أجد صعوبة في الالتزام بالصلاة وأشعر أن حياتي متوقفة!

0 0

السؤال

السلام عليكم.

أنا لا أستطيع الالتزام في الصلاة، ولا في حياتي عموما، وأشعر أن كل الأبواب مغلقة في وجهي، ومبتلى بالعادة السرية، وكلما حاولت الالتزام لا أعرف، وأشعر أن هناك شيئا يمنعني عن الصلاة، وعن العمل أيضا وكل شيء؛ فحياتي متوقفة تقريبا، وأشعر بأن نفسيتي ضائعة.

يعلم الله أني كثيرا ما أدعوه، ولكنني أشعر بأنني مكتف، مع العلم أنني أحب الحديث عن الدين كثيرا، وأفهم الكثير من أموره، ولكن لا أعرف كيف أعمل بها؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الكريم- في شبكة إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول، مستعينا بالله:

لقد قرأت استشارتك، وأدركت من كلامك أنك لا تعاني من عدم معرفة الخير، وإنما تعاني من ضعف في القدرة على تحويل ما تعرفه إلى عمل؛ فأنت تحب الدين، وتتحدث عنه، لكنك تجد صعوبة في المحافظة على الصلاة، وتجاهد نفسك في ترك العادة السرية، وتشعر أن حياتك متوقفة، وأن أبواب العمل مغلقة، حتى أصبحت نفسك ضيقة، وتشعر بأنك متكتف.

أخي الكريم: لا تيأس من رحمة الله وفرجه، ولا تيأس من نفسك، ولا تظن أن هذا الحال سيستمر إلى الأبد، ولا تجعل تقصيرك حجابا بينك وبين الله؛ قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾.

عليك أن تتوقف عن محاولة إصلاح حياتك كلها دفعة واحدة؛ لأنك إذا نظرت إلى الصلاة، والذنب، والعمل، والنفسية في وقت واحد؛ فقد تشعر أن المهمة أكبر منك، فتستسلم قبل أن تبدأ.

عليك أن تبدأ بأقرب خطوة، وهي الصلاة القادمة التي ستكون بعد قراءتك لهذه الإجابة؛ فإذا دخل وقتها، فتوضأ وصل، ولا تنتظر أن تتحسن نفسيتك، أو تقلع عن العادة السرية؛ فالصلاة مفتاح كل خير، يقول تعالى: ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾، والصلاة هي أحب عمل يعمله الإنسان ويحافظ عليه؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سئل عن أحب الأعمال إلى الله: الصلاة على وقتها.

لا تقل: أنا أذنب، فكيف أصلي؟، بل صل لأنك تذنب، وتحتاج إلى الله، لا تجعل المعصية تسلبك الصلاة، فإذا وقعت في الذنب، فلا تقل: انتهيت، بل توضأ، وتب، وصل، ثم واصل طريقك، قال الله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾، والتوبة ليست للذين لا يخطئون، وإنما يحتاج إليها من وقع ثم رجع إلى ربه.

جاهد نفسك في ترك العادة السرية، وتعامل معها باعتبارها سلوكا له أسباب يمكن تغييرها، لا باعتبارها قوة غامضة تسيطر عليك.

راقب الأوقات التي تضعف فيها: هل تكون عند الوحدة، أو السهر، أو استعمال الهاتف، أو مشاهدة المثيرات، أو الشعور بالملل والضيق؟ ثم أغلق هذه الأبواب قدر استطاعتك، وابتعد عن المحتوى المثير، ولا تطل الخلوة بالهاتف، ونظم نومك، واشغل وقتك، ومارس الرياضة، واقرأ عن أضرار العادة السرية، وإذا جاءك الدافع، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم غير مكانك فورا، واشغل نفسك بشيء آخر، قال الله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾.

وإذا وقعت مرة أخرى، فلا تجعل الوقوع يتحول إلى استسلام، بل تب إلى الله مباشرة، واعرف السبب الذي أدى إلى الانتكاس، ثم عد إلى خطتك، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لله أشد فرحا بتوبة عبده…؛ فالله تعالى لم يأمرك بأن تكون معصوما، وإنما أمرك بالتوبة والمجاهدة، ولذلك فإن الانتكاسة ليست نهاية الطريق، وإنما الخطأ الحقيقي هو أن تستسلم بعدها.

