السؤال
السلام عليكم.
بارك الله فيكم، وأسأل الله أن ينفع بكم البلاد والعباد.
سأحاول أن أختصر محنتي في الزواج بهذه السطور -بإذن الله-.
أنا فتاة أبلغ من العمر 26 عاما، كنت قد بدأت أسعى للزواج في سن الثامنة عشرة، لكن لم أكن أتوقع أن الزواج سيكون محنتي، وأن المصائب ستتوالى علي من هذا الباب.
كنت في بداية إقبالي على الزواج متحمسة جدا وفرحة، لكن ما إن عقد قراني أول مرة في حياتي حتى تعرضت لصدمة نفسية كبيرة؛ فقد وقعت بين يدي رجل سوء كنت أظنه مرضي الدين والخلق، لكن مع الوقت ظهر لي خلاف ذلك تماما؛ فقد كان رجلا سيئ المعشر، قبيح الأخلاق، خسيس الطباع، وحصلت مشاكل كثيرة بينه وبين أهلي، ووقعت بين نارين: نار تحرقني من الخاطب بسوء خلقه، ونار تحرقني من جهة الوالد؛ فينتقم مني لكرهه للخاطب، ولكن بعد أن يئست من صلاح حال الخاطب، ولمست منه استكبارا وتفاخرا بظلمه لي، اتفقت معه على الطلاق، ولم أستطع التحمل، وأحمد الله الذي نجاني منه.
ثم عدت فعقد قراني مرة أخرى، وكان شابا حسن الخلق، وظننته العوض، فطلقني بعد ثلاثة أيام من العقد فجأة، وقال إن لديه مشاكل خاصة، ورحل، وكان بين الطلاق الأول والثاني 11 شهرا، وطبعا صدمت مرة أخرى.
والحادثتان وقعتا منذ سنوات؛ الطلاق الأول منذ خمس سنوات، والثاني منذ أربع سنوات، وبعد ذلك يأتيني الخطاب؛ فإما ألا يكونوا أكفاء فأرفضهم، أو هم يرفضونني، وأنا على هذا الحال إلى الآن.
وأحيانا يأتي الكفء فأمضي بالخطبة، وتظهر لي مشاكل وعقبات لم تكن بالحسبان، ولكن مشكلتي أني ما زلت أعاني من أزمة نفسية بسبب الظلم الذي تعرضت له في الخطبة الأولى.
صحيح أنه مرت سنوات، لكن جروحي تلتئم مؤقتا، ثم إذا جاء ما يذكرني، ولو تلميحا، بمواقف سابقة ظلمت فيها، تتفتح جروحي مجددا، وأتألم من الماضي والحاضر، وأحيانا إذا جاءني خاطب مناسب أشعر بهمين: هم تعسر زواجي، وهم أن يخيب ظني به فيضرني.
والمشكلة الثانية أن اهتمامي الزائد بالزواج شغلني عن النوافل؛ فصرت أتكاسل عن كثير منها، وحتى الفرائض أقصر فيها؛ فأقوم بها بقلب لاه، وعقل سارح، وصرت إذا تعرضت لعقبات في الخطبة تتلف أعصابي مباشرة، وهم الزواج ثقيل على قلبي منذ سنوات، وقد انهكني.
أريد منكم ثلاثة أمور من فضلكم:
أولا: أن تضعوا لي الأمور في نصابها الصحيح، وتخبروني بأمور أهم من الزواج.
ثانيا: أن تحاولوا تشخيص مشكلتي؛ هل تحتاج علاجا نفسيا؟ فقد مرضت وقت الخطبة الأولى من قهري، وجاءتني نوبة صرع.
وثالثا: أن تقدموا لي النصيحة والعلاج؛ فقد علمت أن الشيطان يستزل بني آدم أيضا من أبواب الخير.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم عائشة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -بنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام، وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن ينفعك بالإجابة التي تصلك، ومعك أيضا المستشار الدكتور مأمون، وهو من أساتذتنا الكبار في عالمنا الإسلامي، ومن كبار علماء النفس، أرجو أن تستفيدي منه، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يقدر لك الخير، ثم يرضيك به.
