لا يضيع عليهم ما اعتادوا من الخير إذا منعهم منه عذر خارج عن إرادتهم، قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ۗ ومن يوق شح نفسه فأولٰئك هم المفلحون)، وجاء في الحديث أيضا: (إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك)، والمعنى أن كل النفوس لها ساعات إقبال وهمة عالية ونشاط، ولكن قد تعتريها لحظات ضعف وخمول، والمؤمن الفطن يجعل تلك اللحظات التي يضعف فيها لا تنزله إلى المعصية والذنوب، وإنما ينزل بها إلى حدود الفرائض، فلا يقصر فيها.
وبهذا الفهم، وبهذه المرونة، يشعر المسلم بروعة الإسلام ورحمته ويسره، ولا يجد في هذا الدين مشقة ولا حرج، فكل البشر تعتريهم لحظات الضعف والتقصير، فلا تبالغي في الحزن وجلد الذات؛ حتى لا يستغل الشيطان ذلك فيجعلك تيأسين من كل الخير المتاح لك، وتشعرين بالضعف، فتتركين ما يمكنك فعله.
وفي هذه المرحلة، اجعلي تدبر القرآن والتأمل في آياته وأحكامه فرصتك، واجعلي حفظه وتكراره زادك اليومي، وكل هذا لا يحتاج منك إلى جهد بدني، ولكن له تأثير عميق في النفس وتزكية لها، اكتبي ودوني تأملاتك في القرآن، وما أجملها من لحظات حين تستخرجين كنوزه من العبر والعظات القرآنية، احضري دروسا عبر الإنترنت، كما يمكنك حضور حلقات القرآن عبر الإنترنت، وكذلك التواصل مع طالباتك عبر الدروس عن بعد، فكل هذا ممكن ومتاح -بفضل الله تعالى-.
استعيني بالله، وأكثري من الدعاء والتضرع إليه أن يصلح زوجك، وأن يثبته على الخير، وأن يجعل حياتكما خيرا وطاعة، فالله كريم رحيم بعباده.
وفقك الله ويسر أمرك.