إحساسك بأن شيئا يمنعك من الصلاة والعمل، فلا نستطيع من هذا الشعور وحده أن نقول إن بك مسا، أو سحرا، أو مانعا غيبيا، فلا تحمل نفسك هذا التشخيص، ولا تجعل البحث عن سبب خفي يأخذ مكان العمل على الأسباب الظاهرة.

ومن الأسباب الظاهرة: التكاسل، والعجز، والملهيات، والإغراق في الأمور الدنيوية، والواجب عليك أن تحرص على ما ينفعك، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، فاستعن بالله، ثم اسأل نفسك: ما الخطوة التي أستطيع فعلها الآن؟ ثم افعلها.

لا تجعل تعطل العمل دليلا على أن الله لا يريد لك الخير؛ فالإنسان مأمور بالسعي، والسنة النبوية ترشدنا للعمل بالأسباب، كما قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصا وتروح بطانا، فتوكل على الله، واعمل بالأسباب، والنتائج بيد الله، قال تعالى: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾، فابدأ بما تستطيع: حدث سيرتك الذاتية، وابحث يوميا عن فرص مناسبة، وقم بتعلم مهارة نافعة، وتواصل مع أهل الخبرة والمعارف، لا تنتظر أن تأتيك النفسية الجيدة حتى تبدأ؛ ابدأ بما تستطيع، وقد تتحسن نفسيتك تدريجيا مع الحركة والإنجاز.

قولك: نفسيتي ضايعة أمر ينبغي أن نأخذه بجدية، ولا يصح أن نفسر كل ما تعانيه بأنه ضعف إيمان، أو بسبب المعصية فقط؛ فإذا كان الضيق مستمرا، وفقدت الدافعية، واضطرب نومك، وأصبحت غير قادر على العمل أو القيام بواجباتك، فراجع طبيبا أو أخصائيا نفسيا موثوقا؛ فقد توجد أسباب نفسية قابلة للعلاج، والأخذ بالعلاج لا ينافي التوكل على الله، بل هو من الأخذ بالأسباب.

قلت إنك تحب الحديث عن الدين، وتفهم فيه أشياء كثيرة، وهذه نعمة، ولكن لا تجعل كثرة المعرفة سببا لجلد نفسك عندما تجد صعوبة في التطبيق، والمطلوب منك الآن ليس أن تثبت أنك تعرف، وإنما أن تحول ما تعرفه إلى عمل صغير ثابت، قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾.

المطلوب منك في الأيام القادمة ألا تضع لنفسك عشرات الأهداف، وإنما ثلاثة فقط:

أولا: لا تترك الصلاة، وابدأ بالصلاة القادمة، ثم حافظ على التي بعدها.

ثانيا: إذا وقعت في العادة السرية، فلا تستسلم، بل تب مباشرة، وحدد السبب الذي أوقعك، وأغلق هذا السبب.

ثالثا: أنجز كل يوم عملا نافعا واحدا يتعلق بحياتك، ولو كان صغيرا؛ كالتقدم إلى وظيفة، أو تعلم مهارة، أو إنجاز مهمة مؤجلة.

بعد أن تثبت على هذه الخطوات، زد عليها تدريجيا؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

تذكر أن الشيطان قد يدفع الإنسان إلى الذنب، ثم يدفعه بعد الذنب إلى اليأس وترك الطاعة؛ فلا تعطه الأمرين معا؛ إذا أذنبت فتب، وإذا ضعفت فاستعن بالله، وإذا فاتتك خطوة فابدأ من جديد، قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾.

لا تقل: كل الأبواب مغلقة، بل افتح الباب الذي تستطيع فتحه الآن وهو باب الصلاة، ثم افتح بعده باب التوبة، ثم باب السعي والعمل، ولا تطلب من نفسك أن تصلح حياتك كلها اليوم؛ يكفي أن تتحرك خطوة صحيحة اليوم، ثم خطوة أخرى غدا.

أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويعينك على أداء الصلاة، والثبات على ذلك، وأن يقويك على مجاهدة نفسك، ويصرف عنك السوء والفحشاء، ويفتح لك أبواب العمل والرزق، ويعافيك في نفسك، ويبدل ضيقك سكينة، وعجزك قوة، وتشتتك ثباتا، ويثبت قلبك على طاعته، ونسعد بتواصلك.

مواد ذات صلة

الاستشارات