ونحب أن نؤكد لك أنك واحدة من بناتنا، يهمنا أمرك، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينك على الخير، ونؤكد أن: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل. واعلمي أن الخير أحيانا يأتي في صورة الشر، قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}، وقال العظيم: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا}، لاحظي، لم يقل: (علينا)، فكل ما يقدره الله -تبارك وتعالى- هو الخير.
قال عمر بن عبد العزيز: كنا نرى سعادتنا في مواطن الأقدار، وقال عمر -رضي الله عنه-: لو كشف الحجاب، ما تمنى الناس إلا ما قدر لهم، والزواج الناجح له توقيته، وله تقديره، ولن يحدث في كون الله -هذا الكون ملك لله- إلا ما أراده الله. نسأل الله أن يجعلنا وإياك -يا بنتنا- ممن إذا أعطوا شكروا، وممن إذا ابتلوا صبروا، وممن إذا أذنبوا استغفروا، وسعدنا أنك قلت في المشكلة الأولى أن الله نجاك، ونحن نقول في الثانية والثالثة: "الله نجاك"، حتى يضع في طريقك من يسعدك.
فلا تيأسي، واستقبلي الحياة بأمل جديد، وبثقة في ربنا المجيد -سبحانه وتعالى- واعلمي أنك مأجورة في كل ذلك، ولكن نحب أن ننبه إلى أن الإنسان في أزماته ينبغي أن يكثر من اللجوء إلى الله، ويكثر من السجود لله تبارك وتعالى. واعلمي أن الشيطان أحيانا يذكر الإنسان بالمواقف السالبة من أجل أن يحزنه، وقد قال الله تعالى: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم}، قال ابن عباس: ما من إنسان إلا ويحزن ويفرح، لكن المؤمن يجعل حزنه صبرا، ويجعل نعمة الله شكرا، والصبر يوصل إلى الجنة، والشكر يوصل إلى جنة الله تبارك وتعالى.
وبالتالي، تذكري أن هم هذا العدو أن يحزن الذين آمنوا، ولذلك يذكرك بالماضي، ويذكرك بالأوقات المؤلمة والمواقف الصعبة التي مرت عليك، أرجو أن تتذكري عندها أن الثواب عظيم، فارضي بقسمة الله تبارك وتعالى، واستبشري -يا بنتنا- بالخير، ولا يشغلك شاغل عن الطاعة والعبادة لله تبارك وتعالى، وثقي بأن الذي يقدره الله لنا خير مما نختاره لأنفسنا.
إذا هذا هو الأمر الأول المهم الذي أرجو أن يكون واضحا أمامك.
أيضا أهم من الزواج، وأغلى من الزواج، وأغلى من الدنيا كلها أن ينال الإنسان رضوان الله، فحافظي على علاقتك بالله -تبارك وتعالى-، واعلمي أن قلوب العباد بين أصابع الرحمن، يقلبها ويصرفها.
واعلمي أن الإنسان -كما قال عمر-: ما أصابتني مصيبة إلا وجدت أن الله قد أنعم علي فيها بأربع نعم: الأولى: أنها لم تكن أكبر مما كانت، وكل هذه الابتلاءات تحمدي الله على أنها لم تكن أكبر مما كانت، فقد كان من الممكن أن تتزوجي من الشرير الأول، والشرير الثاني، والمعقد الثالث، وبعد ذلك يكون عندكم أطفال، ثم تعيشي معاناة، ويعيشوا معاناة، فبعض الشر -يا بنتنا- أهون من بعض.
أيضا من المهم جدا أيضا أن تحاولي المحافظة على أذكار الصباح والمساء؛ لأن الأذكار نافعة فيما نزل من الشر، من العين وغيرها، ومانعة لما لم ينزل، فاجتهدي في المحافظة على أذكار الصباح والمساء، والإنسان يستطيع أن يقرأ آيات الرقية الشرعية أيضا على نفسه.
والرقية الشرعية دعاء، والإنسان الذي يدعو الله رابح في كل الأحوال، فإما أن يستجيب الله الدعوة، وإما أن يدخر لك ثواب الأجر، وإما أن يرفع عنك من البلاء مثلها، فالإنسان الذي يتوجه إلى الله لا يخسر أبدا، هو رابح في كل الأحوال.
ولا تتألمي لطول المشكلة؛ فإن هذه رفعة ودرجات عند الله تبارك وتعالى، وقومي بما عليك؛ فالفتاة عليها أن تهتم بصلاتها وعبادتها، ثم تظهر ما عندها من صفات جميلة بين النساء، وفي جمهور النساء، واعلمي أن لكل واحدة منهن ابنا، أو أخا -أو حفيدا، أو نحو ذلك- يبحث عن أمثالك من الفاضلات، وسيأتيك ما قدره الله لك في الوقت الذي يقدره الله تبارك وتعالى.
فلذلك، أرجو أن تعودي إلى الهدوء، وستستمعين أيضا إلى إرشادات الطبيب النفسي، دكتورنا الفاضل الدكتور/ مأمون، نسأل الله أن ينفع بك وبه البلاد والعباد.
وأرجو ألا تستخدمي كلمة القهر، وألا يطول معك القهر؛ فأنت في خير ونعمة، والحمد لله الذي أعطاك القدرة على التواصل والكتابة إلينا، وعلى هذا العرض الجميل للاستشارة.
والشيطان هو عدونا، لا يريد للإنسان أن يسعد أو يتقرب إلى الله، يريدك أن تتوقفي عن الدعاء، وتتوقفي عن الصلاة، وتصلي إلى اليأس والإحباط، فلا تعطيه هذه الفرصة، إذا ذكرك بما حصل، فتذكري مغفرة الله وثواب الله، والأمر كما قالت المرأة الصالحة: تذكرت لذة الثواب، فنسيت ما أجد من آلام.
نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد.
__________________________________
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد الفرجابي -مستشار الشؤون الأسرية والتربوية-
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون مبيض -استشاري الطب النفسي-.
______________________________
نرحب بك -أختنا الفاضلة- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.
طرحت -أختي الفاضلة- في سؤالك ثلاثة أسئلة، أذكرها، ولكن ليس بالترتيب نفسه.
-الأمر الأول: لقد طلبت التشخيص لمشكلتك: وما ذكرته أنه مشكلة هو -في الحقيقة- ردة فعل للتجارب المؤلمة التي مررت بها؛ فالزوج السيئ الأول، ثم نهاية الزواج بالطلاق، ثم الزواج الثاني الذي انتهى بعد ثلاثة أيام، فكل واحدة من هاتين التجربتين يمكن أن تسبب ردة فعل سلبية تجاه أي خطبة أو أي زواج، وكما ذكرت في سؤالك أن هذه الجراح لم تلتئم بعد.
فهذا هو التشخيص، أنك تعانين من ردة فعل نتيجة المعاملة السيئة والتجارب المؤلمة التي مررت بها، أما ما ذكرته من أنك أصبت بنوبة صرع: فأنا أشك في أنها نوبة صرع، وإذا كانت كذلك، فالغالب أنها كانت تحتاج إلى تحر طبي.
أما الأمر الثاني: فقد أردت التوجيه لأمور أهم من الزواج: ولا شك -أختي الفاضلة- أن اهتمامك بنفسك، وبدينك، وطلبك للعلم، أمور مهمة جدا، وعندما تأتي فرصة الزواج، فإنها تأتي بإذن الله، وتوفيقه، وستكونين حينها مستفيدة من التجارب السابقة التي مررت بها، فأرجو ألا تغلقي هذا الباب، وإنما أن تحسني الاختيار، وتسألي عن الخاطب.
أما الزواج: فلا أنصحك بأن تبذلي جهدا كبيرا في الوصول إليه؛ فهو سيصل إليك، والمهم أن تعتني بنفسك، وبحياتك، وبمستقبل زواجك أيضا.
أما السؤال الثالث والأخير: فتسألين فيه عن النصيحة والعلاج: وأحب أن أقول لك: من المفيد أن تفكري في التجارب التي مررت بها؛ لتخرجي منها بدروس وعبر تستفيدين منها في حياتك المستقبلية.
إذا شعرت بالراحة لما ورد في الجواب، فهذا طيب، ولكن إذا استمرت المعاناة، وما زال في قلبك جرح مؤلم، فلا مانع من أن تستشيري أخصائية نفسية تفضفضين إليها، وتساعدك على التعافي من هذه الذكريات المؤلمة.
أسأل الله تعالى لك تمام الصحة، والتوفيق، والسعادة.